الملخص

صدر عن مشروع “نسمات” كتاب نسمات الأول بعنوان: “مواقف في زمن المحنة” جُمِعتْ فيه حوارات الأستاذ فتح الله كولن مع وسائل الإعلام العربية والعالمية التي أجريت معه عقب أحداث يوليو 2016م، بالإضافة إلى بياناتِه الصحفية بخصوص أحداث في مناطق مختلفة من العالم، ورسالتِه إلى الحكومة التركية عام 2008م التي تتضمن مقترحات لحل المسألة الكردية. ويُعدّ الكتاب وثيقة هامة تطلعنا على رؤى وفلسفة الأستاذ كولن في مختلف القضايا، حيث اعتبر الأستاذ جكيب -صاحب هذه الدراسة- أجوبة الأستاذ كولن في هذا الكتاب بمثابة بيانات رسمية تصدر عنه، ومن ثَمَّ قام بقراءة موسعة ومعمقة استجلى فيها معالم هذا الخطاب، وأَبْرزَ أهم سماته الفكرية والثقافية والإنسانية، وألمح إلى الأبعاد الدولية والاستراتيجية والسياسية التي تضمنها، وأشار -فيما أشار- إلى أنه خطاب لم يخرج عن دائرة الاقتناعات الفكرية والمنهجية التي آمن بها كولن وسارت عليها الخدمة منذ زمن، والتي يمكن لمسها من خلال المنجز الذي تحقق على يد رجال الخدمة.

 

على سبيل الاستهلال

إن ما يدل على صدق أفكار مفكر، وثبات رأيه ورصانة حكمته، وتجذُّر كل ذلك في مركز روحه، ويدل على صفاء معدنه الإنساني، هو وضوح المواقف وثباتها، وانعكاسها بالوضوح والثبات نفسه في الخطاب الذي يتبناه، دون شحوب ألوانه رغم تبدل الأحداث وتنوع الظروف.

إن المواقف خصوصية فكرية تدل على الإنسان الذي يبدعها ويذود عنها، بعد أن يرعاها في أعماق قلبه، ويتولاها بالمتابعة والنقش والتشذيب المتواصل، ويسقيها من معين عالم المعنى. وهو جدير بأن يجد متلقيه العام والخاص في خطابه فائدة جمة، تثمر ما يبقى وينتشر، محركها الأساس هو المعقولية والصدق والإخلاص.

إن ما يؤكد مصداقية الفكرة وقوة الموقف المنبثق منها، هو أن تحافظ على البريق الأول، فلا تبهت ألوانها رغم الأحداث والشدائد، فهي أي الأفكار والمواقف إن لم يزددْ إشراقها، لا يخبو أصل بريقها الأول. ومواقف فتح الله كولن وخطابه في هذه المرحلة يؤكد فيما نرى هذه الملاحظة، فرغم جسامة الأحداث التي تعرض لها، ورغم كل الاتهامات، التي وُجهت إليه لم يغير موقعه ولم ترتبك مواقفه ولا اهتزت فرائصه، وهذا هو الدليل على مصداقية ما ظل مدى عقود طويلة يعمل على غرس بذوره في تربة المجتمع.

إن خطاب كولن في هذه المرحلة فرصة لإعادة التذكير بكون السياسة جزءًا صغيرًا من المنظومة الإسلامية، في الوقت الذي يحتل فيه الأخلاقي والمعاملة الحيز الأكبر.

مَنْ تَابَع خطابَ فتح الله كولن في السنوات الأخيرة، سيسجل الملاحظات السابقة ويقف عندها متأملاً متنعمًا، وهي الملاحظة نفسها التي يخرج بها من يقرأ كتابا جَمع فيه مَنْ نَشرَه كلَّ حواراته بخصوص الأحداث الجارية، بالإضافة إلى بعض البيانات التي يعود تاريخها إلى مرحلة سابقة عن هذه الأحداث، والتي لم تفقد نضارتها وأهميتها كأنها كتبت على أثر الأحداث الجارية.

معالم الخطاب في العنوان

عنوان هذا الكتاب “مواقف في زمن المحنة، حوارات إعلامية مع فتح الله كولن” وهو عنوان يحمل الكثير من الدلالات والإشارات، وكأني بمن اختار هذا العنوان قد أراد توجيه المتلقي إلى ما قد يعتري المواقف من تحول وتبدل حين تتعرض للمحن والتضييق والأحداث الجسام، لكن مواقف كولن لم تتبدل رغم جسامة الأحداث والاتهامات، التي يتعرض لها، هذه هي الرسالة الضمنية التي يحملها العنوان، وهي رسالة تحمل في ثناياها رسالة ضمنية أخري مفادُها، أن هناك أطرافًا أو طرفًا آخر تغيَّرت مواقفُه خلال هذه الأزمة بصورة تلفت النظر والاهتمام.

القراءة الأولى تؤكد بأن الأستاذ لا يضطرب ولا يرتبك وهو يجيب على أسئلة الإعلام، ومن الصعب الوقوف على التناقض في إجاباته، وليس هذا بالأمر الغريب على رجل خَبَر الواقعَ وظل عمرًا بكامله يقرأه ويفكك أسئلته باحثًا له عن أجوبته الممكنة التنزيل.

خطاب فتح الله كولن صادر من معمل القلب حيث اختمر ونضج، واعتلى مقامًا فوق الأحداث وصروف الزمن ومحن الواقع، وازداد صلابة في كهف الصبر والخلوة المستمرة والتضرُّع المتصل. وصلابةُ المواقف ومتانتها، ليست متوقفة على طبيعة الأفكار فحسب وعلى مدى قوتها، بل يعود إلى ارتباطها بالمصدر المحرك لها وبالأصل النابعة منه، وهذا المصدر بالنسبة لمواقف لرجل كان وما يزال دائمًا هو النواة المؤثثة لحياته وحياة كل من تحلَّق حوله، وشتان بين من كان مصدره الهوى وبين من جعل مصدره دائمًا نابعًا من أصل مفارق، هذا هو أول ما يوحي به هذا الخطاب للمتنعم فيه.

إيقاع الخطاب، فحوى الرسالة

يعزف خطاب هذه المرحلة عند فتح الله كولن على وترين: وترِ خطابٍ أوَّلٍ متجهٍ للعالم الإسلامي وخاصة العالم العربي، قائمٍ على تنبيه من ينبغي تنبيههم إلى خطورة الانسياق خلف ما يعرف بسيكولوجية الجماهير وخلف ما ينعت بالإسلام السياسي، الذي فرضت عليه ربما التحولات العالمية والذاتية ولذة السلطة وغياب الوعي الديمقراطي ورفض الاختلاف، سلوكًا يناقض دستوره الفكري وخلفيته النظرية حتى أبعده ذلك عن الحد الأدنى من الأخلاق والقيم التي رُفِعَت شعارًا، ووظفت أيديولوجية من أجل استمالة الجماهير والوصول إلى الحكم والسلطة، وقد يذهب الأمر إلى حد التنكر لتلك للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها وجودهم.

أما الوتر الثاني فموجَّه إلى الغرب ويقوم على محاولة تصحيح صورة الإسلام والمسلمين التي اهتزت في السنوات الأخيرة في الوعي الجماعي الغربي، ويقوم على إبراز كون الإسلام ليس دين عنف ولا دين إرهاب، ولذلك لا يفتأ فتح الله كولن يذكر في خطابه بأن الإسلام ليس دين إرهاب، وبأن المؤمن لا يمكن أن يكون إرهابيًا.

يؤكد كولن في خطابه بالتلميح تارة والتصريح تارة أخرى بأن أسباب النهضة لا تتأتى إلا بقدر معين من الحرية، المحكومة بالقيم والأخلاق.

يتبنى الأستاذ فتح الله كولن في هذه المرحلة خطابًا يميل إلى إبراز قيم الإسلام السمحة، والمرتكزة على نظرة إنسانية تنظر للإنسان في كل مكان على أنه مخلوق من مخلوقات الله تعالى، يجب احترامه وتوقيره على هذا الأساس. ويتبنى خطابًا إنسانيًّا موجهًا للإنسان في كل مكان على أساس قيم أخلاقية سامية نابعة من قيم الإسلام نفسه، وهو في هذا التوجه يحاول تصحيح تلك الصورة السلبية التي انتشرت في الأوساط الغربية والتي تعتبر الإسلام دين عنف، يرفض التسامح والتعايش، وهو يعكس إلى حد بعيد عمق تمسك حركة الخدمة، وتمسكه هو شخصيا بهذه القيم.

حكمة المرابطة

بعض أسئلة الصحافة والإعلام اتجهت إلى الاستفسار عن الأسباب الكامنة خلف عدم انجرار الخدمة إلى المواجهة مع دعاة خطاب التصعيد، والبحث عن مبررات ميكيافلية للصراع والمواجهة بعيدًا عن أخلاق الحوار وقبول الرأي الآخر. والحق أن استدراج كولن إلى المواجهة، قد وضعه والخدمة أمام امتحان أخلاقي فكري منهجي عسير، لأن الشعار الأساسي والمبدأ المركزي ذا البعد الاجتماعي والواقعي الذي يرفعه فتح الله كولن دائمًا كان محاربة أعداء الإنسان الثلاثة، الجهل والفقر والصراع، ولذلك فالانسياق إلى المواجهة مع خطاب التصعيد يهدم حقيقة الالتزام بهذه المبادئ جملة وتفصيلا.

تبدو استراتيجية دعاة خطاب الصراع والمواجهة هي جرُّ الخدمة إلى الدائرة المجهولة، دائرة التوتر والخصومة وكل ما ينقض المشروع الإصلاحي الاجتماعي المدني. والحقيقة البارزة للعيان هي أن انجرار كولن والخدمة خلف المواجهة يقلص الأمر إلى مجرد صراع سياسي، والسياسة بطبعها متقلبة وغير مستقرة، ومواقف السياسي لا تدوم على حال واحد، وعدو اليوم قد يصير صديق الغد، وصديق الأمس قد يتحول إلى عدو.

إن أصل الاختلاف هو الاختلاف الفكري بين منهجين وتوجهين، لأن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها منهج الخدمة والفلسفة الفكرية التي يَنظر من خلالها كولن للواقع أخلاقية التوجه، إنسانية الأبعاد، قائمة على مبادئ الإسلام الاجتماعي كما يؤكد ذلك خطابُ عدد من المثقفين والمفكرين من العالم، الذين درسوا فكر كولن والخدمة عن قرب، وكما يشهد بذلك خطاب الأستاذ نفسه المبثوث في الكتب والمقالات التي سطرها على طول خمسين سنة أو أكثر، وهو ما يشهد به المتابع العربي الذي تواصل مع فكر الرجل من خلال المترجَم من كتبه إلى العربية.

خطاب بعد النظر

سبق وأشرنا إلى ضرورة قراءة خطاب فتح الله كولن في هذه المرحلة بعينٍ فاحصة تقرأ ما بين السطور، وتقرأ المستقبل فيما يتم التعليق عليه من أحداث وسلوك في ضوء التحولات الكبرى الراهنة، فكولن المثقف والعالِم والمفكر والداعية، عندما يعرض مواقفه من التحولات الجارية التي تعرفها المنطقة، والتي لا يمكن أن يكون العالم بعيدًا عن أثرها وتأثيرها ولا بعيدًا عن توجيهها، بما في ذلك الحملة المعلنة ضده وضد الخدمة، فهو عندما يعرض كل ذلك على مجهر التشريح، لا يستعير أدوات التحليل، ولا يجزِّئ الحالة موضوع التشريح، بل يستعمل أدواته الخاصة النابعة من الخصوصية الفكرية التي ينطلق منها، وهي خصوصية لا تلغي التدابير القدرية التي قد تفتقدها جُلُّ التحليلات التي تتعرض للأحداث، يضاف إلى ذلك الخبرة الطويلة التي كوَّنها الرجل بمعاصرته للكثير من الأحداث والتحولات والتقلبات الثقافية والاجتماعية والسياسية، التي عاشها موطنه تركيا وعاشها العالم من حوله.

 كل الذي عاشته تركيا على مدى عمر الرجل الذي تجاوز السبعين يجعل منه شخصيةً ذات عينٍ ثاقبة وبعدِ نظرٍ لا يمكن القفز عليه ولا تجاهله، وحكمُه على الأحداث وعلى ما يجري موسومٌ بالحكمة والعمق، مع دراية بحقيقة الأشياء ومجريات الأمور. قد يكون خطابه مركِّزًا على وطنه تركيا، ولكن لا تذهب عينه ولا نظرته بعيدًا عن تقييم الوضع الدولي، وهذا ما يفسر الحجم الكبير من اهتمام وسائل الإعلام به وبالخدمة، وتسارعها من أجل محاورته والتعرف على مواقفه وآرائه، خاصة وأن الأحداث التي تعرفها المنطقة أو المناطق القريبة من تركيا، لا تُقصي تركيا ولا تستثنيها مما يجري عن قرب.

يعتبر كولن الديمقراطية الحقيقية شكلاً من أشكال الشورى بالمعنى الذي يوجبه الشرع، ومن هنا يأتي إلحاحه على الديمقراطية خيارًا لا حياد عنه بالنسبة لمجتمع عصري يبحث عن إثبات نفسه في الواقع الحضاري المعاصر.

الملاحظة الأهم التي يمكن للمتأمل في هذه الحوارات الخروج بها هو انطلاق صاحب الخطاب من خطاب واضح المعالم لا يتبدل ولا يتغير رغم تبدل الأحداث ورغم تنوع الأسئلة التي توجَّه إليه. وإذا كان التحليل المنهجي لهذا الخطاب يسمح بتفريعه من أجل تيسير مقاربته وبسط مكوناته، فذلك لأنه يبتعد عن الغموض وعن الأجوبة التي تحتمل التأويل، وتحتمل تعدد القراءات.

من هنا فإن خطاب كولن فيما قدَّمه من حوارات ينقسم إلى قسمين كبيرين، بالإضافة إلى قسم ثالث يتعلق بالقضية الكردية، فأما الخطاب الأول فموجه للعالم العربي والعالم الإسلامي، والقضية الكردية جزء منه، وهو خطاب يمكن اعتباره خطابًا موجَّها للذات، ومحلِّلا كل ما يتصل بها من قضايا ومواقف ومنبِّها إياها إلى حقيقة ما يجري، ومقترِحا منهجيةً للتعامل في إطار قاعدة ما كان ينبغي أن يكون.

 وأما الخطاب الثاني فهو متوجهٌ إلى الغرب، وهو خطاب يميل كما أشير إليه سالفًا إلى الرغبة في تصحيح الصورة السلبية، التي تسربتْ إلى الوعي الجمعي الغربي حول الإسلام والمسلمين بفعل السلوك غير الأخلاقي المتصاعد في هذه المرحلة.

 وأما الخطاب الثالث فعلى الرغم من أنه خطاب محسوب على ذلك الخطاب الموجه للعالم الإسلامي، أو إلى الذات كما أشير إليه سالفا، إلا أنه خطاب له خصوصية؛ فمن جهة تُعتبر القضية الكردية جزءًا مهما في القضية التركية وربما تُعتبر أحد أهم القضايا المختلَف حولها بين الخدمة ودعاة الخطاب الآخر في تركيا، وعلى اعتبار أن القومية الكردية قومية واسعة ممتدة بين عدة دول هي تركيا وإيران والعراق وسوريا، وهي قومية لها خصوصيتها الثقافية واللغوية وهو ما يفرض عدم القفز عليها أي على هذه الخصوصية، والظاهر من خلال حوارات كولن أن هذه القضية ستؤدي دورًا مؤثرًا في مجريات الأحداث في الفترة اللاحقة والقريبة جدًّا، لأن القضية ذات امتداد تاريخي وجغرافي وثقافي واسع. وقد استغلت القضية استغلالاً أيديولوجيًّا إقليميًّا ودوليًّا. وخطاب كولن في هذه المرحلة له أهميته في ظل التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة.

خطاب التأني لا خطاب التسرع

يلح كولن في تصريحاته الإعلامية على جملة مرتكزات ظل دائمًا ينادي بها ولم يحدْ عنها قيد أنملة، فجُلُّ إنْ لم نقُل كل الأفكار الواردة في حواراته لها أصل ضمني في كتبه، إذ يمكن الوقف على انسجام شبه تام بين مواقفه وأفكاره وخطابه. وعلى أساس ذلك يلح وهو يحلل الأحداث التي تجري في تركيا، وكذلك وهو يعلق على خطاب دعاة الصراع على ضرورة المشروعية القانونية، وعلى الأسس الأخلاقية وعلى المبادئ. يقول الناقد الفرنسي الشهير رولان بارت(1): «اقرأ ببطءٍ تر الكل»، كولن من هذا الصنف من المفكرين الذين يقرؤون الواقع بتأنٍّ وحكمة وبطء إيجابي شديد، ولذلك يُفهم من خطابه الراهن أنه قرأ مقدمات الأحداث الجارية وكوَّن رؤية أو صورة كلية عن الأحداث ومجرياتها، وهذه النظرة الشمولية هي التي حالت دون انجرار المجتمع التركي إلى العنف.

مرحلة المكابدة فرصة تاريخية لكولن لإعادة بسط رؤاه في الكثير من القضايا كان يحجم عن إثارتها قبل هذه الأحداث لأسباب موضوعية ومنهجية، وربما لأسباب شخصية.

من الأهمية بمكان التسطير على عنصر مهم وهو الدور الذي لعبه كولن في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته في تبديد جو التوتر الذي كان قد وصل إلى حد رفع أطراف من المجتمع السلاح في وجه بعضهم البعض، وهو ما خلق جوًّا من العداوة والكراهية، لكن حكمة كولن وتوجيهاته فكَّتْ حدة التوتر وقادت المجتمع إلى نوع أشبه بالتوقيع المعنوي على عقد أخلاقي أساسه مصلحة الوطن، ولذلك فإن الأحداث التي تفجرت في 2013م والتي استمرت حتى تفجَّر سيناريو الانقلاب، كانت تسير في اتجاه تبديد هذا العقد المعنوي لأنه لم يكن يخدم مصالح أطراف خطاب الصراع، ويحول دون تحقيق تطلعات هذه الأطراف في القفز فوق المؤسسات وإلغاء سلطتها وسلطة الحوار وإحلال سلطته، من خلال السيطرة على كل الآليات والأدوات التي يوظفها خطاب الاعتدال كالإعلام المحايد، ثم السيطرة على المشهد الإعلامي وتوجيهه إلى تأليب المجتمع ضد بعضه البعض، وإعداد الرأي العام الشعبي لاستقبال خطاب واحد هو خطاب الإقصاء، هذه هي الحقيقة الضمنية التي يوحي بها خطاب فتح الله كولن في حواراته.

لم يدخر خطاب الإقصاء الجهدَ من أجل جرِّ أنصار الخدمة إلى المواجهة والعنف، ذلك لأن جرها إلى المواجهة وربما إلى العنف أسهل طريق لتكسير ما يمكن اعتباره النواة الصلبة في فلسفة كولن وفلسفة الخدمة وهو الخلفية الفكرية الثابتة والمجال الحيوي الذي يعسر على الخطاب الآخر مجاراة فتح الله كولن فيه. القراءة المتأنية الحكيمة لمجريات الواقع هي التي سمحت لكولن بأن يجنِّب المجتمع أزمة صراع مجهول العواقب؛ وعلة ذلك هو شدة الالتزام بالمبادئ الأساسية التي ظل دائمًا يلح عليها، كاحترام القوانين واحترام المؤسسات، وتقديم الدليل بعد الدليل على أن الالتزام الأخلاقي بالقيم والمبادئ هو أقرب سبيل لكل استغلال عقلاني لمقدرات الوطن البشرية والثقافية والعلمية والطبيعية والاقتصادية وغيرها.

خطاب واحد في عدة صور

خطاب كولن الراهن الذي يخاطب به الإعلام الدولي ومن خلاله الرأي العام العالمي والرأي العام في وطنه، وحتى الرأي العام في العالم العربي والإسلامي، هو في الحقيقة خطاب واحد لا يتغير يؤكد مصداقية خطابه في كتبه ويؤكد مصداقية ما ظل دائمًا يدعو إليه، بمعنى أننا أمام خطاب واحد، لا يتغير، لكن المتغيِّر الوحيد الذي يمكن للمتأمل في هذا الخطاب تسجيله هو طبيعة الظرف التاريخي وطبيعة الأحداث الجارية التي تضعه تحت المحك، فقد تتغير زوايا النظر لمجريات الأحداث تبعًا للحالة النفسية، التي يكون عليها صاحب الخطاب، وطبيعة الأحداث الضاغطة ومواقف الخصوم التي لا تزداد إلا شدة، لكن الخطاب في حد ذاته وفي أساسياته لا يتغير.

ما يمكن استخلاصه من تعاليق الأستاذ ومواقفه وإجاباته قضية تحمل الكثير من الدلالات البعيدة، التي تتجاوز التعليق على الحدث أو الإجابة على السؤال، إلى ما هو أبعد من ذلك فقد يلمس من الخطاب أنه موجَّهٌ لتيارات فكرية أخرى، فالحدث في حد ذاته ليس سوى مدخل لتصريح كولن بموقفه الفكري بخصوص تيارات أخرى، قد يخاطب كولن القوى الحاكمة في تركيا، ومن خلالهم اختيارات فكرية وثقافية وسياسية معينة، لكنها في الوقت نفسه تتجاوز ذلك إلى تيارات أو اختيارات أيديولوجية فيما وراء الحدود، وعلى الخصوص فيما يعرف بـ”جغرافية العالم العربي”.

منهج الرشد والعدل في خطاب كولن

الحكم الرشيد الذي يحقق الاستقرار، وينمِّي الرصيد الفكري والحضاري، ويحقق التراكم الثقافي والفكري والمعرفي والحضاري، هو الحكم الذي يحترم المؤسسات، ويحترم الديمقراطية. يؤكد كولن على ذلك في خطابه بصورة ضمنية، لأن الاستقرار في نظره لا يتحقق إلا بتداول السلطة، وعن طريق الخيار الديمقراطي واحترام إرادة الشعوب من خلال صناديق الاقتراع. لقد حرص كولن في كل حواراته مع وسائل الإعلام على تأكيد التزامه بالاختيار الديمقراطي سبيلاً لتدبير الشأن السياسي، وتدبير السلطة وتداولها، والوصول إلى رأس الدولة.

وظيفة الخدمة كما يدل على ذلك خطابها المتداول في الغرب هو تقديم صورة إيجابية عن الإسلام والمسلمين وصولاً إلى فكِّ التوتر الحاصل بخصوص هذه القضية.

ناقش فتح الله كولن في أحد كتبه، “ونحن نبني حضارتنا” قضية الشورى واستفاض في تحليلها وبيان ضرورتها وصفتها، وركز على بيان كونها سبيلا ًضروريًّا لتحقيق العدالة، وركَّز على إبراز أهمية الأسس التي تقوم عليها، لكنه شدَّد في الوقت نفسه على أنَّ شكلها قد يتغير وكذلك منهجها وأسلوبها حسب الظروف والملابسات التاريخية وحسب مقتضيات العصر، فشكلها أمر تابع وثانوي ما دامت تُحقّق العدالة المطلوبة، وتُحقق مبدأ التعدد في الاستشارة التي تخدم الرأي الأنسب والموقف الأصلح. ومن يتأمل في خطاب كولن بخصوص هذا الموضوع يستنتج أنه يعتبر الديمقراطية الحقيقية شكلاً من أشكال الشورى بالمعنى الذي يوجبه الشرع، ومن هنا يأتي إلحاحه على الديمقراطية خيارًا لا حياد عنه بالنسبة لمجتمع عصري يبحث عن إثبات نفسه في الواقع الحضاري المعاصر، ويبحث عن الإنصات لجميع أصوات مجتمعه.

يؤكد كولن في خطابه أن احترام العدل وتحقيقه يقود إلى استقرار المجتمع، على أساس أن العدل هو أساس الحكم، والحكم الرشيد لا يتأتى إلا بالعدل، بمعنى أنه إذا انتفى العدل انهار مبدأ الرشد في الحكم، وفقد مشروعيته، وكذلك عندما يُحوِّل الحكمُ العدلَ إلى وسيلة للتسلط على الناس، فإن أحد أهم أركان الحكم الرشيد كذلك تتكسر، والأمر الضمني في هذا الخطاب هو أن الحاكم يصير مغتصِبًا للسلطة والحكم، ويصبح العدل ظلمًا؛ بل إن دعائم الدولة كلها تنهار وتتهدم.

مفهوم الدولة الضمني في خطاب كولن

يُحيل فتح الله كولن في خطابه الضمني على مفهوم الدولة، فالدولة في نظره هي المؤسسات، وأداء هذه المؤسسات لدورها الكامل على أكمل وجه ودون نقص، بل إن الدولة تصير هي المؤسسات وتحتل مكانًا فوق الأشخاص فرادى وجماعات، يأتي الأشخاص ويذهبون ويتداولون على تدبير شؤون الدولة، لكن لا أحد يحق له التماهي مع الدولة حتى يصير هو الدولة.

 ولما كانت الدولة هي المؤسسات فإن قيام هذه المؤسسات بواجبها هو لب الدولة وجوهرها، واحترام إرادة الجماهير بعدم التدخل في هذه الإرادة بالقهر والتخويف والمحاصرة ومصادرة الحق في الموقف، والحق في التعبير عن الموقف واستقلاله يلغي جوهر الدولة.

 إذا كان الذين يعيشون في ظل الدولة وَاعِين بأن حقوقهم محفوظة، ويتمتعون بهامش مهم وضروري من الحرية، الذي يضمن لهم حقوقهم ويتيح للإنسان ممارسة دوره المنوط به، فإن هذا الأمر مدعاة للاستقرار، والاستقرار سبيل إلى التنمية، ومن هنا يؤكد كولن في خطابه بالتلميح تارة والتصريح تارة أخرى بأن أسباب النهضة لا تتأتى إلا بقدر معين من الحرية، المحكومة بالقيم والأخلاق، لأن من شأن هذه الحرية أن تقود إلى خلق إنسان مطمئن على نفسه وعرضه وماله وحريته، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على قدرته على العطاء، وقدرته على الابتكار والإبداع، وتلك العناصر ضرورية لبناء حضارة قوية وصنع نهضة حقيقية.

يُفهم من خطاب كولن الراهن أنه قرأ مقدمات الأحداث الجارية وكوَّن رؤية أو صورة كلية عن الأحداث ومجرياتها، وهذه النظرة الشمولية هي التي حالت دون انجرار المجتمع التركي إلى العنف.

ألح كولن في أغلب حواراته على ضرورة تكوين لجنة دولية للتحقيق في المزاعم حسب قوله التي تصدرها الجهة الحاكمة في تركيا وتتهمه بتدبير ما يعتبر إساءة للدولة، من أجل التحقيق في تلك المزاعم، لكن السؤال يثار هنا ما الغاية من إعلان هذا الأمر؟

قد تتعدد التأويلات والقراءات في هذا الباب، فقد يكون السبب مرتبطًا بما أشير إليه سالفًا، وهو انهيار ركن مهم من أركان الحكم الرشيد وهو العدل، والحال هذه أن هناك انقلابًا واضحًا وجليًّا على استقلال السلطة القضائية، وتحولها إلى مجرد أداة ووسيلة في يد خطاب الصراع والتصعيد لتوسيع سلطاته وتبرير خنقه للحريات وإلجام المعارضة، وبالتالي لا يمكن ضمان نزاهته وحياده، وقد يُعتبر نوعًا من الاستلاب السياسي الذي يمنح ثقته لجهة خارجية، أو لجهة دولية، وقد يُعتبر نوعًا من الثقة العمياء في المنتظَم الدولي، وقد يُعتبر نوعًا من أنواع القفز من أجل تدويل قضية الصراع الداخلي في تركيا ولفت الانتباه لكولن باعتباره معارضًا لتوجه سياسي ما انفك عن البحث عن السبل التي تضمن بقاءه على هرم السلطة، وربما حتى لفت الانتباه لحركة الخدمة التي قفز اسمها إلى المانشيت وتصدرت عناوين الإعلام العالمي.

كل هذه القراءات تحمل مشروعيتها، لكن الخطاب الذي يتبناه فتح الله كولن يعكس غير ذلك لأن القضية تتعلق بقيمة المؤسسات ودورها في بناء الثقة داخل المجتمع، وبين مختلف مكونات الدولة، فالخدمة وكولن ليسا في حاجة إلى اهتمام الرأي العام وخاصة الرأي العام الغربي، لأن الرأي العام العلمي والمعرفي الغربي على الأقل يعرف الخدمة ويعرف كولن، ولا شيء يبرر لجوء فتح الله كولن ولا الخدمة إلى الدعاية لنفسها، لأن المنجز تجاوز حدود تركيا وصار عالميًّا، وهو وحده يكفل الحديث عن نفسه.

وليس الغرض من ذلك هو إبراز قيمة عدالة المنتظم الدولي وخاصة المنتظم الدولي الغربي، بقدر ما هي رسالة موجَّهة لمن يعنيه الأمر بأن فقدان الثقة في العدل وفي المؤسسات، وانهيار الثقة بين مكونات المجتمع الواحد، يفتح الطريق على مصراعيه للتدخل الأجنبي، وكأني بكولن يريد التأكيد بأن ترتيب البيت الداخلي وتقويته وتحصينه بالقوانين وبالمؤسسات النابعة من الشعب بغض النظر عن الدين وعن الثقافة وعن القومية يقطع الطريق على من يتطلعون إلى التدخل في الشأن الداخلي لوطنه، ومن خلاله التدخل في الشأن الداخلي لأوطان أخرى تربطها بهذا الوطن علاقات تاريخية وثقافية وجغرافية، وقومية بل ودينية في المقام الأول.

إن توظيف الدين للوصول إلى غايات سياسية وبسط سلطة على الناس وجرهم إلى مواقف تفتقر إلى البعد الاستراتيجي، يخرج الإسلام عن جوهره الذي جاء به للناس.

ومن زاوية أخرى فإن الرسالة الضمنية الأخرى هي أن فتح الله كولن يتطلع إلى ما يدعم رؤيته لمفهوم الدولة ولدور المؤسسات في تحقيق الاستقرار، وبناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع، وتعبيد الطريق سالكة إلى التنمية والتطور والتقدم، وكأنه يقول: إن الغرب لم يتقدم لأنه أكثر ذكاء أو لأن إنسانه يتمتع بقدرات تميزه عن غيره، بل لأنه اختار جوهر النهضة والرقي، وآمن بالمؤسسات، وتقدم في سلم الرشد والرشاد في كل المجالات وخاصة المجالات التي تحترم الإنسان.

 يلمِّح فتح الله كولن إلى قضية ذات أهمية بالغة جدًّا وهي علاقة القوى الحاكمة في تركيا بالقيم والأخلاق. قد تبدو القضية بسيطة في أسلوب طرحها، لكنها تطرح إشكالاً دقيقًا عن علاقة السياسة بالأخلاق، من خلال سؤال ضمني حول ما إذا كانت السلطة السياسية التي بارزته العداء، والتي تدعي الاستناد إلى خلفية أخلاقية، بل ودينية تقف عند القيم وعند المبادئ، التي على أساسها وصلت إلى رأس الدولة، وعلى أساسها يتم التطلع إلى زعامة معنوية تتوسل بالقيم والأخلاق والتاريخ، وقد تتحول لأن تصير عملية خارج تركيا إقليميًّا في جغرافية العالم الإسلامي.

خطاب المكابدة في أفق صياغة متجددة

لا شك أن الخطاب الذي يصدر عن فتح الله كولن في هذه المرحلة هو بامتياز خطاب محنة، لكنه فوق ذلك فرصة قدرية بالنسبة له من أجل إعادة بناء مواقفه في ظل الأزمة، وإعادة صياغة خطابه حتى يبدد مختلف الشكوك، التي قد تكون حامت حوله مشكِّكة في مصداقيته، ومشكِّكة في خطابه.

مرحلة المكابدة فرصة تاريخية لكولن لإعادة بسط رؤاه في الكثير من القضايا كان يحجم عن إثارتها قبل هذه الأحداث لأسباب موضوعية ومنهجية، وربما لأسباب شخصية، وربما لأنها كانت تحتاج إلى مناسبة والمناسبة شرط كما يقال، وهي قضايا تدرج في حقل الفكر السياسي. عندما انفجرت الأزمة ارتفعت بعض الأصوات التي رأت في السلوك السياسي القائم على أيديولوجيا الحزب وارتفاع نبرة خطاب الاستعداء ضد الخدمة سلوكًا طبيعيًّا تفرضه السياسة، لأن السياسة هي فن الممكن، ولأنها أي السياسة لا تستقر على حال وثبات المواقف أمر نسبي، ومواقف السياسي قابلة للتحول تبعًا لمتطلبات اللعبة السياسية.

دفع كولن بشدة تهمة الإرهاب عنه وعن الخدمة، وتحدى المتهمِين بأدنى دليل يثبت ذلك، بل وجزم بأن أحدًا من المتعاطفين مع فكر الخدمة يستحيل أن يتورط في الإرهاب.

وجدتْ بعض الأطراف في خطاب الاستعداء تجاه أصدقاء الأمس وحلفائه مسلكًا غير أخلاقي تلميحًا، ودون تصريح في الغالب، ودون اتخاذ موقف واضح، مما يدل على وجود أزمة فكرية راسخة في لا وعي هذه الأطراف تتعلق بقضية غاية في الأهمية وهي: ما مدى التزام السياسي بالشعار الأخلاقي والشعار الديني، عندما تتعارض المبادئ والمصلحة السياسية، ووجدَ البعض الحل في تشكيل حزب سياسي والنزول إلى معترك الصراع السياسي.

ظل فتح الله كولن ملتزمًا دائمًا بأن ممارسة السياسة عن طريق العمل الحزبي اختيار لا يتناسب والمبادئ التي نذر حياته كلها لأجلها، ولعمري إنه لم يرفض هذا الاختيار خوفَ الفشل فيه، أو خوف انعدام الإطار البشري المؤهل للسياسة أو غياب من يستحق الثقة، ولكن لأن التحزب وممارسة السياسة بالمنطق الذي تتبناه الأحزاب السياسية، وحتى بالمنطق التي تتبناه حركات الإسلام السياسي، يؤدي إلى الصراع وإلى الفرقة وإلى الخلاف، ومحاربة الصراع والفرقة مكوِّنٌ ظلَّ كولن على مدى عمره الحركي يردد مع الشيخ بديع الزمان النورسي بأنها -أي الفرقة- عدوٌّ للإنسان، كما الجهل وكما الفقر.

لعل الخطاب، الذي يتبناه كولن هو خطاب الابتعاد بالمنظومة الأخلاقية الإسلامية عن مجال الصراع الأيديولوجي، صارخًا بملء صوته: إن توظيف الدين للوصول إلى غايات سياسية وبسط سلطة على الناس وجرهم إلى مواقف تفتقر إلى البعد الاستراتيجي، يخرج الإسلام عن جوهره الذي جاء به للناس.

تهمة الإرهاب، تأكيد خطاب الرفض

من أهم ما برز في خطاب المرحلة هو قضية الإرهاب فقد ارتبطت الأحداث باتهام كولن والخدمة بالإرهاب، ومن المهم تسجيل أن كولن كان قد نَبَذ الإرهاب قبل هذا التاريخ بوضوح، وبشكل ضمني في كتاباته، وبشكل صريح في مواقفه، وكان من أوائل الشخصيات الدينية والفكرية في العالم الإسلامي التي أدانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر المشهورة، فخطاب رفض الإرهاب ليس أمرًا حادثًا في خطابه بل هو أصيل عبَّر عنه في عديد من المناسبات بشكل صريح وضمني، ولم يتوقف عن التذكير بأن الإسلام أبعد ما يكون عن الإرهاب، وبالتأمل في هذا الموقف نجده موقفًا لا يخرج عن إطار موقف فتح الله المعروف، والذي أبرزه بشكل واضح في كتاباته سواء من خلال نقاشه لقضية الجهاد حين اعتبر أن الجهاد الأكبر هو المطلوب في هذا العصر نظرًا لتغير الظروف، ولأن جهاد النفس ودفعها لأن تكون في خدمة الإنسانية، ومقاومة كل أسباب الانحراف السلوكي والأخلاقي الذي جاءت به الحياة المعاصرة هو الجهاد.

وبناء على هذه الرؤية اليقينية دفع كولن بشدة تهمة الإرهاب عنه وعن الخدمة، وتحدى المتهمين بأدنى دليل يثبت ذلك، بل وجزم بأن أحدًا من المتعاطفين مع فكر الخدمة يستحيل أن يتورط في الإرهاب، لأن الإرهاب من شأنه أن يولد العداوة بين أفراد المجتمع الواحد، ويزرع أسباب الفرقة، وينشر أسباب التوتر الدولي.

الإرهاب من شأنه أن يولد العداوة بين أفراد المجتمع الواحد، ويزرع أسباب الفرقة، وينشر أسباب التوتر الدولي.

ركز خطاب فتح الله كولن في حواراته وبصورة ضمنية على انتقاد الخطاب المناهض لخطابه، واعتبره أي الخطاب الآخر سلوكًا متطرفا لأنه يرهب المجتمع ويزرع الكراهية بين مختلف فئات المجتمع الواحد، بمعنى أنه يتهم خطاب الإسلام السياسي باعتباره خطابًا سائدًا في هذه المرحلة ببثه الكراهية بشتى أنواعها السياسية والثقافية والفكرية وغيرها، من خلال جعل الاتهام بالإرهاب ذريعة لمطاردة الساحرات، وهو تعبير استعمل لتبرير التصرف غير الأخلاقي الذي انتهجه دعاة هذا الخطاب لمحاصرة الصوت المعارض.

إن تفنيد اتهامات الإرهاب بقدر ما يعني كولن والخدمة يعني طمأنة الغرب وكل من أصابته فوبيا الخوف من الإسلام، خاصة وأن من أهم القضايا التي ظل كولن يشتغل عليها وإلى الآن هي قضية تقديم صورة إيجابية عن الإسلام والمسلمين في العالم كله وخاصة في الغرب، ولعل ما يصدر عن الخطاب الآخر قد يُفهم منه على أنه سلوك مرتبط بالإسلام وبمن يرفعون شعارات ذات بعد إسلامي، وقيَمُ الإسلام أبعد ما تكون عن ذلك، ومن هنا فإن كولن يَعتبر أن من مسؤوليته أن يصحح هذه الصورة، ووظيفة الخدمة كما يدل على ذلك خطابها المتداول في الغرب هو تقديم صورة إيجابية عن الإسلام والمسلمين وصولاً إلى فكِّ التوتر الحاصل بخصوص هذه القضية حتى صار لها مصطلح يعبر عنها في الغرب هو “الإسلاموفوبيا”.

خطاب التعايش والالتقاء حول المشترك

جعل كولن من خطابه في هذه المرحلة ومن خلال المنابر الإعلامية التي حاورته، مناسبة لتأكيد اقتناعاته الفكرية، التي ظل على مدى عقود طويلة يعمل على ترسيخها، فقد كانت ميوله متجهة إلى نزع كل أسباب التوتر داخل المجتمع، من خلال الإيمان بأن المجتمع فسيفساء متنوع من القوميات والثقافات والديانات والطوائف والمعتقدات الفكرية والفلسفية والسياسية والأيديولوجية، وبأن استقرار المجتمع يكمن في تعايش الجميع تحت مظلة واحدة يضبطها القانون وتضبطها الديمقراطية، ولم يمل من الإلحاح على أن الخيار الديمقراطي لا رجعة فيه لأنه هو السبيل الذي يتيح للفسيفساء المجتمعي القيام بمهمة البناء والتشييد على أكمل وجه.

قد يوحي خطاب كولن من خلال نظرته للإسلام السياسي بأنه يتبنى رؤية علمانية تبعد السياسة عن الدين، أو بالأحرى لا تحشر الدين في السياسة، وتنأى بالدين عن أن يوظف أيديولوجيا في الحقل السياسي، ويبدو هذا التوجه ضروريًّا بالنسبة لمجتمع يعرف تنوعًا ثقافيًّا وسياسيًّا كبيرًا لا يمكن تجاهله، ولذلك فالخيار الديمقراطي هو السبيل الوحيد الذي يتيح الاستقرار، وتقويض الاختيار الديمقراطي، وتحويله إلى نوع من الحكم المناقض لمبادئ الديمقراطية، لن يجلب سوى الفرقة والتنازع.

سيجد المتأمل في خطاب كولن وضوحًا في العبارة وغياب العبارات الغامضة التي تقبل التأويل وتقبل أكثر من قراءة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان من يُصدر الخطاب واعيًا بأبعاد خطابه مؤمنًا ومعتقدًا فيما يقوله.

وإذا كانت مقومات هذا الخطاب متجهة إلى الداخل، بانتقاضها خطاب الخصوم، فهو كذلك خطاب متوجه للغرب من خلال الإلحاح على بيان أن ممكنات التقارب بين الغرب والشرق وحصول التفاهم حول الحيز المشترك حاضر من خلال تأكيد أهمية الخيار الديمقراطي وتقوية المؤسسات، وقد يُطرح سؤال ما مدى تناغم فكرة الديمقراطية التي لا يَرى كولن مانعًا من الانفتاح عليها وتبنيها، مع حقيقة الرؤية التي ينطلق منها، والفلسفة التي يعتمدها في بناء نموذجه الفكري الإصلاحي؟ يكمن جواب ذلك في أن كولن يعتبر الديمقراطية شكلاً من أشكال الشورى التي دعا إليها الإسلام.

إن خطاب كولن في هذه المرحلة فرصة لإعادة التذكير بكون السياسة جزءًا صغيرًا من المنظومة الإسلامية، في الوقت الذي يحتل فيه الأخلاقي والمعاملة الحيز الأكبر، ومن الإجحاف في نظر كولن اختزال المنظومة الإسلامية بما هي منظومة أخلاقية ومعاملات، في حيز ضيق هو السياسة، لقد ظل كولن حريصًا على نقل قيم الإسلام وبُعدها الحضاري إلى مجال الواقع الاجتماعي، وفتح المجتمع على آفاق واسعة تتجاوز السياسي بمسافة طويلة، ومن هنا يأتي إلحاح الخدمة في اختيارها عن اقتناع رفض دخول مجال الغمار السياسي، دون أن يعني ذلك عدم إبداء مواقفها من الأحداث السياسية ورؤيتها للعملية السياسية بصفة عامة. لقد ظلت الخدمة وفتح الله كولن يعملان على توفير الشروط الموضوعية التي تتيح نجاح الفعل السياسي، ما دامت السياسة مجرد وسيلة لتحقيق الهدف وهو رفع مؤهلات المجتمع وقدرته على الإبداع في مجال البناء الحضاري، وتحقيق الاستقرار الضامن الأمثل لتحقيق النمو، ومن هنا يأتي انتقاده للمشروع الإخواني الذي جمع كل بيضه في سلة السياسة، فتكسر عند أول محطة، وعلى الرغم من أن كولن يثمن التجربة بصفة عامة، لكنه في الوقت نفسه ينتقدها ضمن دائرة انتقاده لتجربة الإسلام السياسي عمومًا، وما تركيز خطابه الموجَّه للعالم العربي في هذه الرحلة، سوى دعوة صريحة بضرورة قيام هذا الاتجاه الحركي السائد في أغلب أقطار العالم العربي بالمراجعات الضرورية لتجاوز الانتكاسات الفكرية والمنهجية التي توالت في الآونة الأخيرة، وفي هذا الخطاب دعوة كذلك للرأي العام للخروج من دائرة التعاطف الانفعالي، ومن دائرة سيكولوجية الجماهير، التي أتت على الأخضر واليابس خلال مرحلة ما يُعرف بالربيع العربي، والذي يَعتبر كولن دون إخفاء ذلك خريفًا عربيًّا لأنه أدخل بعض العالم العربي في دوامة العنف وعدم الاستقرار والفوضى، وكما سبقت الإشارة فإن كولن يعتبر الاستقرار سبيلاً أمثل لتحقيق التنمية وتحقيق النهضة بالتركيز على محاصرة أعداء الإنسان الجهل والفقر والفرقة، وأما التركيز على ما يقوِّي الأعداء فهو مجانبة للصواب، وهنا تبرز أحد أهم أسباب الخلاف مع حزب العدالة والتنمية، وخاصة مع زعيمه، فقد اعترض كولن على تدخل هذا الزعيم في الشؤون الداخلية لبعض هذه الدول التي عرفت ثورات عربية، من أجل أهداف ترمي إلى السلطة والهيمنة، والبحث عن بطولة دينية وسياسية.

حرص كولن على أن يبين بأن التحالف مع الحزب الحاكم لم يكن مطروحًا، لكن الخدمة تقدم دعمها للأفكار التي تدعم الديمقراطية، وتوسع نطاق الحريات والقضاء على الفساد ودعم الحقوق وتقوية مؤسسة العدل.

بعبارة أخرى لقد جعل كولن من خطابه الموجَّه إلى العالم العربي محطة لتصحيح صورة نمطية وتنبيه الإنسان وإيقاظ الوعي الجمعي إلى المخاطر التي تحدق به حين يترك التركيز على الأعداء الحقيقيين، ويركز على عدوٍّ متوهم تصنعه الحماسة والانفعال والتسرع.

لا شك أن الخطاب الموجه إلى الغرب يميل إلى الطمْأنة وإلى تصحيح الصورة السلبية التي قد تحصل بالنظر إلى ما يقوم به خطاب التصعيد، ومن خلال اتهام الإسلام بميله إلى العنف والتحكم والسلطوية والديكتاتورية والطغيان وكونه أبعد ما يكون عن الديمقراطية، ولا شك كذلك بأن الخطاب الذي بات سائدًا في الآونة الأخيرة في أوروبا هو أن الإسلام والمسلمين يميلون إلى العنف، وبأن العنف نمطُ وعيٍ لديهم لا يقبل الديمقراطية، ولذلك فَهَمُّ تصحيح هذه الصورة وهَمُّ تقديم صورة حقيقية عن الإسلام والمسلمين، هو ما يسكن خطاب كولن الموجه للغرب، ولذلك فالخدمة ابتعدت بنفسها عن كل صراع وركَّزت على تثمين خطابها القائم على خدمة الإنسان.

خطاب العقلانية والحكمة واحترام القوانين

يلاحظ بأن خطاب الأستاذ في هذا الإطار يتميز بالقوة وبالعقلانية وبالحكمة والحصافة لأنه يعتبر نفسه متحملاً لمسؤولية تقديم صورة إيجابية عن الإسلام والمسلمين، خاصة وأنه مقيم في عمق العالم الغربي، وليس هذا فحسب بل إن خطابه يحمل في طياته دعوةً للإنسان الغربي للإنصات لنداء الروح، فقد يكون لدى الإنسان الغربي نوع من الإشباع لدرجة التخمة في الجانب المادي لكنه على المستوى المعنوي في حاجة ماسة للغذاء الذي يغذِّي روحه وجوارحه، وهنا تبرز مسؤولية كولن الفكرية والمعرفية كمرشد للإنسان الغربي في مرحلة طغيان سلطان المادة وفشل كل النظريات المبشِّرة بسعادة الإنسان عن تحقيق ذلك.

الإلحاح على هذا الجانب المعنوي والأخلاقي والروحاني، يحمل في طياته رفضًا باتًّا للعنف ورفضًا باتًّا للإرهاب، وإلحاحًا متكررًّا على أن الإسلام ليس دين إرهاب، وبأن المسلم الحق لا يمكن أن يكون إرهابيًّا، وهي قضية تحمل كذلك في طياتها تأكيدًا ضمنيًّا بأن ممارسة الإرهاب باسم الدين وباسم الإسلام انحراف عن حقيقة الدين وعن حقيقة ما يحمله من قيم إنسانية إيجابية.

 خطاب كولن الموجه للغرب ليس خطابًا مغازلاً ولا خطابًا انبطاحيًّا، بل هو خطاب يعمل على تحميل هذا الغرب مسؤوليته التاريخية في ضرورة الدفاع عن الديمقراطية من خلال حث الغرب ممثَّلاً في أمريكا وفي الاتحاد الأوروبي وفي حلف الناتو على التدخل من أجل الوقوف في وجه كل من ينتهك حقوق الإنسان في كل مكان، والانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون الأتراك في تركيا جزء من ذلك.

مقاربة كولن للمشكل الكردي تقوم على أساس المبادئ التي تفرضها الديمقراطية، والاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد، ومن خلال الاعتراف بالحق في استعمال اللغة الكردية.

من أهم ما أكده كولن في هذا الخطاب هو الإلحاح على الإيجابية التي يتمتع بها أبناء الخدمة، من خلال تأكيد مستواهم الثقافي ومستوى وعيهم الاجتماعي ومدى احترامهم للقانون والتزامهم بذلك، بالإضافة إلى التأكيد على الطابع التطوعي الذي يميز عملهم، والغاية من ذلك هو تأكيد استحالة تورط من ينتمون للخدمة فيما يمكن أن يكون خروجًا عن القانون.

 ردًّا على سؤال إمكانية تورط أبناء الخدمة في الانقلاب، يتجه خطاب فتح الله كولن مرة أخرى للطمأنة وتصحيح الصورة، وهو أن من ينتمي للخدمة لا يمكن أن يتورط في مثل هذه الأمور الخارجة عن القانون والخارجة عن السبل الحقوقية، وإذا وُجِد من تورَّط من أبناء الخدمة في الانقلاب فهو خيانة لقيم الخدمة (العبارة له). وبخصوص قضية التسرب إلى دواليب الدولة التي اتُهمت بها الخدمة يؤكد كولن بأن القضية فيها كثير من الادعاء، لأن التسرب لا يتم من خلال المواطن التركي، بل لا يُعتبر التسرب تسربًا إلا عندما يقوم غير الأتراك بالتسرب إلى دواليب الدولة، أما من التحق بوظائف الدولة وفق ما تمليه القوانين والشروط الموضوعة وتم احترام ذلك، فلا يمكن اعتبار ذلك تسربًّا، ولا إخلالاً بالحقوق التي يضمنها القانون والدستور لكل مواطن التزم بذلك.

البيان في خطاب البيانات

وبالارتباط بهذا الموضوع، ينبغي الإلحاح على سعي كولن في خطابه على طمأنة الغرب من خلال الإجابة على الأسئلة التي يطرحها إعلامه، والتي تعكس في الوقت نفسه طبيعة المخاوف التي يطرحها الرأي العام الغربي، وربما حتى الرأي العام الرسمي، ولذلك يحرص كولن في أجوبته على أن يكون واضحًا وصريحًا، فأجوبته يمكن اعتبارها بيانات رسمية تصدر عنه.

سيجد المتأمل في خطابه وضوحًا في العبارة وغياب العبارات الغامضة التي تقبل التأويل وتقبل أكثر من قراءة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان من يصدر الخطاب واعيًا بأبعاد خطابه مؤمنًا ومعتقدًا فيما يقوله، فهو لا يطلق الكلام على عواهنه، ولا يتكلم من أجل أن يتكلم، ولعل ما تخفيه أسئلة الإعلام الغربي بخصوص هذا الموضوع هو أن يكون في الخدمة جانبٌ سريٌّ، وهو ما حرص خطاب كولن على تبديده من خلال تأكيد التزام الخدمة بالقوانين حتى في الدول التي توجد فيها خارج تركيا فالخدمة تكون حريصة على الالتزام بالقوانين التي تنظم تلك الدول، ولذلك ما يفتأ كولن يلح على ما يمتاز به الغرب من احترام لحقوق الإنسان واحترام للقانون واحترام للمسلك الديمقراطي، وفي الوقت نفسه نجد خطابه يذهب إلى حد الإشادة بالقوانين الأمريكية والإشادة بمدى قوة مؤسسة العدل، وأبدى استعداده للتعامل معها متى طُلِب منه ذلك، ومما ينبغي لفت الانتباه إليه في هذا الخطاب هو حرص كولن على التعامل بمنطق الرجل الحكيم والرجل المسؤول الذي تهمه مصالح وطنه، ولذلك دائم الوقوف على قيمة الاتفاقيات الدولية التي وقعتها تركيا مع المنتظم الدولي، كالالتزام بالديمقراطية والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان، واحترام الحريات، وهي كلها مقومات يسجل كولن تراجعًا كبيرًا عنها، وكأنه متضجر من نقض الالتزامات الدولية، خاصة وأن هذه الالتزامات كانت عنصرًا داعمًا للمسلسل الديمقراطي.

خطاب كولن في كتاب “مواقف في زمن المحنة” لم يخرج عن دائرة الاقتناعات الفكرية والمنهجية التي آمن بها كولن وسارت عليها الخدمة منذ نشأتها.

 وإجابة على قضية التحالف مع الحزب الحاكم في تركيا، وهي قضية أثارها الإعلام العربي كذلك، حرص كولن على أن يبين بأن التحالف لم يكن مطروحًا، لكن الحركة تقدم دعمها للأفكار التي تدعم الديمقراطية، وتوسع نطاق الحريات والقضاء على الفساد ودعم الحقوق وتقوية مؤسسة العدل وتقوية استقلاليتها عن السلطة التنفيذية، والحد من تصنيف الدولة لمواطنيها على أساس أيديولوجي ولم يكن الأمر في أي وقت من الأوقات متجهًا إلى التحالف مع أيديولوجية محددة باعتبارها مرجعيته.

القضية الكردية وخطاب الحريات الثقافية

من أهم القضايا التي يمكن اعتبارها نقطة بارزة في خطاب كولن في هذه الحوارات وفي الحوار المتجه إلى الغرب، والتي احتلت مكانًا مهمًّا في خطاب كولن، هي القضية الكردية، إذ الظاهر أن هذا الموضوع قد شكَّل سبب خلاف حاد بين رؤية فتح الله كولن والخطاب الآخر المعترض على رؤيته، ففي الوقت الذي مال فيه هذا الأخير إلى تغليب الخيار الأمني، في التعامل مع القضية الكردية، من خلال تقوية حضور الجيش الذي لم يتورع عن القيام بعمليات عسكرية والتي كانت توقع ضحايا بين المدنيين من أطفال ومسنين ونساء، مع ما يخلفه ذلك من مآسٍ وكثير من الجرحى، بل ويخلق جوًّا من التوتر بين الدولة ورعاياها في المناطق الكردية، ولذلك فإن الخدمة كانت تطرح مقاربة أخرى لحل المشكلة الكردية.

كان عند كولن مقاربة أخرى بخصوص هذا الموضوع كان قد طرحها قبل هذه المرحلة، لأن القضية الكردية قضية لا تتعلق بتركيا فحسب بل هي قضية دولية، إذ يوجد الأكراد في العراق وفي إيران وفي سوريا، ومن الصعب إخماد نار النزعة القومية إذا تم إشعالها، ولذلك تكون المقاربة الأمنية غير المحسوبة أحد العوامل التي قد تساهم في استفحال المشكل بدل تطويقه ومحاصرته، ولذلك لا يفتأ كولن عن التذكير بأن مقاربة المشكل الكردي كانت موضوع رسالة وجهها لمن بيده مسؤولية تدبير شؤون الدولة سنة 2008م وما يُلمس في هذه الرسالة هو أن مقاربة كولن للمشكل الكردي تقوم على أساس المبادئ التي تفرضها الديمقراطية، والاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد، ومن خلال الاعتراف بالحق في استعمال اللغة الكردية، وتضمنت الرسالة جملة المقترحات تقوم على الإعمار حتى تصير المنطقة منطقة جذب، كما يقول، وعلى دعم التعليم، وتوفير الرعاية الصحية للأهالي، وتغيير الصورة النمطية التي تكونت عن الجيش في وعي الإنسان الكردي، من خلال تعيين مسؤولين عسكريين قادرين على التواصل مع المواطنين والتفاعل معهم تفاعلاً إيجابيًّا، وخلق أسباب الاستقرار ونبذ العنف، وتحسين السلك الإداري، وفتح المجال أمام هيئات المجتمع المدني من أجل القيام بما يلزم دعمًا لدور الحكومة.

على سبيل الخلاصة

وعلى العموم هذه أهم الخطوط التي تبرز في خطاب كولن وهو يتوجه إلى الرأي العام الدولي وإلى الرأي العام المحلي، والظاهر من خلال التأمل في مكونات هذا الخطاب، الذي يجمع بين البعد الفكري والبعد الثقافي والإنساني، والبعد الدولي الاستراتيجي، والبعد السياسي، أنه خطاب لم يخرج عن دائرة الاقتناعات الفكرية والمنهجية التي آمن بها كولن وسارت عليها الخدمة منذ زمن، والتي نجدها مبثوثة في كتبه، والتي يمكن لمسها من خلال المنجز الذي تحقق على يد رجال الخدمة في مجال محاربة الجهل، ومحاربة الفقر ومحاربة التفرقة والصراع، كما أن الخطاب يبرز وجود اختلاف عميق في نظرة الخدمة للدولة، ونظرة خصومها، ففي الوقت الذي يميل فيه الخصوم إلى تدبير شؤون الدولة بمنطق سياسة فن الممكن، والمقاربة الأمنية، واعتبار السلطة والتحكم هي الغاية الأساسية للسياسة والزاوية الوحيدة للنظر إلى الدولة، في الوقت الذي تقوم فيه رؤية كولن على مبدأ تداول السلطة عن طريق الديمقراطية، وتقوية الحريات، وفتح المجال أمام المجتمع المدني للقيام بواجبه بعيدًا عن التوتر الذي يخلقه تصنيف المواطنين على أساس أيديولوجي، وعن طريق ضمان الدولة للحريات وخاصة في مجال الإعلام، لأن من شأن ذلك فتح الباب أمام فئات المجتمع للتعبير عن ذاتها وعن مواقفها وهو ما يكفل بأن يصنع حيوية المجتمع ويضمن استقراره، هذا الاستقرار الذي يعتبره الأستاذ فتح الله كولن الضامن الأول لتحقيق النهوض، فالاستقرار سبيل من سبل إتاحة الفرصة أمام المجتمع من أجل الإبداع والمساهمة في التنمية، ليخلص هذا الخطاب إلى تثمين قصة الحوار والنقاش، فكل الخلافات يمكن تجاوزها عن طريق الحوار.