في كتاب “جهود التجديد” إلحاح شديد من مؤلفه الأستاذ فتح الله كولن على ضرورة التيقظ إزاء مخاطر الأنانية، ولا سيما بالنسبة لمن يريد أن يحوّل حياته وجميع مناشطه إلى عبادة. إذ يمكن للإنسان من خلال ضبط النية في ابتغاء مرضاة الله تعالى أن يصبغ حياته كلها بصبغة العبادة، من المأكل إلى المشرب إلى العمل إلى سائر ممارساته اليومية. فالنية مفتاح سحري يحول العادات إلى عبادات، كما أن فساد النية أو غيابها يفقد العمل معنى العبادة حتى لو كان ذلك صلاة أو صياما.

تقرير الملكية

تواجهنا مخاطر الأنانية أثناء العمل وبعد إنجازه. على سبيل المثال أنشأت مدرسة، بنيت مسجدا، أقمت مشروعا خيريا، نفذت مشروعا إنسانيا، نجحت في برنامج مجتمعي، شاركت في عمل ثقافي ناجح، لكنك في جميع هذه الأعمال عقدت النية على أن يكون العمل خالصا لله، أي أردت أن يكون هذا العمل وسيلة لنيل مرضاة الله، فتم المراد وجاء التوفيق وكلل عملك بالنجاح. هناك يبادر الأستاذ كولن كما يؤكد في “جهود التجديد” إلى القول بأن هذا النجاح “لطف” من الله، ويحذرك من أن تنسب الفضل إلى نفسك، رغم أنك كنت جزءا من العمل. فالإخلاص يعني التجرد الكامل، ويتوج الأستاذ فكرته بهذه العبارة: “لو قيل لنا اخلعوا من أنفسكم ما هو ملكٌ لله وضعوه جانبا، ثم هلمُّوا بتقرير عمّا تملكونه خالصا لكم، فلن نستطيع أن نقدم شيئا”.

لو قيل لنا اخلعوا من أنفسكم ما هو ملكٌ لله وضعوه جانبا، ثم هلمُّوا بتقرير عمّا تملكونه خالصا لكم، فلن نستطيع أن نقدم شيئا.

الأستاذ كولن ينبه إلى ضرورة إرجاع الفضل إلى صاحب الفضل وعدم ادعاء امتلاك ما ليس لنا، بل لكي يزيد الفكرة رسوخا في القلوب يطور الأستاذ مفهوم “تصفير الأنا” إزاء أفضال الله تعالى فيقول “صفّر نفسك أمام الله”، مواصلا: “لا قيمة للصفر بحد ذاته، ولكن إن وضعنا إلى جانبه رقما صار له قيمة. تخلّ عن دعوى الأنانية، صفِّر نفسك، ودع خالق الأرقام يضع الرقم الذي يريد إلى جانبك”.

معاني في غاية العمق والدقة في الأدب مع الله. وفي مكان آخر من كتاب “جهود التجديد” يعبر عن المعنى نفسه بمفهوم “المحوية”. ولا يعني ذلك أن يعدم الإنسان ذاته إزاء الآخرون ويرضى بالدونية، بل أن يعرف حدوده مع الله، ويموقع نفسه في الموقع الصحيح، ولا يتجاوز حده، ولا يدعي لنفسه ما لا يملكه.

حرمان من الإنعام

العجيب أن الأستاذ كولن يعتبر تصفير النفس شرطا أساسا يضمن لنا “استمرار” الألطاف من الله تعالى، ويعتبر بروز الأنا سببا في انقطاع تلك الألطاف، يقول: “إذا أردت للعناية الإلهية أن تستمر بالهطول عليك في نجاحاتك، فتخلّ عن ادعاء الفضل لذاتك، اعمل على محو “الأنا”، وانسب الفضل إلى صاحب الفضل، وتواضع أمام الله”، ويحذر بالمقابل من مخاطر الأنانية: “الحذرَ الحذرَ من الوقوع في براثن الأنانية، فردية كانت أو جماعية. لأن الأنانية سبب الحرمان من عون الله”.

تخلّ عن دعوى الأنانية، صفِّر نفسك، ودع خالق الأرقام يضع الرقم الذي يريد إلى جانبك.

ويأتي كولن بتفسير معقول لتصفير الأنا يؤطره بمفهوم آخر يسميه “الممرية”، فليس من حق الإنسان ينسب الأفضال إلى ذاته، لأنه ممر لها أصلا، ويعبر عن هذا المعنى بعبارات في غاية الرقة والعمق والرشاقة حيث يقول:

“على الإنسان أن يبذل في سبيل الله كلَّ ما أوتي من جهد، ولكن عليه أن يلزم حدّه في جنب الله، ويعيَ منزلته، ويكون في يقظة وحذر، لا يتعدى حدوده ولا ينسب لنفسه ما ليس منها. عليه ألا يَنسب الجمال إلى نفسه ألبتة، وأن يستحضر دائمًا أنه ليس مظهرًا للجمال، بل هو ممر له على الأكثر؛ لأننا لسنا أصل الجمال، أصل الجمال هو الله، وليس الجمال ملازمًا لذاتنا، بل يبدو أحيانًا ويختفي أحيانا أخرى، مثل أشعة الشمس تنعكس على فقاعات الماء، الأصل هي الشمس، أما الفقاعات فهي ممر لنور الشمس لا غير. لا يليق نسبة الجمال إلا بصاحب الجمال. أجل، لسنا مصدر الجمال، وجمالنا ليس نابعا منا، بل منه سبحانه. فمن كان هذا فكره، بارك الله له في أعماله، وأصبح بطلَ الآية التي تقول:﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وأفاض الله عليه من نعمه دون انقطاع”.

“جهود التجديد” الذي صدر عن دار النيل للطباعة والنشر قبل شهر تقريبا مليء بمثل هذه المعاني الرقيقة والمفاهيم الجديدة التي تمس شغاف القلب، تنبه الإنسان إلى معان دقيقة غابت عنه، وتضعه على السكة الصحيحة في معرفته لذاته وفي تعامله مع الله.