صدام أم حوار بين القيم؟

عندما حاولت الجمع بين هذين المتناقضين -مفهوم الحداثة ومفهوم التصوف- في فكر فتح الله كولن أدركت أنني تصديت لحمل مهمة صعبة؛ فمن ناحية نجد أن “التصوف” -وهو المصطلح المقبول عموما لتقليد الزهد الإسلامي- ليس حركةً دينية معرَّفة تعريفًا دقيقًا، وإنما هو شبكة متداخلة من الأفكار والممارسات يسعى جميعها نحو فهم أعمق وتتبع صادق للرسالة القرآنية. وحين حاول الباحثون من غير المسلمين -بل ومن الصوفيين أنفسهم- وَضْعَ تعريف محدد للتصوف استخرجوا -كما هو متوقع- عددًا من العناصر والتوكيدات الرئيسة لدى بعض الصوفيين عبر التاريخ، بينما تجاهلوا وأخفوا عناصر أخرى لأنها لا تلائم أو حتى تتعارض مع تعريفهم.

وقد اعتبر الكثير من الصوفيين الأوائل “الزهد وبساطة الحياة” بمثابة المفتاح الأساسي للاتّباع الصحيح للإسلام، بينما رأى آخرون أن “الحب” هو الفكرة الرئيسة، وفهموا الطريق الصوفي على أنها الطريق المؤدي إلى إيصال العاشق إلى المحبوب (الله).

وقال آخرون: إن “التصوف” هو طريق تطوعي يسلكه المؤمن مُتسلحًا بالفضيلة والسلوك القويم ليصل إلى حالة بحيث يتخلى عن إرادته الشخصية ويسعى فقط إلى تنفيذ إرادة الله. ويرى العديد من الصوفيين أن هذا “الطريق” هو إدراك الحكمة الأزلية للقلب الذي هو الطريق الآمن الوحيد للوصول إلى المعرفة والحقيقة الأزلية والبصيرة الحقيقية. ويؤكد آخرون على فكرة أخرى وهي “وحدة الوجود” وبذلك يصبح الطريق الصوفي تحركًا نفسيًّا بالدرجة الأولى نحو إدراك أن المرء ما هو إلا تجلٍ مؤقت للموجود الواحد الخالد في هذا الكون وفي أعماق شخصيته.. بينما يؤكد فريق آخر من الصوفيين على “التجربة” الصوفية غير العادية التي تتجلى في حالات النشوة والعبارات ذات الأسرار والرؤى والأحلام الملهَمة. لكن آخرين يرون الطريق الصوفي على أنه السير بأجنحة التفكر إلى الله المتجلي في أعماق القلب.

وبذلك تصبح محاولة تعريف التصوف أشبه بالحكاية الرمزية التي أوردها مولانا جلال الدين في كتابه “المثنوي” عن فيل بداخل غرفة مظلمة:

“ثمة فيل كان في مبنى مظلم،

أحضره بعض الهنود للعرض.

وكان أناس كثيرون يدخلون هذا المكان المظلم لمشاهدته،

ويتلمسونه بأيديهم في الظلام،

لأن رؤيته بالعيون كانت مستحيلة.

أحدهم لمست يده خرطوم الفيل،

فقال: إن هذا المخلوق أسطواني كأنبوبة الصرف.

وآخر وصلت يده للأذن،

فبدا له وكأنها مروحة.

وآخر لمس الرِّجْل،

فقال: أعتقد أن شكل الفيل يشبه العمود.

ومن وضع يده على الظهر قال:

إنه حقًّا يشبه كرسي الملك.

ومن هنا نرى أن كل واحد منهم قد وصف الفيل ولكن حسب رؤيته الخاصة معتمدًا على ذلك الجزء من الجسم الذي وصلت إليه يده”[1].

وكذلك فإن تعريف “الحداثة” هو أيضًا بنفس الصعوبة؛ فالبعض يرى أنها تشير إلى سلوك ثقافي يستغل وسائل التقدم العلمي الحديثة من أجل العيش والاتصال بالآخر بأسلوب “حديث” بدلًا من الأساليب “السابقة على الحداثة” أو “التقليدية”[2]. وأما “بروس لورانس (Bruce Lawrance)” قد وضع تعريفًا للحداثة قال فيه:

“هي ظاهرة جديدة لحياة الإنسان التي تشكلت أولًا عن طريق زيادة البيروقراطية والعقلانية، وعن طريق الكفاءة التكنولوجية والتفاعل العالمي بشكل لم يكن ليتصور قبل الحداثة”[3].

ويرى البعض أن الحداثة تشير دائمًا بطريقة أو بأخرى إلى “التغريب”، حتى إنها أصبحت مرادفة للتغريب. ولا شك أن هذه الكلمة بالنسبة للمفكرين من أمثال “صمويل هنتينجتون” -الذي كتب مقالًا وكتابًا عن “صراع الحضارات”- تعكس طريقة تفكير الكثير من صناع السياسة الغربيين. فالحضارة الغربية ترتكز على مبادئ هي: الفردية، والليبرالية، والدستورية، وحقوق الإنسان، والمساواة، والحرية، وسيادة القانون، والديمقراطية، وحرية السوق، وفصل الدولة عن الكنيسة[4]. أما الذين يتبنون تلك المبادئ فكثيرًا ما يعتبرون أنفسهم أصحاب رسالة توصيلِ فهمٍ مستنير للحياة لهؤلاء الذين لا يزالون أسرى للتخلف والرجعية والخرافات والجهالة.

تُشكّل هذه المبادئ المستوحاة من آراء فلاسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر الأوروبيين أيديولوجية أو نظامًا اعتقاديًّا يطلق عليه أحيانًا “الحداثة”. لكن أسلوب الحياة الذي تقترحه الحداثة يتعارض مع بعض ثوابت الفكر الديني والمصطلح العام للمبادئ العقدية والأخلاقية المستقاة من الأديان، ويقدم بدلًا منها أفكارًا أخرى مثل “البحث عن استقلالية الفرد التي نتجت بدورها عن مجموعة من القيم الاجتماعية تؤكد التغيير بدلًا من الثبات، والكمّ بدلًا من الكيف، وتفضل الإنتاج الفعال، والسلطة، والربح على التعاطف مع القيم أو المهن التقليدية في الساحات العامة والخاصة.

والحداثة -من منظور مثالي مبالَغٍ فيه- تُمجِّد إحدى السياسات الاقتصادية وهي سياسة “الرأسمالية الاستهلاكية” باعتبارها أفضل الوسائل التي تؤدي إلى التقدم التكنولوجي الذي سيقضي على الاضطراب الاجتماعي والقلق المادي”[5].

وبهذا فإن الجمع بين مفهومي التصوف والحداثة يعني مناقشة العديد من القيم الموجودة داخل كلا المفهومين، مثل مفهوم الزهد
أو بساطة الحياة، وحب الله، والمجاهدة لتحقيق مَشيئته، والبحث عن نوع من “المعرفة” لا يمكن الوصول إليها بالطرق العلمية الوضعية، وكشف ما هو إلهي في قلب الإنسان. ومن ناحية أخرى توجد مفاهيم تحاول أن تقدم أسلوب حياة يمجد حقوق الفرد، ويرى التطور الشخصي واجب كل فرد، والإيمان بالعلم حلًّا لمعظم مشاكل الحياة، واتجاه التشكك في الأطروحات الدينية، واستبعاد المعتقدات الدينية عن الدائرة المستقلة لعالَـمَي الاقتصاد والسياسة.

وإذا نظرنا إلى هاتين المجموعتين من المعتقدات المذكورة على أنها متنافِرة وصعبة الامتزاج، فإن ذلك سوف يُحدث صدامًا بين القيم الحضارية، غير أننا إذا اعتبرنا أن هذه الاتجاهات للتصورات عن الحياة قابلة للتوافق، فسوف تتولد حينئذ الحاجة إلى “حوار” للمبادئ التي ستُبنى عليها الحياة الحضارية. وفي كلتا الحالتين فإن الهوية الدينية المتمثلة في التصوف كأسلوب روحاني لفهم الحياة، والنظرة الحداثية للفرد داخل المجتمع العلماني من أكبر الصراعات في عصرنا الحالي. وهذا هو الأمر الذي سيتم من خلاله التعرف حتمًا على وجهة نظر المفكر الديني وتوصيفها بالإضافة إلى تحديد مدى مصداقية هذا المفكر ووثاقة صلته بالموضوع.

فتح الله كولن والتصوف

وإذا قمنا بدراسة كِتابات وأعمال كولن في هذا السياق، فسيكون أول سؤال هو هل “خُوجَه أفندي (أي “الأستاذ” أو “الشيخ”)” كما يناديه تلاميذه، صوفي أوْ لا؟ ففي أوقات مختلفة من حياته اضطر كولن أن يدافع عن حركته وأن يفند اتهامات بأنه ابتدع طريقة صوفية جديدة وأنه هو “شيخها”[6]. لكن الاتهام بتأسيس “طريقة” سرية في تركيا اليوم يحمل في طياته تهمتين مزدوجتين كما أن له تداعياتٍ قانونيةً وسياسيةً؛ لأن الطرق الصوفية لا تزال محظورة قانونيًّا في تركيا، فإن تأسيس طريقة جديدة يعتبر نشاطا غير قانوني.. وينظر العلمانيون العصريون إلى التصوف على أنه جزء من ماضي ما قبل الحداثة، وأنه من آثار العهد العثماني، وأحد عوائق التقدم والتنمية والازدهار والرفاهية. وفي المقابل هناك تيار يرى أتباعه أن التصوف هو السبب في ابتعاد الأمة الإسلامية عن الوظيفة التي كلفها الله بها، وهي بناء مجتمع يتفق مع قواعد القرآن والسنة، كما يتهمون الصوفيين أيضًا بأنهم يشجعون على ظهور البدع التي لا أصل لها في الدين، وإظهار تدين سلبي، والتركيز على الجانب الروحي والذاتي فقط في الدين.

وردًّا على هذا الاتهام يؤكد كولن أنه لم يؤسس طريقة صوفية، وأنه لم ينتم شخصيًّا لأي من الطرق الصوفية قط، فهو يقول:

“إن هذه الطرق الدينية هي مؤسسات ظهرت باسم تمثيل الصوفية بعد ستة قرون من عهد نبينا ، ولها نظمها وقواعدها الخاصة بها. وكما أنني لم أنضم قط لأية طريقة صوفية فلم تربطني أيضًا أية علاقة بأي منها قط”[7].

وبالنسبة لمسألة تلقيبه بـ”خُوجَه” -وهو اللقب الذي يطلقه الصوفيون عادة على معلمهم في العهد العثماني- أجاب بأن هذا اللقب لا يحمل أية دلالات إيحائية عثمانية أو تتعلق بتسلسل هرمي، وإنما هو ببساطة “نوع من التوقير”[8].

ولكن هل عدم انتماء كولن لأي من الطرق الصوفية ينفي عنه التصوف؟ في الدراسة التفصيلية التي قام بها “زكي ساري توبراك” عن نزعات كولن الصوفية وَصَفه بــ”الصوفي على أسلوبه الخاص”[9]، كما يؤكد ساري توبراك أن هناك الكثير من الصوفيين لا ينتمون لطريقة صوفية معينة. فخلال القرون الستة الأولى من الإسلام لم يكن هناك أية طرق صوفية بالرغم من وجود العديد من الصوفيين البارزين، وحتى بعد ظهور الطرق الصوفية في الأمة الإسلامية خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر كان هناك العديد من الصوفيين المعروفين، ولكنهم لم ينتموا إلى الطرق الصوفية. غير أن ساري توبراك يعترف بالموقف الإشكالي للصوفي المعاصر الذي لا ينتمي لطريقة معينة وليس له مرشد روحي.

يقول ساري توبراك:

“لم يكن للصوفيين الأوائل طرق ولا تنظيمات صوفية، فرابعة العدوية والجُنيد البغدادي والحارث المحاسبي وبِشر الحافي والغزالي وفريد الدين العطار وحتى الرومي لم ينتموا إلى طريقة معينة رغم أنهم كانوا من الصوفية. ووفقًا للأساسيات المحورية للمؤسسة الصوفية فإن مسألة تصوفهم تصبح جدلية؛ لأن هؤلاء الصوفيين الأوائل لم يكن لهم أي مرشد روحي”[10].

ويعد وجود مرشد أو معلم روحي مسألةً جوهرية، فالغالبية العظمى من الصوفية لا تشجع بل وتمنع اتباع شخص ما للطريق الصوفي دون أن يكون له معلم أو شيخ، غير أنه لم يزل هناك أقلية من الصوفيين ترى دائما أن هذا المرشد الروحي لا يجب أن يكون شخصًا على قيد الحياة، فبعض الصوفيين مثلًا يدّعون أن مرشدهم هو “الخضر” .

أما كولن فهو يرى أن ما يرشده في رُقِيّه الروحي هو القرآن والسنة، ويعتقد أن القرآن ليس فقط أفضل مرشد بل هو مصدرُ وينبوعُ كل الأفكار والممارسات الصوفية الصحيحة، وحيث إن مصدر التصوف القرآن والسنة، والذين طبقوا الآيات القرآنية من خلال (مجاهدتهم)، فلا ينبغي اعتبار التصوف مجرد بديل يتبعه بعض المسلمين الخارجين عن الشريعة أو المناقضين لها، ولكن ينبغي النظر إليه على أنه أحد علوم الإسلام الأساسية.

فالتصوف لا يتعارض مع أي من الأساليب الإسلامية المستندة إلى الكتاب والسنة، بل إنه يبعد كل البعد عن التعارض، حيث إنه يستقي من نفس مصادر العلوم الدينية الأخرى (القرآن والسنة) بالإضافة إلى الاستنتاجات التي استنبطها العلماء الأجلاء من القرآن والسنة عن طريق “الاجتهاد”[11].

“ولما كان التصوف طريقًا للعبادة جُلّ اهتمامه الباطن، ويتناول الجانب الروحي للأحكام الشرعية ومدى تأثيرها على القلب، والأعماق التي تشف في الوجدان، فهو بالنسبة للمسالك الأخرى أكثر غورًا ولدنّيةً وأوسع مدى وأصعب فهمًا، إلَّا أنه من حيث الهدف والمنطلق نابع من الكتاب والسنة لا ينافي أي طريق إسلامي آخر. بل هو كالعلوم الشرعية الأخرى، يؤكد روح العلم والمعرفة واليقين والإخلاص والإحسان وما شابهها من الحقائق، مستندًا إلى الكتاب والسنة والاجتهادات الخالصة للسلف الصالح”[12].

فبالنسبة لكولن، التصوف والشريعة وجهان لحقيقة واحدة، أو بمعنى آخر: هما طريقتان للتعبير عن نفس الحقيقة، فالاختلاف في التعبير بطريقتين ينبع من الاختلاف في المشارب، وليس لاختلافات في محتوى الرسالة. يقول كولن في هذا الصدد:

“ظن قسم من المسلمين في بعض العهود أن الشريعة شيءٌ وروحُ الشريعة التي تشكِّلها المراقبة والرياضة والمجاهدة… إلخ شيءٌ آخر –وهما في الأصل وجهان لحقيقة واحدة-؛ فاستمسك بعضُهم بواحدة منهما والبعضُ الآخر بالأخرى، فأخذ كلٌّ منهما موقف العداء من الآخر، بتوهم أن إحداهما تشبُّثٌ بالظاهر والأخرى تشبُّث بالباطن. وفي الحقيقة أن ما أَوْجد -إلى حد ما- ظهور هذا الاختلاف هو أن الفقهاء وأهل الفتوى مثّلوا جانب الشريعة النظري، بينما مثّل الصوفيةُ جانبها الباطني. والحال أن هذا الاختلاف يمكن النظر إليه على أنه نتاج لميل طبيعي في الإنسان، وهو أن يعطي كلُّ شخص الأولويةَ للأسلوب الذي يتوافق أكثر معه ومع استعداده الشخصي”[13].

ولم يزل هناك مِن الصوفيين المنحرفين عن الشريعة مَن ادعوا أن اتّباع الأحكام الفقهية “الظاهرية” للشريعة لا حاجة له بالنسبة لهؤلاء الذين يسلكون طريق “الباطن”. ولكن من الواضح أن كولن من الذين يؤكدون على ضرورة عدم التخلي عن الشريعة. فهو بمثابة امتداد لسلسلة صوفية تحتل الشريعةُ الإسلامية الصدارة في تصورهم، والتي تمثلت في تقاليد الطريقة القادرية والنقشبندية في القديم، وفي سعيد النورسي الذي يرى التصوف جانبًا مهمًّا من جوانب حياة المسلم المخلص الذي يبحث عن سبل لينقل رسالة القرآن والسنة إلى الحياة بشكل كامل في العصر الحديث.

وترى “أ.د. أليزابيث أوزدالجا” أنه هناك ثلاث نقاط مرجعية إيجابية شكلت فكر فتح الله كولن وهي:

1- الإسلام السُّنِّيّ.

2- التقاليد الصوفية للطريقة النقشبندية.

3- الحركة النورية وهي تسمية تطلق على الذين تأثروا بكتابات سعيد النورسي[14].

أما النقشبنديون فهم يصرون دائمًا على الأداء الحريص لقوانين الشريعة، إذًا فلا تعارض لديهم بين التصوف والشريعة، لكن كولن يختلف عن الطريقة النقشبندية من حيث إن تابع هذه الطريقة يقدَّم له برنامج صريح خاص بالتطور الروحي، والذي ينفذه تحت إشراف شيخه… في حين أن برنامج كولن يؤكد على الأعمال الصالحة التي لا حد لها أو الخدمة المتواصلة في سبيل الإنسانية أكثر من تأكيده التدريبات والرياضات الروحية[15].

ربما كان سعيد النورسي من أهم العوامل المؤثرة إيجابيًّا على تطور فكر كولن بوجه عام وفهمه للصوفية بوجه خاص[16]. وكما فعل النورسي الذي نبع فكره أيضًا من داخل الطريقة النقشبندية لكنه اختار العمل والتعليم خارج حدود طريقة ثابتة، فإن كولن أيضًا يرى أن التصوف أقرب إلى أن يكون حكمةً تراكمية لعلماء الإسلام أكثر منه ضرورة مؤسسية لتحقيق قيم الإسلام داخل الفرد.

ويرى النورسي أن “هناك تحت عناوين التصوف والطريقة والولاية والسير والسلوك حقيقة روحانية نورانية مقدسة، طافحة باللذة والنشوة، أعلن عنها كثير من علماء أرباب الكشف والأذواق وتناولوها بالدرس والتمحيص والتعريف، فكتبوا آلاف المجلدات حولها فأخبروا الأمة وأخبرونا بها”[17].يقول النورسي:

“لا يمكن أن تدان “الطريقة” ولا يحكم عليها بسيئات مذاهبَ ومشارب أَطلقت على نفسها -ظلمًا- اسم “الطريقة”، وربما اتخذت لها صورةً خارج دائرة التقوى، بل خارج نطاق الاسلام. فلو صرفنا النظر عن النتائج السامية التي تُوصل إليها الطريقة سواء منها الدينية أو الأخروية أو الروحية، ونظرنا فقط إلى نتيجة واحدة منها ضمن نطاق العالم الاسلامي نرى أن “الطرق الصوفية” هي في مقدمة الوسائل الإيمانية التي تُوسّع من دائرة الأخوة الإسلامية بين المسلمين وتبسط لواء رابطتها المقدسة في أرجاء العالم الإسلامي”[18].

وينظر كولن إلى التصوف باعتباره “البُعد الداخلي والروحاني للشريعة”، ويرى أن بُعْدَي الإسلام لا يجب فصلهما أبدًا؛ فإن أداء المظاهر الخارجية دون الالتفات إلى قوتها التحولية الداخلية يؤدي إلى تطبيق جاف للشعائر، وكذلك التركيز على الضوابط الباطنية ورَفْض ما فُرِض من شعائر وسلوك يقلل من القدرة الروحية على اتّباع الأشياء المفضلة والميول الشخصية. ولذلك لن يستطيع المرء أن يسلم حياته كلها بتواضع لله إلا من خلال تنشيط بُعْدَي الإسلام معًا.

“إن أساس التصوف هو الرعاية لآداب الشريعة ظاهرًا، والوقوف على تلك الآداب باطنًا، فالسالك الذي يُحسن استعمال هذين الجناحين يرى من الباطن ما في الظاهر من الأحكام، ويشعر ويعيش في الظاهر بالأحكام التي في الباطن. وبفضل هذه المشاهدة والشعور يسير دومًا بأدب نحو الهدف، ويجول قريبًا منه ويحوم حوله”[19].

وكما أن التصوف هو “إحياء علوم الدين” على حد تعبير الغزالي، فالشريعة هي الرسوخ والتعمق في التعاليم والتقاليد الإسلامية. يقول كولن:

“إن لم يستطع السالك إعداد قلبه وفقًا لمتطلبات كل من رحلته الروحية وأوامر الشريعة -بمعنى أنه حين يحلق بمشاعره في أجواء
لا نهائية إن كان لا يضبط فكره وفهمه في ضوء النبوة- فلا جرم أنه سيسقط، وسيرتبك ويختلط عليه الأمر في كلامه وأفعاله التي لا تتوافق مع روح الشريعة”[20].

ويرى “ساري توبراك” أن المرء لا يسمى بـ”الصوفي” بانتسابه إلى طريقة. ويستشهد بـ”مولانا” إن المرء لا يكون صوفيًّا بظاهره، ولكن بنقاء طويته وطيب سريرته. يقول ساري توبراك:

“إن كولن لم يسم نفسه صوفيًّا قطّ؛ فالمرء ليس صوفيًّا بالاسم ولكن بالروح والقلب، وكما يقول الرومي: كيف يكون المرء صوفيًّا؟ إنه نقاء القلب وليس الرداء المرَقَّع أو الشهوات الجنسية المنحرفة لهؤلاء الدنيويين الذين يسرقون هذا اللقب، لكن الصوفي الحقيقي هو الذي يعطي الأولوية لتصفية الروح. وخلاصة القول أن كولن يدرك أن المرء يفني نفسه ويتلاشى في أشعة الحقيقة من خلال إدراكه لعجزه وفقره وتفاهته”[21].

وإذا اعتبرنا أن كولن صوفي في الروح على الأقل إن لم يكن بالاسم أيضًا، فماذا يعني التصوف في نظره؟ يقدم كولن تعريفه الخاص للصوفي فيقول:

“التصوف هو التحرر من الصفات البشرية إلى حد ما، واكتساب الصفات الملائكية والأخلاق الإلهية، والعيش في فلك المعرفة والمحبة الإلهية والذوق الروحاني”[22].

يبدو أن كولن يعطي أولويةً للإرادة مؤكِّدًا على أن التصوف يعني التغلب على الصفات البشرية، والوصول إلى حول الله وقوته ورحمته، واكتساب الفضائل والسلوكيات التي يرتضيها الله في عباده. ومن يستطع أن يعيش على هذا النحو يَتَرقَّ في “المعرفة” أو الحكمة الروحية و”المحبة” و”العشق” لله وللآخرين، ويُنعم الله على المؤمن الذي يتبع هذه الطريق بالسعادة الروحية التي تشجعه وتعطيه الثقة. ويتوافق هذا الفهم مع الاتجاه العام للسلوك الصوفي عبر القرون، حيث يبذل الصوفي جهده لينال المقامات الروحية المختلفة، وعندها تنزاح الحواجز الواحد تلو الآخر بين العبد والرحمة الإلهية، وعندها ينبغي له أن ينتظر في ثقة لينال “الأحوال” الروحية للمعرفة والحب والبهجة.

ولكن لماذا اهتم كولن بالتصوف؟ وماذا يوجد فيه من جاذبية تستهويه؟

لقد قال في تصريح معبر له: إنه لاحظ أن المسلمين عبر القرون الذين كانوا أكثر تأملًا وطلبًا لتطبيق القيم الروحية التي يعلِّمها الإسلام، والذين طوروا أنظمة تعليمية روحية للسيطرة على نزوات الأنانية، كانوا في الواقع صوفيين. إذن نستطيع القول بأن التصوف هو “جوهر” الإسلام، أو كما يقول كولن في موضع آخر هو “روح” الإسلام، حيث قال:

“إنه من الطبيعي أن يؤكد الإسلام على العالم الروحي، وهو يَعتبر تربية النفس مبدأً أساسيًّا، ولذلك نجد مبادئ مثل: الزهد والتقوى والبر والإخلاص تحتل مكانة كبيرة في هذا النوع من التربية، وفي التاريخ الإسلامي كان التصوف هو الفرع الأكثر تركيزا على هذه المبادئ، ومعارضة هذا بمثابة معارضة جوهر الإسلام نفسه”[23].

وبعبارة أخرى، تتجلى عبقرية التصوف -وفقًا لكولن- في قدرته على تجسيد رسالة القرآن والسنة في داخل الإنسان فيؤثر في سلوك المسلم ويُشَكِّله، ومن خلال التصوف يتعلم المسلم أن ينظر إلى ما هو أبعد من مجرد طاعة الأوامر والشرائع، وهو إدراك جوهر الإسلام، والذي يصبح جزءًا لا يتجزأ من أسلوب حياة المؤمن. فالتصوف يوضح كيف يتسامى المسلم على أهدافه الشخصية وكيف يتعامل مع الإحباط والتحديات، وكيف يتغلب على التثبيط والرتابة عن طريق الصبر والمثابرة، كما يمكِّن التصوفُ المسلمَ من اكتساب الصفات الفاضلة والانضباط الذاتي الذي يؤهله للعيش وفقًا لإرادة الله. ويقود التصوف إلى حالة “الشوق والسعادة”، فيتحول تطبيق الالتزامات الدينية من مجرد عبء مرهق ثقيل يحمله المرء مكرهًا، إلى قبول الحياة بحب وسعادة. إن ما يهم كولن بالدرجة الأولى هو تلك القدرة الصوفية على تقديم برنامج عملي يمكّن المسلم من تبني الإيمان والتطبيق، وليس طقوس الانتشاء والتجارب الصوفية الخارقة للعادة التي يزعمها بعض المتصوفة أو التي تُنسب إليهم أحيانًا.

لم يَمنع احترامُ وتقدير كولن لشيوخ الصوفية وأساتذتها من نقد بعض تطبيقاتهم للحياة الصوفية أحيانًا، فكثيرًا ما تبددت نشاطات المتصوفين الأوائل في الأشكال المؤسسية التي تشكلت في الطرق الصوفية اللاحقة وبخاصة في العصر الحالي، حيث اعتزل العديد من المتصوفين الحياة الواقعية، وانخرطوا في تأملات باطنية غير مجدية. ويرى كولن أنهم إحدى المجموعات المسؤولة عن أزمة التعليم في تركيا الحديثة، بل إن جهود كولن في مجال التعليم يمكن النظر إليها على أنها رد فعل طبيعي لعدم وجود بديل في برامج التعليم المقدمة للطلاب الأتراك. إن الافتقار إلى التكامل بين المعرفة العلمية والقيم الروحية هو ما دفع كولن ورفاقه لتصور نوع جديد في التعليم.

وقبل الابتداء في المشروع التعليمي الذي يتبناه كولن ورفاقه كان الطلاب في تركيا يُجبَرون على الدراسة إما في المدارس العلمانية الحكومية، أو في المدارس التقليدية، أو في التكايا، أو في الأكاديميات العسكرية، لكن كل هذه المؤسسات لم تتمكن من تحقيق التكامل الحقيقي بين التدريب العلمي والقيم الإنسانية والروحية؛ حيث ركزت المدارس الحديثة على تدريس المبادئ الأيديولوجية، وانفصلت مؤسسات التعليم الديني عن الحياة، وانخرطت مؤسسات التزكية (التكايا) في فلسفةِ ما وراء الطبيعة فقط، أما الجيش فقصر جهوده على القوة فقط، ولذلك كان تحقيق التكامل الحقيقي بين هذا كله مستحيلًا من الأساس.

ويؤكد كولن أن المدارس العلمانية لم تستطع أن تحرر نفسها من التقاليد والأحكام المسبقة للأيديولوجية العصرية، وذلك على الرغم من أن المدارس الدينية لم تُبد اهتمامًا كبيرًا أو قدرة على مواجهة تحديات التكنولوجيا والفكر العلمي فهي تفتقر إلى المرونة والرؤية اللازمين للانفصال عن الماضي وإحداث التغيير، وتقديم هذا النوع من البنية التعليمية التي يحتاجها الطلاب اليوم. وبالرغم من أن التكايا الصوفية شغلت نفسها بتشجيع تنمية القيم الروحية إلا أنها لم توفَّق في مواجهة تحديات المجتمع المعاصر، كما يقول كولن: يشتغلون بتسلية أنفسهم بقيمِ وكرامات الأولياء الذين عاشوا في القرون السابقة.

كولن والحداثة

إن انتقاد كولن للنظام التعليمي الموجود في تركيا المعاصرة يُظهر -في أحد جوانبه- أنه لا يقدم اعتراضًا شاملًا على العلوم العصرية، ولا يقدم قيمًا تقليديةً متزمتة، ولا يبدي حنينًا إلى العودة إلى الأنماط العثمانية. فانتقاده للمدارس والتكايا يرتكز بشكل دقيق على أساس أنها لا تفي بمتطلبات الحياة الحديثة. ولا تُعِد الطلاب ليقدموا مساهمة نشطة وإيجابية في الحياة المعاصرة؛ لأن مناهجها التربوية لم تقم بدمج تطورات العلم والتكنولوجيا داخل المناهج التقليدية التي تدرس في تلك المدارس، ولذلك فقد يكتسب الطلاب معرفة دينية جيدة أو مبادئ أخلاقية حميدة إلا أنهم لا يملكون القدرة على الوصول إلى المناصب المؤثرة التي تستطيع معرفتهم ومبادئهم الأخلاقية إحداث تغيير بواسطتها في المجتمع المعاصر.

وعلى الجانب الآخر، يبين كولن في نقده للمدارس الحكومية العلمانية والمؤسسات الأكاديمية أنها تفصل المعرفة العلمية الحديثة عن المهارات الفنية، ومن جانب آخر يقول: إن تلك المدارس لم تنجح في نقل القيم “الروحية” والأخلاقية التي حفظتها المناهج الإسلامية ونقلتها. فقد ينجح الطلاب الذين يتخرجون من تلك المؤسسات التعليمية في الحصول على عمل في المجالات الفنية والمهنية إلا أنهم يفتقرون إلى المعنى الذي يعملون من أجله، وإلى الرؤية من أجل إنشاء عالم، وإلى الانضباط الذاتي الذي يؤهلهم لرفض الإغراءات الحتمية، مثل القوة والطمع والأنانية، بشكل فعال.

المشكلة الأصلية واحدة في كلتا الحالتين -المدارس الدينية والتكايا من جانب، والمدارس الحكومية والمؤسسات الأكاديمية من جانب آخر- وهي غياب التكامل: تكامل الحديث والقديم، العصري والتقليدي، المعرفة العلمية والدينية، المهارات الفنية وتكوين الشخصية. ونتيجة هذا النقص في التكامل هي حدوث أزمة داخل المجتمع، وتشرح الباحثة الاجتماعية الدكتورة “نيلوفر كُولَه” هذه الأزمة فتقول:

“نحن الذين عشنا في تركيا خلال العشرين سنة الأخيرة عانينا حالة من الصدمة، فقد ظللنا نتأرجح جيئة وذهابًا بين الرغبة في مواكبة العصر الحديث ومعرفة أنفسنا، حائرين وسط الطموح والغضب والإثارة، نحاول أن نفتح بأيدينا طريقًا بين روحنا والعالم، نقاتل من أجل هويتنا غير الرسمية ومخططنا غير الواضح. وطالما لم تربط تركيا ماضيها بمستقبلها، وتقاليدها بالحداثة، ونفسها بالعالم، فسوف تظل غير مستقرة. والعنف والفوضى أهم مؤشرات ذلك”[24].

وقد وجدت “كُوله” مفتاح التكامل في فكر كولن، فهي ترى أن مفهوم “ثقافة القلب” لدى كولن الذي استقاه من دراسته للصوفية يقدم للمجتمع التركي الثقة بالنفس التي يفتقر إليها بسبب طبيعة النظم التعليمية المختلفة غير المتكاملة والمتحيزة. ولما كانت النظم القديمة تُفرّق ولا تَجمع؛ حيث أدت إلى تقسيم المجتمع إلى “علماني” “إسلامي”، و”عصري” “تقليدي”، و”علمي” “ديني”، فإن منظور كولن المتكامل للحياة يتيح للشعب التركي أن يحتفظوا من الماضي بما هو أفضل وأصلح، ويقبلوا بالتقدم العلمي والتكنولوجي ويستفيدوا منهما. ولذلك فهي تأمُل أن تكون النتيجة مجتمعًا عصريًّا ومتسامحًا.

تقول “كُولَه”:

“إن البنية الفكرية لـ”كولن” تؤيد التواضع الفردي، والمجتمع المحافظ، والإسلام في بناء الحضارة، وتقدم نماذج من الأشخاص المتواضعين والمعتدلين الذين لم يفقدوا اتصالهم بالله، وأيضًا من الأفراد الذين أعياهم كبت التقاليد وإفراط العصرية. أما العاطفة التي تجمع بين الإيمان والعلم في “ثقافة القلب” فهي تبشر بفتح باب جديد من الثقة بالنفس، ولأول مرة في تركيا نشهد خليطًا عميقًا من الفكر المحافظ والتسامح المتحرر”[25].

إن التحديات التي يواجهها التعليم هي -ببساطة- انعكاساتٌ للتحديات التي يواجهها المجتمع ككل، ويُعد فشل النظم التعليمية في التوفيق بين العناصر المتنافرة وجمعها في كل متكامل مؤشرًا على أن المجتمع لم ينجح بشكل عام في تحقيق ذلك أيضًا، ويوضح كولن سطحية ادّعاء النجاح في تحقيق “الحضارة الحديثة”، بينما تظل اتجاهات وقيم الحاضر غير متوافقة مع حكمة الماضي. وتمخضت عن ذلك حداثة سطحية تكمن تحتها همجية إنسانية. وكما يقول كولن:

“إذا خَلَت الجموع في مجتمع ما من الإيمان والحب والحماسة والإحساس بالمسؤولية، وإذا ظلوا يعيشون حياةً بلا هدف ودون وعي بهويتهم الحقيقية وبالعصر والبيئة اللذيْن يعيشون فيهما، فإن ذلك المجتمع لا يمكن اعتباره مجتمعًا حضاريًّا حتى ولو تغير تغيرًا كاملًا في مؤسساته، وارتفعت مستويات المعيشة بشكل كبير، و”عصرن” جميع الناس في أسلوب حياتهم. إن الحضارة ظاهرة ذهنية وروحية، لا تتعلق بالتكنولوجيا والملابسِ والحلي المبهرجة والأثاثِ ووسائل الترف. فلو كانت تتعلق بهذه الأشياء لَأمكنَنا “تحضيرُ” أي إنسان في بضعة أشهر وتحضيرُ أي مجتمع في بضع سنين، هيهات! فعدمُ تقدُّمنا من حيث حياتنا المعرفية ولو خطوة واحدة دليلٌ ساطع على أن اكتساب الحضارة بالتقليد أمرٌ مستحيل”[26].

وينتقد كولن المخططِين الاجتماعيين والسياسيين الذين يضعون “الحداثة” هدفًا أساسيًّا لهم، حيث يختارون في صراعهم من أجل تحقيق العصرية تقديم كل ما هو جديد وسطحي في العادات وأساليب الحياة، بينما يتجاهلون التحدي الحقيقي الذي يتمثل في تغيير العقليات، هذا التمسك بإخراج مجتمع عصري مهما كلف الأمر يسميه كولن “العصرية”. وفي مقابل المخططين الاجتماعيين العصريين يعتقد كولن أن الهدف الحقيقي للأمم ينبغي أن يكون تجديد الأفراد والمجتمع على أصعدة الحضارة والسلوك الأخلاقي والعقليات، أما التركيز على توفير أهداف ورغبات جديدة للمستهلك دون الالتفات إلى التحول في المواقف والسلوك فهو “جريمة ثقافية” من حيث إنه يضلل الناس بتقديم العلاج الخاطئ لمشكلة أُسيء فهمها.

يقول كولن:

“تختلف الحضارة عن العصرية: فبينما تعني الأولى تغيير الإنسان وتجديده في آرائه وطريقة تفكيره وجوانبه الإنسانية، فإن الثانية تعني تغيير نمط حياته، وملذاته الحسية، وتطويرَ تسهيلات الحياة…

إن الأجيال الجديدة التي أربكها الاستخدام الخاطئ للمفاهيم قد ضُللت أولًا فيما يتعلق بأسلوب تفكيرهم ثم تعرضوا للفساد والتدهور في الإيمان واللغة والأفكار الوطنية والأخلاق والثقافة. وبعيدًا عن ذلك فإن تلك الشعوب التي تتمتع بالتسهيلات التكنولوجية أكثر من غيرها، أو المثقفين المزعومين في جميع الشعوب اعتبروا أنفسهم متحضرين والآخرين همجيين، فاقترفوا خطيئةً كبيرة لا تغتفر ضد الحضارة والثقافة”[27].

أما المسؤولون عن هذا الإثم فهم أولئك الذين يسعون دون تمييز، بشكل تماهت فيه الحداثة مع التغريب، إلى تبني كل ما هو غربي باعتباره أفضل وأكثر تقدمًا، بل وإجبار الآخرين على تبني هذا الموقف، وفي المقابل يحطّون من شأن القيم الوطنية. إن الحضارة الحقيقية
لا تتحقق عن طريق التقليد الأعمى لإنجازات الآخرين (وعيوبهم)، بل من خلال نمو الفكر النقدي والسلوك المهذب والقيم الإنسانية والاستقامة الشخصية، أما التركيز على الازدهار المادي فقط دون السعي وراء إعلاء القيم الروحية فهو الوجه المعاصر للمادية.

يقول كولن في هذا الصدد:

“قد تساعد التسهيلات العصرية في “تجديد” المظهر الخارجي للحياة لكن ذلك لا يعادل التحضر، فالحضارة هي المناخ الذي يلائم تطور قدرات الإنسان، والإنسان المتحضر هو ذلك الشخص الذي وضع نفسه في خدمة مجتمعه بشكل خاص والإنسانية بشكل عام، إلى جانب الأفكار والمشاعر والقدرات التي يطورها ويحسنها في هذا المناخ. ولذلك فالحضارة لا يُبحث عنها في الترف والرفاهية والحياة المريحة بوجه عام، أو داخل البيوت ذات الأثاث الأنيق أو في أساليب وكميات الإنتاج والاستهلاك… بل إنها تتواجد في نقاء الأفكار، وتهذيب الأخلاق، والمشاعر وصحة الآراء والأحكام، فالحضارة تكمن في التطور الروحي للإنسان وتجديده الذاتي المستمر نحو الإنسانية الحقّة والاستقامة الشخصية… ليست الحضارة
كما يفهمها –يا للأسف- المقلدون العميان للغرب باعتبارها ثوبًا يُشترى من أحد المحالّ ويُلبس، ولكنها غاية منشودة يصل إليها الإنسان من خلال طريق عقلي يمر عبر الزمان والظروف”[28].

ويعتقد كولن أن الفرضية المزعومة التي تقول بأن العصرية تساوي التغريب -والتي أدت ببعض المفكرين في تركيا وفي أماكن أخرى من العالم الإسلامي إلى محاولة تحقيق هدفهم من خلال تقليد كل ما هو أوروبي- تنشأ عن قراءة انتقائية للتاريخ. وبما أن القوى الاستعمارية هي التي قدمت وروجت للعصرية في الغالب الأعم داخل المناطق المسلمة، ودعمت هذا الاستعمار بقوتها المتفوقة في التكنلوجية العسكرية فإنه يصبح من الطبيعي للمفكرين المسلمين أن يطابقوا بين العصرية والتغريب. وفي مواجهة السيطرة الغربية السائدة في الاقتصاد والسياسة رد المسلمون بطريقتين متعارضتين:

1- اعتبر “الحداثيون” أن السيطرة الغربية نتيجة حتمية لفاعلية بنيتها الاجتماعية، فإذا كانت الدول الإسلامية تأمُل في الوصول إلى تكافؤ مع نظرائهم الغربيين، فإن هذا يعني مراجعة فكرهم وسلوكهم ليجعلوه مشابهًا لفكر الغرب وسلوكه، غير أنهم كانوا يبنون فهمهم للحضارة على الموقف الآني في ذلك الوقت وينسون أن حركة التاريخ لم تكن دومًا بهذه الطريقة، وأن التاريخ لم يتعين عليه التطور بالشكل الذي تطور به، فالتفوق التكنولوجي والعلمي للغرب لم يأت نتيجة لعملية حتمية تاريخية، ولم تكن هذه هي الحال في جميع الحقب التاريخية.

أدت هذه القراءة المتحيزة للتاريخ بكثير من المفكرين إلى أن ينظروا إلى الإسلام على أنه عقبة في طريق التقدم الذي سمح للأمم الغربية بالسيطرة، كما فتحت باب الاعتقاد بأن تقليد الغرب في نظرتهم للعالم والأنماط الاجتماعية والأنظمة السياسية سوف يؤدي حتمًا إلى الرخاء والقوة التي وصلت إليها البلاد الغربية. يقول كولن:

“بسبب تأثير سيطرة الغرب على أراضيهم -وهي السيطرة التي نُسبت إلى التفوق العلمي والتكنولوجي- ظل بعض المفكرين المسلمين لسنوات عديدة يتهمون الإسلام نفسه بأنه سبب تخلف الشعوب المسلمة، فقد نسوا الأحد عشر قرنًا أو أكثر التي شهدت سيادة الإسلام، ففكروا وكتبوا
كما لو كان تاريخ الإسلام قد بدأ في القرن الثامن عشر فقط… وحتى إنهم لم يرهقوا أنفسهم للقيام بدراسة سطحية للإسلام وتاريخه الطويل”[29].

2- وثمة مفكرون مسلمون آخرون من الذين ينطلقون من نفس الفرضية -وهي أن العصرية تساوي التغريب- ركزوا على مشكلاتِ وعيوبِ وآثار الثقافة الغربية الضارة، وشجبوا الخلفيات الإلحادية للمجتمع الغربي العلماني، ونسبية الأخلاق، واستعداده للخوض
في دمار شامل من أجل تحقيق أهدافه، ثم خلصوا إلى أن الحداثة شيء مدمر يتعارض مع العقيدة الدينية، ونظروا إلى الغرب باعتباره العدو، وجاء رد فعلهم غاضبًا بل حتى عنيفًا.

ويعتقد كولن أن كلا الاتجاهين -وهما المحاكاة غير النقدية ورد الفعل الغاضب- ليسا في موضعهما، وأنه لا هذا ولا ذاك ينتميان
إلى تعاليم الإسلام.

وبعد رؤية بعض الكتاب المسلمين المعاصرين لأشياء مثل القنابل الذرية، والقتل الجماعي، والتلوث البيئي، وضياع القيم الأخلاقية والروحية، اتهموا العلم والتكنولوجيا بأنهما المسؤولان عن تلك الكوارث، وبينوا نقائصَ وأخطاء النظرة العلمية المحضة للبحث عن الحقيقة، كما بينوا أيضًا فشل العلم والتكنولوجيا في جلب السعادة. وبسبب اقتفائهم لأثر نظرائهم الغربيين أدانوا العلم والتكنولوجيا إجمالًا وتبنوا اتجاهًا مثاليًّا صرفًا. وعلى العكس من ذلك فإن الإسلام هو الطريق الوسطي؛ فبينما لا يرفض الإسلام أو يدين النظرة العلمية العصرية فهو كذلك لا يقدسها[30].

التناول النقدي للحداثة

يتناول هذا الطريق الإسلامي “الوسطي” الذي يقترحه كولن قضية الحداثة تناولًا نقديًّا. يؤكد “أحمد كورو” أننا لا بد وأن نفهم جيدًا
ما يقصده كولن بـ”الطريق الوسطي”، فكولن لا يبحث عن طريق وسط بين الإسلام والحداثة؛ لأنه يفهم الإسلام نفسه على أنه “الطريق الوسطي”؛ حيث يقول كولن: “إن الإسلام هو “الطريق الوسطي” والتوازن الكامل بين المادية والروحية، بين العقلانية والتصوف، بين الدنيوية والزهد المفرط، بين الدنيا والآخرة، وهو الدين الشامل الذي يتقاطع فيه طريق جميع الأنبياء السابقين. ولذلك يحاول كولن أن يأتي بتفسير للإسلام يتماشى مع الحداثة والتقاليد، ولكنه في الوقت ذاته ينظر إليهما بنظرة نقدية[31].

ومن الواضح أن دراسة كولن للتصوف بمثابة أدوات تساعده على الإدراك والبصيرة والفرز بين الأمور، فإذا كان العنصر الأساس في تقدم الحضارة هو تغيير عقليات الناس، فإن ذلك يتحقق فقط عندما يعترف الإنسان بحدوده وبحاجته للسيطرة على أهوائه، وعندما يحصل على الدوافع التي تحثه على الكفاح من أجل الفضيلة والعلم. ويرى كولن أن هذه هي الفكرة الرئيسة للتصوف. يقول كولن:

“إن الحياة الإسلامية الروحية التي تُبنى على الزهد، والعبادة المنتظمة، والامتناع عن جميع الخطايا الكبيرة والصغيرة، والإخلاص ونقاء السريرة، والحب والشوق واعتراف الفرد بعجزه وفقره، كل ذلك أصبح موضوع التصوف”[32].

إن التدريب الصوفي -بوصفه نظامًا تربويًّا يؤكد على البعد الداخلي للتعاليم الإسلامية- يمكِّن المسلمَ من مواجهة تحديات الحداثة بشكل نقدي ولكن باعتدال، دون الوقوع في فخاخِ القبول غير المدروس أو الرفض الغاضب. إن السؤال الذي يواجه جميع الأشخاص العصريين هو كيفية تطوير الصفات الإنسانية، والسلوك الحميد، وحب الآخرين، والحماس للتطوير الذاتي، والرغبة الفعالة في خدمة الآخرين، وإحداث التغيير في العالم، والإصرار على تحقيق هذه الرغبة دون أن تتعرض للعوائق والهزائم. ويرى كولن أن المفكرين الصوفيين قد فكروا في هذه القضايا خلال القرون الماضية واتبعوا المنهج التجريبي في معالجتها.

وإذا أراد المسلم المعاصر أن يتناول الحداثة بشكل نقدي ويحدث التغييرات اللازمة فينبغي للجميع أن يبدؤوا بتغيير ما بأنفسهم أولًا. يُقدم التصوف الحكمة المتراكمة التي نُقلت عبر القرون والتي يستطيع المرء بمساعدتها أن يتقدم نحو عقلية متحولة، وحب أعمق، وصفات شخصية إيجابية، وشجاعة للعمل من أجل إصلاح المجتمع.

ويوفر البرنامج الروحي الذي يقدمه التصوف قاعدةً راسخة لتطهير الدراسة العلمية العصرية من النواقص الأخلاقية والمحددات الوضعية، وبذلك نستطيع التوفيق بين العلم وما هو إنساني، وبين القيم العلمية والقيم الإنسانية، وبين المنظور العلمي والمنظور الديني للحياة، وبين العلوم الغربية من جانب، والإيمان والأخلاق الشرقية من جانب آخر. وهذه هي التحديات والصعوبات التي تواجه العلماء والمربين وعلماء الاجتماع أو الاتصال في أيامنا هذه.

يقول كولن:

“على المفكرين والمؤسسات التعليمية والإعلام القيام بمهمة حيوية لخير الإنسانية وهي إنقاذ الدراسات العلمية الحديثة من ذلك الجو الملوث تلوثًا مميتًا بالطموحات المادية والتعصب الأيديولوجي، وعليهم أيضًا توجيه العلماء نحو القيم الإنسانية الحقيقية. أما الشرط الأول لتوجيه الدراسات العلمية نحو هذه الطريق فهو تحرير العقول من التعصب الأيديولوجي والتطرف، وتنقية الأرواح من أدران استهداف مطامع الدنيا ومغانمها، وهذا هو الشرط الأول أيضًا لضمان حرية الفكر الحقيقية وتقديم العلم الحقيقي”[33].

تأثير منظور كولن وفعاليتُه

قد يسأل المتشككون: “لكن هل هذه النصيحة مؤثرة حقًّا؟ وهل تُجدي؟ وهل تشكل فردًا عصريًّا يتمتع بشخصية وأخلاق حميدة، ويعمل بنشاط لتغيير المجتمع وصنع عالم أفضل؟ يشير العالِمَان التركيان: “بولَند أراس (Bülent Aras)” و”عُمر جاها (Çaha)”:

تسعى حركة كولن إلى التكامل والاندماج بالعالم الحديث من خلال التوفيق بين القيم العصرية والقيم التقليدية. وهذه المحاولة التركيبية لتلك الأفكار تتشابه مع جهودِ آخِر المفكرين القوميين في الدولة العثمانية. فقد أكد “ضياء كوك آلب (Ziya Gökalp)” -على سبيل المثال- على ضرورة إبداع تركيبة فكرية تنبني على أساس جمع العناصر المأخوذة من الثقافة التركية مع تلك المأخوذة من العلم والتكنولوجيا الغربيَّين، غير أن كولن و تلاميذه يتقدمون على ذلك بخطوة حيث يقبلون الحضارة الغربية كأرضية مناسبة لبناء حياة مادية، بينما يعتبرون الحضارة الإسلامية مناسبة للحياة الروحية. وينبغي الإشارة إلى أنه بسبب البنية المحافِظة للحركة فإنها تخاطب هؤلاء الذين يرون أن النظام السياسي التركي يؤكد على العلمانية والتحديث بشكل مبالغ فيه[34].

ووفقًا لتقييم “أراس” و”جاها” نجحت حركة كولن من حيث التوفيق بين تلك العناصر المتنافرة في السابق؛ حيث يقولان:

“إن الخاصية الفريدة في حركة كولن هي محاولتها إحياء القيم التقليدية كجزء من جهود التحديث في برنامج التحديث الرسمي لدولة تركيا،
وقد استطاعت الحركة حتى الآن تحقيق بعض النجاح من حيث إنها تحاول التوفيق بين تراث مئات السنين ومتطلبات الحداثة، وهذه ليست مهمة سهلة”[35].

يمكن تعريف حركة كولن بأنها سعيٌ واعٍ أو حركة واعية ومتسامحة مع الآخرين، ويستشهد “حسن هوركوج” في هذا السياق بنصيحة كولن التالية:

“ينبغي أن يكون هناك تسامح شامل بحيث نستطيع أن نضرب صفحًا عن أخطاء الآخرين، ونحترم الأفكار المختلفة، ونعفو عن كل ما يمكن أن يعفَى عنه، بل إنه حتى لو انتُهكت حقوقنا الفطرية ينبغي أن نحترم القيم الإنسانية ونحاول إقامة العدل، ونصبر صبر الأنبياء ولا نغضب حتى
في مواجهة الأفكار الأكثر فظاظةً ووقاحةً؛ إذ ينبغي أن نرد باعتدال ولين كما عبر عنه القرآن بعبارة “قولًا لينًا[36].

ونستطيع أيضًا أن نجد تجسيد هذه المثُل التي عبر عنها كولن في الإعلان عن رسالة وقف الصحفيين والكتاب، -وهي منظمة شكَّلها بعض رفقاء فتح الله كولن من أجل تعزيز الحوار والتعاون بين فئات المجتمع- يقول هذا الإعلان (في جزء منه):

“إن العالم الحديث سوف يتشكل من قِبل أنظمة واتجاهات تُجِل القيم العالمية وتعتبر التراحم والتسامح والتفاهم والوحدة هي الأساسيات… وتفضِّل التغلب على جميع العداءات والكراهية والغضب بالصداقة والتسامح والتصالح، وتأخذ على عاتقها مهمة إنقاذ الثقافة والمعرفة لمصلحة الإنسانية، وتستطيع إنشاء توازن بين الفرد والمجتمع دون التضحية بواحد منهما في سبيل الآخر، وتملك رؤية عظيمة، ولا تسقط في فخ “المدن الفاضلة” واضعةً الحقائقَ جانبًا، وتؤمن بميزة الاحتفاظ بالعوامل المحدِّدة، مثل الدين واللغة والعِرق، حُرة وخالية من أي ضغط قسري”[37].

أما الأماكن الواضحة التي يمكن البحث فيها عن نتائج فكر كولن فهي المدارس التي أنشأتها الحركة وارتبطت باسمه، وقد قمت بإيضاحِ فلسفةِ هذه المدارس وإنجازاتها في أماكن أخرى[38]، ولا حاجة إذًا في التكرار، غير أن الملاحظة المعبرة لـ”إليزابيث أوزدالجا (Elisabeth Özdalga)” توضح أن “مدارس الخدمة” ليس من شأنها تجميع المؤيدين أو التأثير على العقول، بل إنها تعتني بـ”تدريس القيم من خلال المثال”. تقول إليزابيث:

“إن الهدف الرئيس للتعليم الذي تقدمه هذه المدارس هو منح الطلاب تعليمًا جيدًا دون تلقين أيّ توجيه أيديولوجي معين، كما أن إحدى الأفكار الرئيسة لتلاميذ كولن هي أن القيم الأخلاقية لا تُنقل صراحة من خلال الإقناع والدروس، وإنما من خلال تقديم الأمثلة الجيدة في السلوك اليومي”[39].

وسأختم هنا بشهادة شخصية: إنني لست عضوا في “حركة كولن” ولا حتى مسلمًا، ولكن أتيحت لي الفرصة لزيارة العديد من تلك المدارس في عدد من الدول ومقابلة فريق العمل الإداري الخاص بالتدريس، كما التقيت بطلاب مسلمين وغير مسلمين، وبآبائهم، والتقيت بمعلمين غير مسلمين في هذه الأماكن. وعندما أقرأ المثُل التي يعبر عنها كولن في كتاباته أجدها تُطبق بشكل مؤثر في حياة الأشخاص المنتمين إلى الحركة، وهم أناس عصريون ومطلعون بشكل جيد على العلوم الدنيوية، لكن لديهم اهتمامًا حقيقيًّا بالقيم الروحية والإنسانية، وهي نفس القيم التي يسعون إلى نقلها للطلاب من خلال سلوكهم الشخصي، وهم يقدمون تعليمًا ممتازًا يجمع بين أحدث التكنولوجيات المتقدمة وبين تشكيل الشخصية والمثل العليا. إن مدارس الخدمة -في رأيي- هي الدليل الأكثر فاعلية على صحة جهود كولن للتوفيق بين الحداثة والقيم الروحية، فهي إحدى الجهود التعليمية الرائعة الواعدة في العالم في وقتنا الراهن.

 

[1]  جلال الدين الرومي: المثنوي المعنوي، 3/1259- 1266، ترجمة: إبراهيم جمارد.

[2]     أصغر علي إنجنير: “العالم الإسلامي وأزمة الحداثة”، الإسلام والعصر الحديث، يناير 2002م.

[3]     بروس لورانس: المدافعون عن الله، (لندن: تاورز، 1990م)، ص. 27.

[4]     صمويل هنتنجتون: صراع الحضارات وإعادة صنع النظام الدولي، (نيويورك:سيمون وتشوستر، 1997م)، ص. 40.

[5]     بروس لورانس، ص. 27.

[6]     توماس ميتشل: “فتح الله كولن المربي”، استشهد بها في كتاب ألفه م. هاكان يافوز وجون ل. إسبوزيتو (المحررون) بعنوان “التطبيق التركي للإسلام والدولة العلمانية: حركة كولن”، سيراكيوز: مطبعة جامعة سيراكيوز، 2003م، ص. 69.

[7]     استشهد ل.ي ويب بهذه العبارة في كتابه “فتح الله كولن: هل يوجد المزيد عنه أكثر مما ترى العيون؟” (باتيرسون، ن.ج. زينور للكتب، 1983م)، ص. 103.

[8]     المصدر السابق، ص. 80.

[9]     يوافق على هذا الرأي إحسان يلماز، ويقول إن معظم الباحثين الذين كتبوا عن كولن يتفقون على أنه مستمر إسلامي روحاني يسعى من خلاله إلى تلبية احتياجات الناس الروحية وتعليمهم، والسعي وراء الاستقرار أثناء أوقات الاضطراب (انظر كتاب إحسان يلماز، بعنوان “الاجتهاد والتجديد عن طريق السلوك: حركة كولن”) استشهد به م. هاكان يافوز وجون ل. إسبوزيتو (المحررون) في كتاب “التطبيق التركي للإسلام والدولة العلمانية: حركة كولن”، ص. 208 – 237.

[10]      زكي ساري توبراك: “فتح الله كولن: صوفي على طريقته الخاصة” ، هذا البحث عرض خلال مؤتمر بعنوان “الحداثة الإسلامية: فتح الله كولن والإسلام المعاصر”، جامعة جورج تاون، 26-27 أبريل 2001م، تحت الطبع، ص. 7. هذا البحث هو أول دراسة توضح عناصر الصوفية في فكر كولن. سأحاول ألا أعيد ما أوضحه ساري توبراك.

[11]      فتح الله كولن: “في ظلال الإيمان (İnancın Gölgesinde)”، (إزمير: كايناك 1997م)، ص. 9، بـ[اللغة التركية].

[12]      فتح الله كولن: التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح، “التصوف من حيث المنشأ”، ص. 22 (دار النيل – 2011).

[13]      المصدر السابق، ص. 19.

[14]      “الزهد الدنيوي في الطرح الإسلامي: إلهام التقوى والفعالية لدى فتح الله كولن”، مقال نقدي لإليزابيث أوزدالجا (خريف 2000م) ص. 91.

[15]      المصدر السابق، ص. 93.

[16]      في تقديمه على كتاب النورسي “المثنوي العربي النوري” (دار النيل- 2012م) يشجع كولن على ضرورة التعمق في دراسة أعمال الأستاذ النورسي.

[17]      بديع الزمان سعيد النُّورسي: رسائل النور، المكتوبات، المكتوب التاسع والعشرون، القسم التاسع، ص. 543، (دار النيل، 2011م).

[18]      المصدر السابق، ص. 546.

[19]      فتح الله كولن: “التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح”، “التصوف”، ص. 14.

[20]      فتح الله كولن: “التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح”، “الدهشة والحيرة”، ص. 229.

[21]      ساري توبراك، ص. 18-19.

[22]      فتح الله كولن: “التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح”، “التصوف”، ص. 14.

[23]      فتح الله كولن، استشهد به ويب في كتابه ص. 103.

[24]      نيلوفر كوله، “جولة الأفق (Ufuk Turu)”، إسطنبول، 1996م.

[25]      المصدر السابق.

[26]      فتح الله كولن: “نحو الفردوس المفقود”، “الحضارة أو التباس المصطلح” ص. 70

[27]      المصدر السابق، ص. 69.

[28]      المصدر السابق، ص. 67-68.

[29]      فتح الله كولن: “في ظلال الإيمان”، ص. 309، بـ[اللغة التركية].

[30]      “العلاقة بين الإسلام والعلم ومفهوم العلم”، فتح الله كولن، ذي فاونتين، عدد أكتوبر-ديسمبر 1999م.

http://www.fountainmagazine.com/Issue/detail/The-Relationship-Of-Islam-And-Science-And-The-Concept-Of-Science

[31]      أحمد كورو، “البحث عن طريق وسط بين الحداثة والتقاليد: حالة فتح الله كولن”، استشهد بها في كتاب لـ”م. هاكان يافوز وجون ل. إسبوزيتو” (محررون) بعنوان “التطبيق التركي للإسلام والدولة العلمانية: حركة كولن” ص. 117. أخذ كورو استشهاده من كتاب لـ”كولن” بعنوان “النبي محمد: النور الخالد”، لندن: تروستار، 1995م، ص. 200-201.

[32]      فتح الله كولن: التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح، “التصوف من حيث المنشأ”، ص. 18.

[33]      فتح الله كولن: “العصر والجيل-6 (أفكار في ضور الاخضرار)”، “مفهوم العلم”، ص. 185، (نيل ياينلاري (Nil Yayınları)، إسطنبول – 2012م) بـ[اللغة التركية].

[34]      بولَنْد أراس وعمر جاها: “فتح الله كولن وحركته المعروفة بـ”التطبيق التركي للإسلام”، مجلة الشرق الأوسط للعلاقات الدولية، المجلد 4، رقم 4 (ديسمبر 2000م).

[35]      المصدر السابق.

[36]      حسن هوركوج: “الخطابات الإسلامية الحديثة حول التعددية في عصر ما بعد الحداثة: النورسي عن التعددية الدينية والتسامح”، الجريدة الأمريكية للعلوم الإسلامية الاجتماعية، ربيع عام 2002م،
19 (2)، حاشية سفلية رقم 62. انظر: فتح الله كولن: “العصر والجيل-6 (أفكار في ضور الاخضرار)”، “التسامح”، ص. 29-30، (نيل ياينلاري (Nil Yayınları)، إسطنبول – 2012م) بـ[اللغة التركية].

[37]      استشهد به في مقال كتبه مجاهد بيليجي بعنوان “السياق والهوية والسياسة التمثيلية لحركة فتح الله كولن في تركيا”، و تم عرضه خلال مؤتمر “الحداثة الإسلامية: فتح الله كولن والإسلام المعاصر”، جامعة جورج تاون، 26-27 أبريل 2001م، مقال لم ينشر، ص. 1.

[38]    توماس ميتشل: “فتح الله كولن المربي”، ص. 1-6.

[39]      “مقاولون أصحاب رسالة: الإسلاميون الأتراك يبنون مدارس بطول طريق سيلك روود” إليزابيث أوزدالجا، مقال لم ينشر تم عرضه في المؤتمر السنوي لرابطة أمريكا الشمالية لدراسات الشرق الأوسط بواشنطن، 19-22 نوفمبر 1999م.

فهرس الكتاب