عاطفة الإنفاق بين التبذير والترشيد

لقد توجّه فتح الله كولن إلى مشاعر الخير والمسامحة الثرة الكامنة داخل الإنسان التركي، وحركها وأثارها ونمّاها واستثمرها في مشاريع حضارية.

حرّك فتح الله كولن عاطفة الخير والتسامح الكامنة في عمق الإنسان التركي ونمّاها واستثمرها في مشاريع حضارية.

التوجيه الراشد

إن هذه التضحية الأسطورية للإنسان التركي في تبنيه لمشاريع الخدمة من مدارس وجامعات ومؤسسات خيرية، مظهر من مظاهر فهمه العميق للإسلام. وهنا تكتسب رسالة فتح الله كولن أهميتها. إذ يتصرف المجتمع أحيانا كالطفل المقبل على النمو، فهو يريد أن يملك كل شيء من جهة، ثم يقوم بإسراف وتبذير ما في حوزته من جهة أخرى. أي، لا يحسن الاستعمال. إن الشعب التركي كريم ومعطاء، وقد حدس الأستاذ كولن عمق هذا الكرم والعطاء. ولكن لكي لا يتم استغلال هذا الكرم استغالاً سيئاً اعتنى كولن عناية خاصة بتوجيه هذه العاطفة نحو المصالح العليا للمجتمع، وحث السير ضمن هذا الإطار باستمرار وبلا توقف. وهكذا أوجد نظاماً جديداً للتضحية وللتساند الجماعي في المجتمع.

عالم وعارف

لقد اعتنى فتح الله كولن بالعقل والفكر وتزويدهما بالعلم والحكمة والمعرفة من جهة، وبالقلب والوجدان وتقويمهما بعوامل الخير والإحسان من جهة أخرى. وهكذا اكتشفنا جانبين من شخصيته؛ الجانب الأول هو كونه “عالماً”، والثاني هو كونه “عارفاً”. فهو يملك معلومات واسعة، عارف في العلوم الدينية وفي الثقافة الغربية وفي الفلسفة وفي الظروف الاجتماعية والثقافية للعالم الحديث، أي تتضح هويته كعالم ديني وكمفكر عقلاني في جميع الساحات هذه. وباستنادٍ إلى مخزون معلوماته وإلى تراكم تجاربه، أصبح كولن أنموذجا مثاليا في أفكاره النيرة وآرائه المعقولة تجاه العالم. وأما الجانب الثاني من شخصيته –أي جانب التصوف والعرفان– فهو يحتوي على معلوماته الميتافيزيقية حول الوجود والكائنات، وعلى تجاربه في هذا الخصوص.

ولا شك أننا إن بقينا في إطار أحاسيسنا المادية وما تعكسه هذه الأحاسيس من العالم المادي، يصعب علينا فهم جانبه هذا. لذا فلكي نفهم جانبه المعنوي ومكتسباته في هذه الناحية، علينا تجاوز الحدود المادية التي تشكل إطار فكرنا. وطالما بقينا في إطار الحدود التي رسمها العالم المادي في أذهاننا، فلن نستطيع فهم تجربته الروحية والمعنوية الغنية. إن التجربة الصوفية الإسلامية تستدعي مستوى عالياً ومختلفاً من المعرفة والمشاعر. وسيبقى كل ما يقال في هذا الخصوص ضمن قدرة اللسان على التعبير.

 لقد طوّر الأستاذ كولن فلسفة جديدة في التضحية والإنفاق والتساند الجماعي.

العمق العرفاني

وأنا أعتقد بأن هذا الجانب العرفاني العميق لـ”فتح الله كولن” يستحق أن يكون موضوعاً لكتاب، وأرى أن أي تحليل مصطلحي للصوفية لا يستطيع التعبير عن مثل هذه التجارب الروحية تعبيراً وافياً. لأنه لفهم هذا يجب ممارسة مثل هذه التجربة الروحية والمعنوية العميقة. وأستطيع كخريج كليةِ شريعةٍ، ذكر بعض الأمور حول مستوى علمه في العلوم الإسلامية، وقابليته في تركيب المعاني والاجتهاد والتفسير. فهذا ممكن ضمن إطار التعبير اللغوي والثقافي.

ولكني لا أعتقد بأنني أستطيع قول شيء حول جانبه المعنوي، وحول مدى عمق هذا الجانب وعمق تجربته الروحية. فهو من الناحية الشخصية مسلم عادي يعيش ضمن جو روحاني عالٍ، ويعرف كل القريبين منه بأن من لا يملك سعة وغنى في القلب والروح والذهن، لا يستطيع مشاركته في عالم المشاعر هذه، ولا يستطيع أن يديم علاقته به مدة طويلة. وخطابه للقريبين منه والموجودين حواليه يتضمن إيقاعاً معنوياً عميقاً. فطراز حياته المتسم بالحساسية، وعلاقته بالموجودات، بل حتى علاقته الجمالية بالمكان المحيط به، يقدم صورة عن جانبه العرفاني العميق.

المصدر: فتح الله كولن، جذوره الفكرية واستشرافاته الحضارية، محمد أنس أركنة، دار النيل للطباعة