إن الغاية من السياسة الشرعية هي الحكم في إطار القانون، وتأسيس العدالة بين أفراد المجتمع، وحينما ننظر إلى تاريخنا السياسي البعيد والقريب يتضح لنا جليًّا لماذا فقدت مفهوم “السياسات اليمينية المتدينة” في نهاية المطاف تأييدَ الشعب وسقطت من سدة الحكم.

وعود ونكوص

والإسلام السياسي الذي ظهر في تركيا منذ عام (1970م) والذي يحاول الوصول إلى سدة الحكم، يتبنى منذ نشأته القواعد الإسلامية المتينة ويتمسك ببعض المبادئ التي يمكن أن نلخصها في ثلاث نقاط أساسية وهي؛ عدم التورط في الفساد والرشوة، والحفاظ على الرعية وخاصة الطبقة الفقيرة منها، وتأسيس سلام على نطاق واسع بين طبقات المجتمع، كما وعد الإسلاميون في تركيا الشعب حال وصولهم إلى سدة الحكم بالحكم بين جميع أفراد الشعب بالعدل والمساواة بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم ومجموعاتهم المهنية وقناعاتهم الفلسفية وتكتلاتهم وعشائرهم.

كنا نأمل أن “الإسلام السياسي” سيبني جسور المحبة والسلام بين أبناء الشعب التركي والمجتمعاتِ المسلمة الأخرى.

فهذا الجانب كان من أهمِّ العوامل التي تميِّز “الإسلام السياسي” عن “السياسة المحافظة اليمينية في تركيا.. ونحن كنا نأمل أن “الإسلام السياسي” سيبني جسور المحبة والسلام بين أبناء الوطن من جهة وبين الشعب التركي والمجتمعاتِ المسلمة الأخرى من جهة أخرى، وسيسمح لجميع طوائف المجتمع بما فيها الحركات الإسلامية والجمعيات الأهلية بالمشاركة الفعلية في نظام الحكم، وهكذا كنا نأمل التخلص من القيود المفروضة علينا منذ ما يزيد عن المائتي عام الماضية، وكنا نأمل أن ينجح السياسي أو الإداري الذي برز بهُوِيَّته المسلمة في هذا الأمر دون أن يتورط في فِخاخ الماضي، ويشق طريقه نحو تحقيق أهدافه آخذًا في الاعتبار المتغيرات العالمية ويأخذ كذلك في الحسبان الثقافة السياسية التي هي وليدة العصر الراهن.

تقديس دراماتيكي

ولكن وا أسفاه إن المشهد الحالي مأساوي ومُرعِب، حيث إن هؤلاء الذين برزوا للناس بهُوِيَّتهم المسلمة وقطعوا على أنفسهم الوعود -وقد ذكرنا جزءًا منها سابقًا- باتوا أسوأ حالًا ممن تبنوا “السياسة اليمينية المتدينة” في الماضي، حتى إننا نشاهد في هذه الأيام الإجراءات التعسفية -التي كنا نعاني منها في تلك الفترات ونذكرها ببالغ الأسف والخجل- قد تُنَفَّذ من جديد من قبل هؤلاء الناس الذين برزوا للناس بالهوية المسلمة، وإليكم بعض الإقتباسات من أقوالهم وأحاديثهم:

هؤلاء الذين برزوا للناس بهُوِيَّتهم الإسلامية باتوا أسوأ حالًا ممن تبنوا “السياسة اليمينية المتدينة” في الماضي.

“إن الدولة كالإله، لا تقبل الشركاء”. (بكير بوزداغ وزير العدل التركي السابق)

“ألا يحق للمدير الفني لفريق كرة القدم أن يغيِّر اللاعبين حسب المُجريات في الملعب؟ هناك بعض الناس يشكون عدم التوافق بين مؤسسات الدولة وعدم تطبيق للقانون، أقول لهم ويل لكم إن الدولة تضيع وتنهار، ما لنا وللقانون؟!”. (محمد جليك وزير الاقتصاد التركي السابق)

“إذا كان القضاء في أي دولة بيد خونة الوطن، فإمَّا أن تُطهَّر الدولة من هؤلاء الخونة في إطار القانون، وإما… أن تحافظ الدولة على وجودها بأيّ ثمن”. (“أحمد بايك أوغلو، أحد قيادات حزب العدالة والتنمية)

“أحيانًا ما تجلب الاغتيالات السياسية التي تقع في بلد ما السكينة والطمأنينة إلى هذا البلد، فهذه الاغتيالات تكمم الأفواه وتحد من الثرثرة”. (أحد قيادات حزب العدالة والتنمية)

يقول أحد مستشاري أردوغان في فترة رئاسته للوزراء: “لقد لجأت الدولة إلى بعض الممارسات القمعية في بعض الفترات على مدار تاريخها للحفاظ على ذاتيتها، اذكروا عني هذا…”.

من ناحية أخرى نرى نائبًا في حزب العدالة والتنمية عن محافظة “أرضروم” يهدِّد متحدثًا باسم منظَّمة مهنية تمثِّل سبعين منظمة مدنية فرعية وهي مقربة من حركة “الخدمة” قائلًا له: “سنطردكم من هذا البلد، وأنتم تنهقون كالحمير”.

ولكن الذي زاد الطين بلَّة هو تصريح رئيس الوزراء المخلوع أحمد داود أوغلو.. ذلك التصريح الذي يجمِّد الدم في العروق: “لنا أعراف في إدارة الدولة، وهكذا كان الأمر في الدولة العثمانية، إذ ضُحِّيَ بالأولاد في سبيل بقاء الدولة، لذلك فليس من الممكن أن نَقبل بوجود تشكيل داخل كيان الدولة، ولن نسمح بأن يستولي البعض على الدولة”.

العُرْف القديم الذي كان يُبِيح قتل الإخوة سياسيًا، قد انبعث من مرقده في عقل الإسلاميين السياسيين المعاصرين.

اغتيالات سياسية

إن هذه التصريحات المذكورة أعلاه التي سجلها التاريح ما هي إلا نماذج تبين لنا كيف تحولت عقلية المسلم السلمية إلى فلسفة دولة تتبنى العنف والجبروتية في الإدارة، وإذا افترضنا أن ثمة إجراءات جنائية تمت بحجة الحيلولة دون تَمَزُّق الدولة، وهذه الحجة لا أراها أبدًا مبرِّرًا لهذه الأعمال الإجرامية ولكنني أود أن أتساءل هنا: هل يُجِيز الإسلام أن تكون الدولة ملكًا لأسرة حاكمة؟ واليوم الدولة ملك لمَن؟ وهل هؤلاء الذين وصلوا إلى الحكم لمدة محدَّدة بعد الانتخابات يَعتبرون أنفسَهم “أسرة مالكة” ولذلك يلمِّحون إلى “قتل الإخوة”؟

فهؤلاء اليوم في السلطة، ولكن أليس من الممكن أن يرحل هؤلاء حال خسارتهم في الانتخابات في المستقبل.. إذًا لماذا يعتبر هؤلاء أنفسهم حراس الدولة التي هي في الحقيقة ملك لجميع الشعب التركي بكل طوائفه، ومِمَّن يحرسونها؟ وهل الحفاظ على الدولة يسمح لهؤلاء اللجوء إلى طرق غير مشروعة وغير قانونية من أجل تأدية هذه المهمة؟ وهل تصرفكم هذا نابع من اعتقادكم أن هناك محاولة لإلغاء العمل بالدستور أو حل المجلس النيابي أو القيام بتمرد مسلح أو هناك نية للقيام ببعض الاغتيالات السياسية؟

الأدهى والأمَرُّ أن العُرْف القديم الميت الذي كان يُبِيح قتل الإخوة سياسيًا، قد انبعث من مرقده في عقل الإسلاميين المعاصرين، فنرى أن “الأحكام العرفية” جاءت لتحلّ محلّ مفاهيم “العدالة، والحرية، ورعاية حقوق الآخرين”، وسَرْعان ما أصبحت المبادئ والأوامر الإسلامية طَيَّ النسيان، وراجت أساليبُ جنكيز خان القمعية، وسياسةُ القصر البيزنطيِّ العقيمة.

ملاحظة: نشر المقال في ٣ فبراير ٢٠١٤ في صحيفة زمان التركية