إن أشد ما نحتاج إليه اليوم “رجال مثاليّون” مؤهَّلون للقيام بدور “الدليل الأسوة” أمام المجتمع وأمام “أجيال المسؤولية” الذين بلغوا الحد الأقصى من التأهّب للقيام بالواجب الذي تحمّلوه أمام الله سبحانه وتعالى. نعم، الحاجة ماسة إلى “مرشدين مثاليين” يهبّون لإنقاذ البشرية من مستنقعات الجهل والإلحاد والضلال والفوضى التي تتخبط فيها منذ عصور، ويسيرون بها نحو شواطئ الإيمان والعرفان والاستقامة والاطمئنان.

أجل، إن ابن آدم بفضل تلك “العقول الفذة” التي ظهرت إبان المحن والأزمات، تحمل مصابيح الهدى لتضيئ الدرب للحشود المتخبطة في ظلمات شتى دينية وفكرية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية، والتي أعادت قراءة الكون والإنسان والوجود بل وما وراء الوجود، وعملت على حلّ عقدنا الفكرية والعاطفية، وأزالت السدود التي تعيق أفكارنا من الانطلاق ومشاعرنا من الجيشان… أجل، بفضل هؤلاء الأفذاذ استطاع ابن آدم أن يجعل من كفن الموت قميص حياة خمسين مرة، ويعيد تفسير الأشياء والحوادث من جديد مائة مرة، ويتلو كتاب الكون -هذا الكتاب الذي انطفأ بريقه وبهت لونه واصطبغ بصبغة العبثية في نظر العقول السطحية- على امتداده الشاسع بعد الإحساس بأعماقه اللانهائية تلاوة تطرب لها النفس كأنها الموسيقى سحرًا وجمالاً… وأن يطالع هذا الكتاب بنشوة عظمى كمن يطالع معرضًا بديعًا باهرًا… وأن يُقبِل على الأشياء فيحللها فصلاً فصلاً وفقرة فقرة ليكتشف الحقائق الكامنة في روح الكون المديد.

إن أعظم سمتين أُكرِم بهما هؤلاء “السعداء” الأطهار؛ إيمانهم النقي، ثم ما يبذلونه من جهود جبارة ليطلعوا العالمين على حلاوة ما ذاقوه من إيمان. إنهم على يقين بأنهم يستطيعون -بفضل هذا الإيمان وتلك الجهود- تخطي جميع العقبات، والوصول إلى الله وإلى الطمأنينة الحقة، وتحويل دار الدنيا إلى جنات، وإقامة قصورهم في الحياة الأخرى على سفوح جنان الفردوس. ومن ثم فهم يشعرون بالحياة والخدمة الإيمانية فيها -في ضوء الخاتمة المنشودة- كأنها جولة ممتعة في ربوع الجنة.

ولا شك أنه لا يوجد نظام ولا فكرة أو فلسفة استطاعت أن تُحدث أثرًا إيجابيًّا في عمق الإنسان كالذي يحدثه الإيمان مهما تفاوتت نسبته في ذات المؤمن. ففور دخول الإيمان -بمعناه الحقيقي- في قلب إنسان، تتغير رؤيته فجأة عن الكون والأشياء والخالق، وتزداد تلك الرؤية عمقًا واتساعًا حتى يتمكن من تقليب صفحات الوجود وتقييمها وكأنها صفحات كتاب. ليس هذا فحسب، بل وتنبض الكائنات من حوله بالحياة فجأة -تلك التي لم يكن يعيرها التفاتًا في السابق أو كان يعتبرها بلا روح أو معنى- وتبتسم إليه ابتسامة الصديق الحميم، وتحتضنه بدفئ ورفق وحنان. وفي مثل هذا الجو الدافئ الحنون يبدأ شعور الإنسان بقيمته الحقيقية، ويعي أنه الجزء المدرِك الفريد في هذا الوجود، ويعرف سر الدروب المنسابة في انحناء والتواء في ثنايا صفحات الكون وسطوره، ويحس وكأنه بدأ يحدس الأسرار الكامنة وراء أستار الوجود، فإذا به ينجو من سجن الأبعاد الثلاثة للمكان ويرفرف في فضاءات اللانهاية.

أجل، كل إنسان آمن حقًّا، ينتقل -وهو المحدود- إلى اللامحدود بفضل التأملات التي تمور في أعماق ذاته مورًا. وبينما هو مقيد بالزمان والمكان إذا به يتحول إلى نسر فوق الزمان والمكان، ويرتقي إلى مصافّ الكائنات المتسامية على المكان، ويسمع أنغام الملائكة وتراتيلهم.

إن هذا الكائن الذي كانت بدايته من ماء مَهين، ومن طين لازب… الصغير في ظاهره، الكبير في حقيقته… يتسع وينمو بقدر ما تتهيؤ الأجواء المناسبة لتفتّح النفخة الإلهية الكامنة في جوهره، فيغدو كائنًا متساميًا لا تسعه الأرض ولا تحده السماء… كائنًا يبدو جِرمًا صغيرًا ولكن فيه انطوى العالم الأكبر. فهو يتجول بيننا… يجلس ويقوم معنا… يطأ بقدميه التراب الذي نسير عليه، وحينما يسجد يضع جبهته على الأرض التي نضع عليها جباهنا… ولكنه يوظّف السجود -حيث جمع الرأسَ والقدمين في نقطة واحدة وغدا حلقة مكورة- كمنصة انطلاق في طريق “القرب”، فيبلغ أفق “الأقربية” من الله في قفزة واحدة، ويبسط جناحيه ليحلق مع الأرواح الطيبة عاليًا في السماوات التي يحلقون فيها، ويعيش كالأخرويين رغم أنه لا يزال دنيويًّا.

إن قلبًا هذا شأنه -بحسب نمو مشاعره الإنسانية وتفتقها- يتجاوز “فرديته” دائمًا، ويغدو “كليًّا”، فيحتضن الناس جميعًا، ويمد يده للجميع، ويرسل البسمات والتحايا إلى الوجود كله بأخلص المشاعر وأنقاها. يستخلص من كل شيء رآه ومن كل إنسان التقاه ألوانًا جميلة ونقوشًا بديعة من التجليات الإلهية ويصغي إلى ترنيماتها الساحرة، وينغمر في مراقبة جذلى جديدة مع كل تسبيحٍ من السماوات منبعثٍ من تردد جديد وذبذبة أخرى، يحس وكأنه يسمع رفرفة أجنحة الملائكة.

إنه يسمع ويشاهد معارض للجمال واسعةً ممتدة تشمل كل شيء… بدءًا من جلجلات الرعد المرعبة  الخالعة للقلوب، إلى نغمات العصافير الشادية الباعثة على السكينة والارتياح… ومن أمواج البحار الهائلة المتلاطمة، إلى خرير الجداول الهامسة بمعاني الخلود… ومن الطنين الساحر المنبعث من الغابات الهادئة، إلى المنظر المهيب لذرى الجبال الشوامخ المتطاولة نحو السماء… ومن النسمات السحرية التي تداعب التلال الخضراء ليل نهار، إلى العطور النّشوَى التي تفوح من البساتين والحدائق لتغمر كل مكان. نعم، يشاهد معارض الجمال هذه ويسمع أصداءها ويحس بها فيقول لنفسه “إذن هذه هي الحياة الحقيقة”. يقول ذلك، ثم يهتف مع جميع الكائنات ومع معانيها الشبيهة بالروح معزِّزًا أنفاسه بالأدعية والتسابيح ليوصلها إلى قيمتها الحقيقية.

جبهته على الأرض في سجود دائم، ونظره معلَّق على فُرْجة الباب الذي قضى حياته آملاً أن يُفتَح له يومًا ويحظى بنظرة رضى وقبول… يُغمِض عينيه ويفتحهما على هذا الأمل… يتلمّس ما يدور خلف الباب بتوق وشوق عظيمين… ينتظر الساعة المباركة التي تزول فيها الغَيْبة والغربة وتُشرق فيها القُربة سكينةً وطمأنينةً تغمر أرجاء روحه… ينقّب عن جواب أو صدى لنداءات الشوق ومطالب الوصال المترددة في روحه.

تجده وقد شرع أجنحته وحلق مثل الطائر حينًا، وحط على الأرض وسار ماشيًا حينًا آخر؛ ومهما يكن، فهو ميمّم وجهه نحوه -سبحانه- يهرول إليه دون توقف وقد ضم كلَّ أحد إلى صدره واحتضن كل شيء بمحبة غامرة. في كل منزل يحط رحاله فيه، يشعر بظلالٍ جديدةٍ للوصال تظلله فيعيش بهجة “ليلة عُرْس” سعيدة(1). وفي كل منحنى يطفئ نار شوق، ويلتهب في الوقت نفسه بنار شوق أخرى، فيبدأ بالاحتراق من جديد. ومن يدري كم من مرة في اليوم يجد نفسه مغمورًا بنسمات الأنس، وكم من مرة يحزن ويتألم للوحشة والوحدة التي يعاني منها البؤساء الذين حُرِموا من الإحساس بهذه المواهب السنية والإشراقات البهية.

أجل، فمثل هذا الروح البالغ هذا المدى من رحابة الأفق يجد نفسه مستقرًّا على منصات انطلاق نحو عوالم جديدة على الدوام، متحفزًا أشد ما يكون التحفز، مشحونًا بعزم يفوق مقاييس الإنسان العادي… وكذلك يفكر في ألوان المنن التي سينالها، وأنواع النجاحات التي سيحرزها بفضل إيمانه والقوة الكامنة وراء ذلك الإيمان. وبما أن أفقه واضح، وطريقه مفتوح، وإرادته حرة، وقلبه في طمأنينة وسكينة، فهو يجري دومًا دون شعور بأي تعب أو إرهاق. وكلما قطع منزلاً وحط رحاله في منزل آخر يزداد رصدًا وإنصاتًا لأعماق ذاته، كما تزداد محبته عمقًا لكل ما حوله ومن حوله.

عندما ينصت إلى روحه يجد نفسه في واحة من السكينة والطمأنينة لا تنتهي. وبينما يعاني العديد من الناس من غربة قاسية ووحدة كئيبة بدوافع شتى، تراه بعيدًا كل البعد عن وحشة الطريق وغربته… فهو يدري من أين جاء، ولماذا جاء، وإلى أين يصير؟ هو على وعي بكل ما يدور في دار الدنيا من تجمّع وتفرّق، وعلى دراية بأنه يجري في درب واضح الغاية بيّن الهدف؛ لا يشعر بمشقة الطريق أبدًا، ولا تصيبه المخاوف ولا الهواجس ولا الاضطرابات التي تهز الآخرين هزًّا. واثق بالله، متحفّز بالأمل، مرتشف متعةَ الوصول إلى الذروة التي تزيّنها أحلام زرقاء ناصعة للمستقبل السعيد.

أجل، ستجد أبطال هذا الإيمان الشامخ مواظبين -بحسب عمق إيمانهم- على السير في الطريق وقطع المسافات مطمئنين سعداء كأنهم يتنزهون في سفوح الجنان، في الوقت الذي يتعثر فيه الناس في سيرههم ويضطربون. هذا من جانب، ومن جانب آخر ستجدهم -بفضل ارتباطهم بالحق تعالى- قادرين على تحدي العالم أجمع، والاضطلاع بكل مهمة، وتخطّي كل حاجز. فلو قامت القيامات كلها لا يضطربون، ولو واجهتهم نيران جهنم واحدة تلو الأخرى لا يمسهم الخوف ولا يتراجعون. هاماتهم مرتفعة في عزة وإباء دومًا، لا يحنونها لأحد إلا لله. فهم لا يخشون أحدًا، ولا ينتظرون جزاء ولا أجرًا من أحد، ولا يقعون تحت منة أحد.

وعندما يحرزون الفوز ويتنقلون من نصر إلى آخر تعتريهم مخاوف، وتحيط بهم هواجس خشية أن يكون النصر ابتلاء لهم من عند الله، وتنحني ظهورهم شكرًا لله على هذه النعمة العظمى، وتفيض أعينهم بالدمع فرحًا وسرورًا… وإذا ألمّتْ بهم خسارة أو تعرّضوا لنكسة يعرفون كيف يصبرون، وكيف يشحنون عزائمهم، ويشحذون إرادتهم، ويهتفون “لنبدأ من جديد” منطلقين إلى الأمام. أولئك لا تطغيهم النعمة وليسوا من الجاحدين، وعندما يصيبهم الفقر والعوز لا ييأسون.

إنهم يحملون قلبًا وخُلُقًا نبويًّا في تعاملهم مع الناس… يحبون الجميع، ويحتضنون كل شيء… يتعامون عن رؤية أخطاء الآخرين، بينما يحاسبون أنفسهم على أتفه العثرات… لا يصفحون عن الأخطاء في الحالات الاعتيادية فحسب، بل حتى في حالات الغضب كذلك، يعرفون كيف يسايرون ويتعاملون مع أخشن الطبائع وأكثرها فظاظة. فالإسلام أمر أتباعه بالعفو والصفح، والبعد عن الحقد، وعدم الانهزام أمام مشاعر العداء والكراهية والانتقام. وكيف لنا أن نتوقع سلوكًا آخر غير هذا السلوك السامي من أبطال يدركون في قرارة نفوسهم دومًا أنهم سائرون إلى الله!

أجل، إنهم يبحثون دومًا عن سبل إسداء خير للآخرين، ويرجون لهم الحسنى، ويلحّون على إبقاء شعلة الحب متقدة في قلوبهم حية في نفوسهم، ويشنون حربًا شعواء لا نهاية لها ضد مشاعر الغيظ والنفور.

هؤلاء الأبطال يحرقون أخطاءهم وذنوبهم بنار الندم، ويشتبكون في صراع شرس مع نوازع الشر المبثوثة في طبائعهم كل يوم عدة مرات. يبدؤون العمل من أنفسهم، ويمهّدون البيئة الصالحة لغرس فسائل الخير والجمال وتنميتها في كل مكان. وهم -كذلك- واقتداءً بفلسفة “رابعة العدوية” يَعُدّون كل شيء وكل أحد عسلاً مصفّى وإن كان سمًّا زُعافًا، ويقابلون من يأتيهم حاقدًا ناقمًا بالبسمات، ويصدون أشد الجيوش عداوة بسلاح الحب الذي لا يُهزَم أبدًا.

إن هؤلاء يحبهم الله، وهم يحبونه كذلك. وعندما يحبونه تجيش قلوبهم بفيض هذه المحبة… وساعة  يشعرون بأنهم محبوبون لديه يغرقون في حال من الذوبان والانتشاء لا يمكن وصفها. التواضع ديدنهم، فهم يخفضون أجنحتهم حتى الأرض، ويرجون أن لو كانوا ترابًا تنبت فيه الورود. وبقدر احترامهم للآخرين فإنهم حريصون -كذلك- على كرامتهم وعزتهم؛ لا يسمحون أبدًا أن تفسَّر سماحتهم ورقّتهم وحِلمهم ونبلُ أخلاقهم ضعفًا أومسكنة. بل لو استوجب الأمر لما ترددوا لحظة واحدة في الافتداء بحياتهم والسير نحو ديار الآخرة. لا يغريهم مدح مادح أو يثنيهم قدح قادح ما داموا يعيشون عقيدتهم ويَحيون بإيمانهم. ما يهمهم فقط ألا تبهت نضرة الإيمان وبهاؤه في قلوبهم، لأنهم عقدوا العزم على أن يكونوا مؤمنين حقًّا.

 (*) الترجمة عن التركية: هيئة حراء للترجمة. نشر هذا المقال في مجلة سيزنتي التركية في العدد:244، سنة 1999.

الهوامش:

(1) شبِ عروس: عبارة فارسية تعني ليلة العرس، وقد استخدمها جلال الدين الرومي ليعبر بها عن فرحة الوصال بالموت وتسليم الروح إلى الله تعالى، فالموت عرس في أدبيات الرومي، عرس يلتقي فيه الإنسان الفاني بمحبوبه الباقي، فليلة العرس ساعة الوصال..

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts