حدثني أحد تلاميذ الأستاذ فتح الله كولن قائلاً:

تحلق الطلاب كالعادة في موعدهم انتظارًا لخروج الأستاذ للدرس في الصباح. تأخر الأستاذ عن الموعد ثم ما لبث أن أطل علينا من غرفته بوجه غير الوجه المعتاد.. وجه تعلوه أمارات الأرق وقلة النوم، فعلِمْنا أن خطبًا ما قد أقضّ مضطجعه، وما أكثر ما يقض ذلك المضطجع.. فما كان ليهنأ جنبُ الأستاذ يومًا باستقرارٍ وبين حنايا صدره ذلك الكائن المرهف الحساس المسمى بالقلب؛ ذلك الذي يعاني -إلى جانب أوجاعه الحسية- أوجاع هموم أمته وانزعاجه لأدنى ملمة تلم بها.. انزعاجًا يجافي بين عينيه والوسن، ويخلّف وراءه تضاريس الأرق والهموم على محيا نسي الابتسام أو كاد.. بل إننا بتنا نستطلع الحوادث التي تلم بالأمة عبر وجه الأستاذ سائلين الله أن يمن علينا بخبر سعيد أو بشرى سارة تعقد سلامًا بين وجهه والارتياح والسرور.

خرج علينا بذلك الوجه وجلس مستويًا على كرسيّه، ثم بدأ يتفرس وجوهنا وجهًا وجهًا، مرة من اليمين إلى اليسار، وأخرى من اليسار إلى اليمين.. فسادَ المكان صمت رهيب.. صمت تكاد تنخلع له القلوب. وحدثتني نفسي لحظتها أن هذه النظرات الفاحصة ستعقبها مكاشفة تبلي السرائر وتشف عن المكنون في الضمائر.. ألم يقولوا:

يا طبيب، ألَديك دواء يُخمِد المشاعر والأحاسيس؟ أفي الطب دواء كهذا..؟

قلوب العارفين لها عيون*** ترى ما لا يراه الناظرون

فاستعنت باسم الله السّتّير، ثم استعدت رباطة جأشي من جديد وتمتمت في نفسي: ما بالي أنزعج كل هذا الانزعاج؟ ألم أعش مثل هذه اللحظات عشرات المرات طوال سني دراستي معه؟ فما الجديد هذه المرة؟ ثم توارد على عقلي خاطر آخر وهو: ما الذي كان يتفرسه الأستاذ في وجوهنا؟ أترُاه كان يتأمل تلك العيون التي ارتوت بالنوم طيلة الليل فأصبحت نضرة كأن لم يحدث في الكون شيء، فيرتد إلى نفسه هامسًا: ما بالي أسهر وآرق وينام هؤلاء ملء جفونهم؟! أم تُراه كان يبحث عن جفون صبغها الليل بحمرة الأرق فباتت تئن وتتقلب على فراش من الشوك كما بات هو؟

أحسب أنه قال في نفسه: أليس هؤلاء طلابي؟ أولم أربّهم على عيني كما تربي الأم الرؤوم وليدها؟ أولم أورثهم محبة الله ورسوله وأعهد إليهم بحمل مسؤولية هذه الأمة؟ أولم أزرع فيهم جاهدًا هَمَّ تبليغ هذا الدين إلى كل مكان تشرق عليه الشمس أو تغرب كما أرشدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ أفلا يرون العالَم من حولهم وهو يموج موج البحر المتلاطم؟ متى سنبني حضارتنا؟ متى سنقيم صرح روحنا؟ ما لهم لا يأرقون كما آرق أنا؟

وفي تلك اللحيظات التي كانت تتقاذفني فيها هذه الخواطر، شق أسماعنا صوت الأستاذ بنبرة ملؤها الأسى قائلاً لطبيبه الذي كان يجلس بيننا: “يا طبيب، ألَديك دواء يُخمِد المشاعر والأحاسيس؟ أفي الطب دواء كهذا..؟ دواء يجعل المرء لا يبالي ويواصل في نوم عميق حتى لو جرفت السيول كل مكان، والتهمت الحرائق الأخضر واليابس، وزُلزلت الأرض زلزالها وقامت القيامة..؟”.

أطرق الطبيب ولم ينبس ببنت شفة، فتابع الأستاذ حديثه: “سكوتك ينبئ عن جوابك”. ثم أردف: “إن لم يكن في الطب دواء كهذا، فتلك منقصة في حق الطب… اقرأ يا فلان”… ثم بدأ الدرس.