لا شك أن من أهم المثل التي تُمثِّل الجانب الإسلامي الاجتماعي والتاريخي في حركة محمد فتح الله كولن، هي اتخاذه عصر النبوة والراشدين مرجعًا. فهذه المثل والقيم ترجع –كما في الحركات المشابهة الأخرى– إلى العصر الإسلامي الأول وتتمسك به. فمنظومة هذه القيم تستند بمقياس كبير إلى طراز حياة الصحابة. كما أن هذه الفترة التاريخية القصيرة نسبيًا هي التي شكَّلت الخطوط العريضة للتفكير السني بكل جوانبه، وهي التي أعطت مثالاً عمليًّا وواقعيًّا له.

إن هذا العصر يشكل لحركة محمد فتح الله كولن العصر الذي عاش فيه الأسلاف التاريخيون العظماء. ففيه المثال الطاهر والصافي للإيمان الإسلامي. ولا يوجد فيه أي شائبة أيديولوجية أو سياسية أو تطرف. وهو العصر الذي انتظم فيه أناس اعتياديون مخلصون، الواحد منهم بجانب الآخر وكأنه عقد من اللؤلؤ. كما عاش فيه ذلك الجيل المخلص المضحي، حياة زهد خالية من البهرجة. ولكنها كانت حياة مفعمة بالمشاعر وبالبهجة وبالارتباط الصادق بالدين.. هذا العصر يشكل الجذور المثالية لحركة محمد فتح الله كولن وأهم أسسها وقواعدها.

إن أسس وقواعد حركة فتح الله كولن ومثلها العليا، تكمن بشكل مباشر أو غير مباشر في التطبيق العملي لعصر النبوة والخلافة الراشدة.

إن أسس وقواعد حركة فتح الله كولن ومثلها العليا، تكمن بشكل مباشر أو غير مباشر مع التطبيق العملي لهذا العصر. لذا فعلى من يرغب في تحليل هذه الحركة، أن يضع في اعتباره، تمسك هذه الحركة بقيم عصر النبوة. فجميع القوى الداخلية المحركة للجماعة متلائمة ومتناغمة مع قيم ذلك العصر. فإن تم إهمال هذا الأمر فلا يمكن تحليل حركة فتح الله كولن بشكل حقيقي وصحيح.

والدليل على هذا، أن العديد من الذين وهبوا قلوبهم لهذه الحركة، قاموا بتضحيات لم يُشَاهَد مثلها في التاريخ الإسلامي، إلا في عصر السعادة (عصر النبوة والراشدين). أما الجماهير التي حملت قيم هذه الحركة، فقد أبدوا إخلاصًا وتضحيات قريبة من إخلاص ذلك العصر وتضحياته. لذا فإن عصر السعادة لا يبقى مثالاً جامدًا، بل مثالاً حركيًا. لأن هناك خطورة من انقلاب مثل هذه المُثل إلى مجرد حنين مشلول مرتبط بالماضي. وأي حركة تتحول إلى جماعة تتحدث باسم مجتمع لم يعد موجودًا، ستدخل في مرحلة التفتت والاضمحلال. وقد أثارت حركة محمد فتح الله كولن في قلوب الشباب حماسة التمسك بهذه المثل، وحالت بذلك دون انقلابها إلى حنين جاف إلى الماضي.

الخدمة واختلاف المنهج

إن هذه الخصائص الحساسة لحركة الخدمة، تختلف عن الحركات التي ترى أنه إن لم يتم تحول سياسي من القمة إلى القاعدة، فلا يمكن الرجوع إلى أنموذج الحياة الإسلامية. بينما لا تنظر حركة محمد فتح الله كولن إلى عصر السعادة بهذا المنظار، بل ترى البدء بالأفراد وبالقاعدة الشعبية. وأفضل مثال على هذا، هو عصر السعادة والتطبيق العملي للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فالصحابة كانوا يعيشون الإسلام ويرتبطون به ارتباطًا وثيقًا وصافيًا. ولم يكونوا مرتبطين في عيشهم هذا، بأي أيديولوجية أو بأي برنامج سياسي.

العديد من الذين وهبوا قلوبهم لحركة الخدمة، قاموا بتضحيات لم يُشَاهَد مثلها في التاريخ الإسلامي، إلا في عصر السعادة (عصر النبوة والخلافة الراشدة).

مزج الأصالة بالمعاصرة

إذن فإن اتخاذ عصر السعادة قدوة في حركة فتح الله كولن، لا يعني الرجوع إلى الوراء، بل عيش الإسلام بشكل واعدٍ وصافٍ. والصحابة الكرام هم الذين مثلوا هذه الحياة الإسلامية الواعية الصافية. لذا فإن تقديم موضوع العودة إلى الأصول الإسلامية، وإلى العهد الإسلامي الأول في التحاليل التي تتناول الحركات الاجتماعية الراديكالية والإسلامية (المتطرفة!)، وكأنه رجوع إلى الوراء وإلى الأنموذج الإسلامي الأول، لا يملك أي مقدار من الصحة في حركة فتح الله كولن، التي تتخذ عصر السعادة أنموذجًا لها.

ولا ننسى أن نقول هنا بأن حركة محمد فتح الله كولن، مع أنها تتخذ عصر السعادة مثالاً لها من الناحية الاجتماعية والثقافية والأخلاقية، فإنها استطاعت أن تقيم جميع قيمها الثقافية بنفسها. وهذا أمر مهم للغاية. أي إنها لم تقم كغيرها من الحركات الأخرى بتبني ميراث ثقافي أو حركي سابق أو حالي جاهز! فجميع قيمها الثقافية ونشاطاتها الحركية، وجميع مؤسساتها ذاتية أصيلة وغير مأخوذة من الآخرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: فتح الله كولن وجذوره الفكرية واستشرافته الحضارية، دار النيل للطباعة والنشر، طـ2، 2011م، ص101 ــ 103.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف محرر الموقع.