بينما كنا نسير نحو مستقبل مفعم بالنـور بقلوب ملؤها الأمل، إذا بنا نسمع أصواتًا كريهة ترتفع من اليسار ومن اليمين تدعو إلى عهد مظلم من جديد. سمعنا هذه الأصوات النشـاز فقلقنا، “أبدأنا نرجع إلى أيام التناحر والشقاق؟” كم كنا معجبين بهم عندما كنا نسمع منهم هذه الكلمات: “احترام الإنسان وتوقيره، وإبـداء الحب للكل ولكل شيء، والتعامل بكل مرونة وتساهل مـع العالم كله”، كم كانت هـذه الكلمات سـاحرة ومعسولة… كم أحببنا كلماتهم هـذه وكم ضممنا التقدير لها في جوانحنا! أحببناهم وأعجبنا بهم… أعجبنا بكلماتم ونحن نمشي في طريقنـا نحو المستقبل بكل ثقة وأمن واطمئنان دون أن يخطر ببالنا ظهور أي مصاعب أو أمور سلبية أمامنا… وإذا بنا نفاجأ بهم وقد انتصبوا أمامنا بكل ما في جعبتهم من حقد ونفور وغضب، وبدأوا -وهم يهاجمون جميع الأطراف- بسد الأفق بأفكارهم السوداء الكالحة، وبنسف كل الجسور وتعطيل كل الطرق. قاموا بكل هذا وهم يتظاهرون بأنهم رسل السلام والنور، وبدأوا بألعاب قذرة تحت هذا الغطاء. وفي أحيان أخرى كشفوا عن وجوههم الكالحة السوداء سواد القطران، وبدأوا يهاجمون الأفكار النيرة، ويشنون عليها حربًا شعواء علانية وصراحة، ولم يتوانوا في هذه الحرب عن الافتراء على جميع الأفكار والحركات والفعاليات الإيجابية. والحقيقة أن هؤلاء لم يكونوا بيادق بيد قوى الظلام فقط، بل كانوا أيضًا هم الظلام بعينه. وحتى عندما حاولوا أن يظهروا وكأنهم مع النور ومع الضياء ومن أنصارهما، إلا أنهم كانوا في الحالين يمشون وراء الشيطان ويوقدون نار الفتنة.

أجل! لقد ترك البعض منا منذ مدة طويلة كل شيء، وتوجه نحو تخريب عاطفة الأخوة والصداقة الموجودة بيننا. لقد دارت رؤوسنا إلى درجة أننا لم ننتبه إلى أننا كنا نهلك أنفسنا بأيدينا. والأنكى من هذا، أننا كنا نربط جميع مشاعرنا وأفكارنا وسلوكنا بأحاسيس العداوة والبغضاء. وبدأنا نقوم ونقعد بهذه المشاعر ونتنفس مشاعر الخصام، بينما كنا في حاجة ماسة إلى الأخوة والصداقة… كنا بحاجة إليهما ولكننا لم نكن نستطيع تحقيقهما. ليتنا استطعنا ذلك، ولكن هيهات… ولو كان بإمكاننا تحقيق مثل هذه الأخوة والصداقة بين أفراد هذه الأمة، لاستطعنا تجاوز هذه المشاكل والعقبات الكبيرة والضخمة ضخامة الجبال بحملة واحدة، ولأسمعنا صوتنا حتى إلى النجوم في السماء. ولكن لم نستطع، أو بالأحرى لم يَدَعونا نحقق هذا، بل زرعوا الشقاق والنفاق بيننا، فأصبح بعضنا أعداء للبعض الآخر ومصدر همّ وغمّ، وبدأ بعضنا يضرب البعض الآخر، وتَحوّل كل منا إلى شخص يعاني من مأساة هذا العصر. واليوم أصبح البعض منا ضد الجميع وضد كل فكر. فهو ضد كل من لا يفكر مثله، ولا ينفكّ عن معارضته وتشويه سمعته. ولا نفكر أبدًا بأننا إن سـرنا في مثل هذا الدرب فسنبقى وحيدين وسنكون أسارى نواقصنا، ونحوّل مستقبلنا المملوء أملاً إلى كابوس وإلى جحيم، بينما نملك العديد من أسباب القوة التي تشكل أساسًا لآمالنا وعزائمنا. إذن فبعضنا قد غُلبت عقولهم وقابلياتُ التفكر والحكم لديهم من قبـل أحاسيسهم وأهوائهم. لذا نراهم يعيشون حالة من التناقض في المشاعر، ويتعثرون على الدوام، ويعيشون أزمة في أفكارهم الرئيسة. فلا يمكن أن يشكل هؤلاء أمة واحدة على الرغم من كونهم أبناء بلد واحد، لأنهم وضعوا أنفسهم في مواضع معينة بحيث يهدم أحدهم الآخر… لا يشكلون أمـة واحدة، بل يعيشون أسرى في شباك الاختلاف والتساقط، ويموتون وهم أسرى.

ولا أدري، ألم يَحِنْ بعد أوان محاسبة أنفسنا كأمة؟ لأنه إن استمر عدم الإحساس هذا مدة طويلة، فإنني أخشى -لا سمح الله- أن ننهدم في المدى القريب ونبقى تحت أنقاض أنفسنا. والحقيقة، يجب ألا نغض الطرف أبدًا عن مثل هذا الاحتمال، بـل أن نخشاه وأن نعتصم جميعًا بحبل الوحدة والتضامن بقوة. إن أبرز خصائصنا كأمة، وأكثرها استحقاقًا للتسجيل، هي أن كل فرد من أفرادنا يحمل احترامًا كبيرًا للآخر. وإن أفضل منابع قوتنا هو تساندنا في مستوى القلب والشعور. وكلتا الخاصتين تستندان إلى أننا نقبل الآخرين كما هم ونحترم أفكارهم. وفي هذا الوقت نرسل رسائل الصداقة، ونعدّ برامج العيش مع كل أمم الأرض، فلماذا إذن نضنّ على أنفسنا وعلى أمتنا بعُشر ما نبديه من استعدادنا لفتح أبواب الصداقة مع جميع الأمم في العالم؟

ومع أننـا نرحب بالصداقة مـع الجميع إلا أننـا نتساءل: ألا يجب علينا أن نمحو أولاً مشاعر العداء والحقد الموجودة فيما بيننا؟ إن وجـود مشاعر الحقد والكره والعداء عند أي شخص، سـواء أكان هذا متدينًا أو رجـل علم أو رجـل إدارة أو رجـل فكر أو زعيمًا، يعد نقيصة كبيرة وعيبًا. وهـم بهذا يمثلون ناحية سـلبية في نظر الحق تعالى وفي نظر الخلق، وفي نظر هذا الجيل الناشئ.

إن توقير الإنسان واحترامه من موجبات الإنسانية ومن ضروراتها، وحب الإنسـان من شـروط القرب من الله تعالى ومن الخلق. والذين يستهينون بالناس بتصرفاتهم أو بأقوالهم يُفشون في الحقيقة مسـتواهم الخلُقي، كما يفشي الذين يحقدون على الإنسان ويكرهونه ويعادونه نوعية ضميرهم ووجدانهم. بينما نرى أن أصحاب الخلُق الرفيع هـم من المتواضعين على الدوام، يهبّون نسيمًا رقيـقًا في كل مكان، ويسـتروح بهم الناس… وهم يَعدّون احترام الإنسان ومحبته من أفضل الأشياء وأثمنها. ويرون أن حب الإنسان للآخرين، وكونه محبوبًا من قبلهم، أفضل وأثمن من ملك الدنيا. وأمثال هؤلاء ينذرون حياتهم من أجل حياة الآخرين ومن أجل سعادتهم بكل همة وعزم.

ومن السنن الإلهية أن أمثال هؤلاء الذين يحسنون الظن بالجميع ويحملون نوايا طيبة تجاههم، يحصلون على أضعاف مضاعفة لنواياهم وأفكارهم هذه. ومع أنهم لا يبغون هذا ولا يعنون أن يحصلوا على مقابلٍ لعملهم، إلا أنهم يحصلون على عشرة أضعاف ما يقدمونه مستفيدين من مزايا إنسانيتهم. أما الذيـن تركوا أنفسهم للحقد وللعداء، فإنهم يدمرون قيمهم الإنسانية، ويزعزعون موقعهم في قلوب الناس. إن صرف الإنسان عمره في غمار المشاعر السلبية والسيئة، عذاب لا يطاق من جهة، وانحطاط من جهة أخرى. بينما رؤية الجانب الإيجابي في كل شخص واحتضان الجميع، بطولة من جهة، وسمو من جهة أخرى… بطولة في التحكم بمشاعر الحقد والنفور والطمع. وهؤلاء الأبطال هـم الذيـن يسيطرون على أهوائهم فيتخلصون من ذل العبودية للشيطان والعمل تحت إمرته، وفي لحظة واحدة يصبحون عبادًا لله أعزاء الجوانب وأسيادًا في عالمهم الداخلي.

لقد أصبحنا -كمجتمع- منذ زمن طويل أسرى رغباتنا وعبيدًا لأهوائنا، وبدأ معظمنا يتصرف بوحي من الشيطان في قيامه وقعوده، ننـزعج من الجميع، ونـزعج الجميع. وبهذا الأسلوب من التصرف نبتعد بسرعة -سواء أشعرنا بذلك أم لا- عن قيمنا الإنسانية ونعيش أزمات في أعماقنا. أجل! لقد استقرت المشاعر السيئة في قلوب معظمنا، مع أن هذه القلوب عشّ وخيمة للحب. فلم نعد نستطيع الآن حب الآخرين ولا احتضانهم ولا إبداء التسـامح والمرونة تجاههم. وأصبحنا نلتذ بالتحطيم والتدمير والتخريب، وكالبوم نقيم أعشاشنا فـوق الخرائب، ونهاجم الجميع، ونسرع للتخريب برغبة وشهوة كبيرة، ونتورط بذلك في آثام لا تغتفر نحو الله تعالى ونحو بلداننا ونحو الناس. وأحيانًا نقترف هذه السيئات ونحن نحسب أننا نقدم خدمة نتوقع الشكر والحمد والثناء من الآخرين عليها. والشمس بدأت تطلع كل يوم على ظلم أو على اعتداء وتجاوز أو هذيان، وتمر الليالي حالكات الظلام، وأصبحت حالنا حال مجتمع عقد العزم على اقتراف الآثام. المشاعر الإنسانية بقيت خلف الأهـواء النفسية بمسافة كبيرة، وتقدمت مقاييسنا الشخصية والمزاجية على المنطق وعلى الموضوعية. أما مشاعر المحبة والتسامح فقد ذبحت بخناجر العداوة. أما أعداد الأشخاص الذين أصدرنا بحقهم أحكامًا جائرة بأفكار مسبقة فلا يعدّون ولا يحصون. وليس من المعلوم ما سنفعله، ومتى سنفعله، ولمن نوجه شتائمنا، ومن سنقوم بإغراقه بالإهانات. فنحن نعيش في دائرة من الجنون وفي مجتمع “شيزوفيرينيا”، فلا نشبع من الظلم، ولا نخجل من الاعتداء ولا نكف عن اقتراف الآثام…

إثمُ عدمِ احترام الحق، وإثم شعور الكره نحو الناس والنفور منهم، وإثم الاستخفاف بالأفكار، وإثم بذر بذور الفرقة والخلاف في المجتمع، وإثم النظر إلى كل شيء بمنظار أسود، وإثم عدّ الآخرين مجرمين وأنفسنا بريئين، واعتبار الآخرين من أهل النار أو من الرجعيين، وإثم القيام بعرقلة كل خطوة إيجابية، وإثم تخريب القيم الإنسانية… إلخ من الآثام. وأنا أعتقد أنه آن الأوان للتوبة من كل هذه الآثام.

إذن تعالوا نتب من كل آثامنا مستغلّين بركة هذه الأيام التي أحاطت بنا، فنبدأ بعيش فترة تطهّر، ونعزم على احترام الآخرين، والحفاظ على جميع القيم الإنسانية، واحترام أفكار الآخرين، وقبولهم على ما هم عليه، وأن ندع النـزاعات التي حدثت في الماضي ولا نثيرها من جديد، ولا نجعلها وسيلة لنـزاع جديد أو خصام، وأن ندع تقسيم المجتمع إلى معسكرات مختلفة، بل لنؤكد على الوحدة والتساند على الدوام. فإن كانت قلوبنا لا تزال تنبض ببعض القيم الإنسانية، وإن كانت عضلاتنا لا تـزال قوية، إذن فليحتضن بعضنا البعض الآخر، ولنبحث عن طُرق جمْع ما سـبق وأن بعثرناه من أشلائنا هنا وهناك، وكيف نوحّد هذه الأجزاء بقوة بحيث لا تنفصل ولا تتجزأ مرة أخرى، ودعونـا نستنطق لغة القلوب التي تقربنا إلى الناس، وتوصلنا إلى الله، تاركين مشاعر الحقد والعداء التي تقطع علينا الطريق كل حين.

إذا كان المطلوب هو تحويل بلادنا إلى جنة وارفة الظلال -وأعتقد أنه لا توجد شبهة في هذا الأمر- فلا ينجح في هذا ولا يستطيعه إلا من أقام هذه الجنة في قلبه أولاً. فمن لم يستطع تخليص قلبه وعالمه الروحي من قبضة المشاعر والأهواء التي تقلل من مستوى الإنسان وتخفض من قيمته، فهو أعجز من أن يقدر على هذا، بل لو قُدّر له -على فرض المستحيل- أن يمر من جنات الفردوس، لكان من المحتمل أن يفسدها ويشوهها ويقلبها إلى سجون.

دعونا نضع يدًا بيد مرة أخرى، ونتكلم بقلوبنا، ونُسمع النجومَ ما يدور في صدورنا، ولا سيما في هذه الأيام التي تتزين فيها الآفاق بالرحمة الإلهية، وتحتضن الأنوار الآتية من وراء الآفاق قلوبَنا… نتوحد في هذه الأيام المباركة التي تتردد فيها أنفاس جبريل عليه السلام، وتلتقي فيها الأدواء مع العلل والأمراض.

 (*) الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي. (رحمه الله)

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts