أديب الدباغ مداد مثمر *

كاتب ألمعي، ومُعلم وفيّ، وأديب رقيق الوجدان، وشاعر مُثمر البيان، ومترجم فذّ بإتقان. زيّن الصفحات -وهي كثيرة- بمداد قلمه النير وأفكاره القيمة وأشعاره الباهرة، وصال وجال في بحر الدراسات الأدبية والفكرية والإسلامية. حياته عامرة بالكفاح لنشر المبادئ النبيلة والقيم الرفيعة. أحبه كل من عرفه، وقدّره متذوقو الأدب “الجميل”، وسار على دربه تلامذته، وقلّده المبتدئون على درب الكتابة، وقرض الشعر ودراسة الفكر. ولقد شارك في الندوات، وأثرى المؤتمرات، وغرس بذورًا في المنتديات، وألقى الكلمات، وقدم البحوث والدراسات. لذا لم يكن مِداد قلمه مغشوشًا، ولا كلماته مشلولة وسط “سيل عرم” من الكتابات والمقالات والآداب والأفكار والأشعار.

الأمة التي تصبو أن ترتقي إلى قمّة العظمة النفسية والعبقرية الفكرية، عليها أن تراعي أشواقها الروحية، وتعمل على تعهدها وإنضاجها واتخاذها منطلقًا إلى حيث تتشعب بها الحياة ويأخذها التاريخ.

الأستاذ “أديب إبراهيم الدباغ” (1931-2017م) من مواليد الموصل/العراق. حصل على الدبلوم في التربية والتعليم. ومارس التعليم 29 عامًا منذ عام 1953. وعمل أستاذًا للأدب العربي في جامعة “داغستان” الخاصة. وكان قد امتطى صهوة الكتابة منذ عام 1950. وانشغل لفترة طويلة من حياته بكتابات ورسائل النور للأستاذ “سعيد النورسي”، ومن بعده كتابات ومؤلفات الأستاذ “فتح الله كولن”. له أكثر من 17 كتابًا منها: “بين يدي النورسي”، و”الاغتراب الروحي لدى المسلم المعاصر”، و”المسلم المنتظر”، و”أصداء النور”، و”في آفاق النور”، و”رجل الإيمان في محنة الكفر والطغيان”، و”حركة التاريخ بين النسبي والمطلق”، و”البعد الحسي في الإسراء والمعراج”، و”الصور والمرايا في تراث النورسي الفكري”، و”مطارحات المعرفة الإيمانية”، و”السنة النبوية سنة كونية وحقيقة روحية”، و”فتح الله كولن في شؤون وشجون”، و”إشراقات قلب ولمعات فكر”، و”العراق صراخ في ليل طويل”، و”الطبيعة”/ عرض وتعليق، و”النوافذ”/ عرض وتعليق، و”الاسم الأعظم”/عرض وتعليق.

ولعل أول ومضة من ومضات عالَم “النورسي” الفكري لامست وجدان “الدباغ”، تعود لعام 1979. وإن كان قد التقى أحد طلابه في “كركوك” في خمسينيات القرن الماضي. كما يعود تعرّفه إلى فكر “النورسي” لواحد من خُلّص أصدقائه وهو الأستاذ “إحسان قاسم الصالحي”، الذي كان قد شرع منذ ذلك التاريخ -أو قبله بقليل- بترجمة نصوص منتقاة من “رسائل النور” إلى العربية، وقد بهرت الكثير من القرّاء المهتمين بالشؤون الفكرية والإيمانية.

يصف “الدباغ” الأستاذ “النورسي” بقوله: “نادرة من نوادر هذا العصر، وربما بقي كذلك لعدة عصور أخرى، لأن القضايا التي عالجها في رسائله (رسائل النور) تَمَسُّ النفس الإنسانية التي هي واحدة وستبقى واحدة إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها وما عليها. وقد أعطاني “النورسي” خصبًا إيمانيًّا، وعمقًا فكريًّا، واتساعًا روحيًّا، وقدرة استيعابية شمولية لخلود الإنسان، وجمالية الأكوان، وعدمية العدميات، وبقائية الباقيات الصالحات المرتبطات بأوّليّة الله تعالى وببقائه سبحانه، فهذا الفكر المستنبط من القرآن الكريم -كما يصفه النورسي نفسه- يمكن أن يجد فيه شباب اليوم ما يخصب أفكارهم، ويترع وجدانهم، ويقوي إيمانهم”.

افتح يا قلب، دعني ألج بكلماتي إليك، دعني أعالج أغلاق خزائنك، دعني أكشف عن أسرار مداخلك، دعني أطلق قواك الخفية وأدير مفتاح الفهم عن الله في روحك.

ويبقي أن لكل زمن رجالاته، ولكل علم ثقاته، ولكل فن فحوله. وليس أقسى على عصر من أن يخلو من رجالاته، وليس أذهب للعلم من ألا ينهض به ثقاته، وليس أضيع لفن من ألا يحمله فحوله. كذلك أن يأتي رجل قبل أوانه، أو أن يسبق زمانه؛ ففي الأولى سيخبو وهجه، وتضيع بذوره، ولا أمل لثماره، وفي الثانية تراه يحدو قومه بفكره.

ولقد كان لقلم “الدباغ” ثمرات بارزة في الأدب والفكر والثقافة وتأثيرها الإصلاحي النهضوي المنشود. ولقد بذل جهده رحمه الله تعالى في تغيير ما أراده الكاتبون المُصلحون من طباع سيئة اُلفت، وأمراض اجتماعية واقتصادية وتعليمية وإعلامية انتشرت، فساد كبير عمّ، وإفساد أكبر طمّ، قلة من عمل، وكثرة من أمل، وغياب للأصل والجوهر، وسطوة للشكل والمظهر، وسلبية مقيتة، وإيجابية كسيحة. يقول:”الأمة التي تصبو أن ترتقي إلى قمّة العظمة النفسية والعبقرية الفكرية، عليها أن تراعي أشواقها الروحية، وتعمل على تعهدها وإنضاجها واتخاذها منطلقًا إلى حيث تتشعب بها الحياة ويأخذها التاريخ”.

وفي كتابه “الضاربون في الأرض” يقرأ في فكر الأستاذ “فتح الله كولن”، حيث يطرق الأستاذ “كولن” من خلال فكره أبوابَ القلب، ويديم الطرْق: “افتح يا قلب، دعني ألج بكلماتي إليك، دعني أعالج أغلاق خزائنك، دعني أكشف عن أسرار مداخلك، دعني أطلق قواك الخفية وأدير مفتاح الفهم عن الله في روحك، دعني أبتعث فيك مواجيد الحنين، دعني أنفض عن أهداب روحك نعاسَ السنين، دعني أشق أكفان الموت عنك، دعني أبدّد ضبابيات الأرض التي تغشى وجودك، دعني أنقش صورة الآخرة على صفحة الشغاف منك، دعني أعرف ذاتك بذات الكون، دعني أعقد معرفة بينك وبين الطبيعة، وصلحًا بينك وبين شقيقك الإنسان”، “والضاربون في الأرض، في فجاج الأرض تلقاهم، إن أردت لقياهم.. هم فتية إيمان، إشعاعات هدى.. على كواهلهم أثقال رسالة أشفقت من حملها جبال الأرض، وأطباق السماء.. وحملها هؤلاء الفتية أعجوبة الزمان وأبطال الأنام إلى أقاصي الأرض وأدانيها.. يمشون.. والأرض يخرقون..

ووراءهم يمشي التاريخ، ويتابع خطاهم، ويكتب آثارهم، ويترصد جلائل أعمالهم.. بواطنهم موّارة بآلام أمة، وأحزان قرون، ودموع أجيال، ومآسي أزمان.. لكنهم غير مثبطين، ولا محبطين، ولا يائسين.. الآمال من وجوههم طافحة، والبشريات على ألسنتهم منهالة، يعملون، يجدون، عرقًا يتصببون.. لكنهم لا يشتكون.. بالغربة يأنسون، وبكلمة الله التي يحملون، قلوبًا يفتحون، وأعلامًا للهدى يركزون، وراية محمد عليه الصلاة والسلام على قمم العالم يقيمون.. لا ينكصون، وعن غاياتهم لا يرجعون!”.

كان رحمه الله من كتاب مجلة “حراء” الدائمين. فعبر عمرها البالغ ستين عددًا (حتى الآن)، له في أرشيفها خمسون مقالاً.

ولقد نذر “الدباغ” نفسه للأدب، عاكفًا في محراب الفكر في عصر “قصف” العقول، واحتلالها، والتلاعب بها و”تخديرها”، و”عبادتها” وتقديسها، وغسل الأدمغة، وتغريبها. ألزم نفسه بمهام ثقال، ومسؤوليات جسام، وإعمال ترجمة وتوثيق ونقد وتقديم وإنتاج ضخم لا ينهض به إلا “مؤسسات”. ولِمَ لا، فالأمر جلل: نهوض لاستقلال العقول وتنويرها، وترميم لما قُصف، وتحرير لما احتل، ودفع لسهام المتلاعبين بها لتستفيق من غفوتها، فتعود لحظيرة أمتها الإسلامية.

وكان (رحمه الله) من كتاب مجلة “حراء” الدائمين. فعبر عمرها البالغ ستين عددًا (حتى الآن)، له في أرشيفها خمسون مقالاً. ولم يكن “مداده مغشوشًا”، بل كرس قلمه لعلاج العلل والأدواء ولم يرها تستعصي على العلاج. قلم فاعل في عملية النهوض والتأثير واستنهاض الهمم، ووضوح الرؤى، وتقويم النتائج، والنهوض بالتبعات والمسؤوليات.

فكل الدلائل والشواهد التي يكاد يجمع عليها كل الكتاب والمفكرون والمصلحون، تؤكد على أن الإشكالية ليست “إشكالية منهج”، بل “أزمة تطبيق”. فالمناهج الإصلاحية النهضوية واضحة جلية، طبقناها حقبًا فكانت لها حضارة “سطعت شمس” أنوارها على كل الدنيا من مشرقها إلى مغربها. نهلنا من غيرنا =وصهرنا في بوتقتنا وفق خصوصياتنا= وأضفنا وقدمنا (للآخر) عصارتنا على أطباق من ذهب دون قيد أو شرط أو إكراه. لكننا =والأيام دول، والحضارات كما الإنسان تمر بها فترات صحة ومرض، ضعف وقوة، طفولة ورشد= تنكبنا الطريق لأسباب أيضًا واضحة جلية يعرفها القاصي والداني، وإذا ما عرفت الأسباب سهُل تشخيص الداء ووصف العلاج.

لقد كان “مداده مثمرًا يانعًا” يشدك إليه ببهجة ألوانه وعذب مذاقاته. فسيظل للقلم، ولما يسطرون -في حضارتنا التي تقوم على العلم والمعرفة، وأن “المعرفة قوة، والقوة معرفة”- دورهما وأثرهما وتأثيرهما. سيظل المنهج جليًّا، بينما الأزمة في التطبيق.

لم يكن “مداده مغشوشًا”، بل كرس قلمه لعلاج العلل والأدواء ولم يرها تستعصي على العلاج.

وسيسهم القلم والعمل والكلمات والفكر والثقافة في “انبثاق النور” واستنهاض الهمم والهامات، وبث الأمل والآمال، والحث على إبداع الخيارات والتطلعات التي ستجد واقعًا معيشًا. ولقد أسهم قلم “الدباغ” في هذا “التدافع” بين أصحاب الحق والباطل، بين القلم والسيف، بين الفكر والقهر، بين الحرية والاستعباد، بين الإبداع والجمود، بين الاستقلال والتبعية، بين النهوض والارتكاس، حتى وإن تعاقبت السنون والدهور إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً. لقد كان صاحب حياة أدبية معطاءة ثرية، فستبقي آثاره وإنتاجه وأعماله وتركته وتلامذته ومدرسته الأدبية والفكرية والثقافية. وفي هذا عزاء لكل أحباب وزملاء وأصدقاء وتلاميذ ومحبي هؤلاء الأفذاذ من رجالات الأدب والثقافة.

وأتى قلم “الدباغ” ضمن قافلة تترى وتتوالى لها المكان والمكانة. مشعل نور، وحامل لواء، لم يكذب نفسه ولا أهله، له مدرسته وفكره. فأعد النظر مرة ومرة.. في إنتاجه على تنوعه تجد ركائز ثرية واضحة ومميزة دالة على مشروعه الفكري: قضية الشعر واللغة، إبراز كتابات الأفذاذ من قدوات الإصلاح، ومراعاة سلم الأولويات، وعالمية الإسلام، ومستقبل الإنسانية، والثقة بنهوض الأمة. ولقد غيب الموت صباح الأربعاء (31 مايو 2017) أديبًا هذا شأنه وتلك تركته. لقد ترجل “الفارس” عن فرسه، ووضع قلمه، لم يغلق محبرته. ولقد نعاه الكثيرون. ويبقي التوجه بالدعاء لله العلي القدير أن يغفر لفقيدنا ويرحمه، ويلهم أهله ومحبيه وتلاميذه الصبر والسلوان. فلقد كان نعم الفارس والأب والمعلم والرمز من رموز علو الهمة والتواضع، عاش كريمًا، ومات فقيدًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

* نشر هذا المقال في مجلة حراء العدد ٦١