استهلال

بسم الله وعلى بركة الله، وبتوفيق من الله، نقدم للقراء الكرام العدد الأول من إصدارة “نسمات”. هذه الإصدارة التي ارتأينا أن تكون مرصودة حصرًا للتعريف بالمنهج الفكري لما اصطُلح على تسميته بـ”الخدمة”، وقد أرسى قواعدها وشيّد بنيانها فضيلة الأستاذ “فتح الله كولن” بأفكاره الإيمانية الانبعاثية، القائمة على ابتعاث الذات التاريخية والإيمانية للأمة المسلمة.

هذه الذات التي يرى “كولن” أنها ليست مجرد نوع من المستودعات المطمورة تحت مستويات غاية في العمق، والموؤدة تحت أكوام من مشاغل العقل بالحياة النمطية المسطَّحة التي يعيش المسلم مشاكلها وأحداثها ووقائعها اليومية، بل هي -أي الذات- مجموعات من القوى والطاقات المختزنة.. وهي في حاجة -في كل وقت- إلى مَنْ يزيح عنها بقلمه تلك التراكمات، ويخرجها من تحت الأنقاض مجلوة ساطعة مضيئة، ويظهرها للعيان لتشرع بتجسيد طاقاتها الذهنية من جديد، محدثة مَدًّا فكريًّا يعمل على تحريك الواقع الساكن والجامد الذي يكاد يكون نوعًا من الموات الفكري والروحي لدى الأمة.

إن “الخدمة” كعقل جمعي بامتداداته إلى مفاصل المجتمع، إنما هي محاولة رائدة وجادة لسبر أغوار النفس المسلمة، ومعالجة مشاكلها وافتقاراتها ومجاعاتها الإيمانية والأخلاقية.. كما أنها لا تني تعمل على استنارة نزوعها الحضاري لاستئناف دورة فكرية وحضارية جديدة تسابق بها الأمم، وذلك بامتداداتها إلى شتى صنوف المعارف العصرية دون الإخلال بأي ثابت من ثوابتها الدينية وتقاليدها الحضارية.

فالارتقاء والسموُّ المعرفي ليس مقصورًا على الارتقاء نحو الأعلى الكوني فحسب، بل هو كذلك سموٌّ وارتقاء نحو الأسفل النفسي والذاتي. فمشروع الخدمة الذي خطط له فضيلة الأستاذ فتح الله كولن، إنما هو -ببساطة- ارتقاء نحو البعدين كليهما الأعلى والأسفل؛ الأعلى الكوني، والأسفل النفسي أو الذاتي. إنها عملية غوص غَوْري من مسطحات النفس أو الذات إلى المستويات الخفية من الماهية الإنسانية، وإن شئت قلت هي المستويات التي يحظى من خلالها بجوهره الروحي المغلف بطبقات سميكة من الأصداف والقشور.. فالمقاربة بين هذين البعدين وامتزاجهما معًا في المسلم، هما اللذان يشكلان الإنسان الحضاري والمثالي كما يريده الإسلام.

إن من أهداف “الخدمة” الأكثر إلحاحًا، هي العمل على هَزِّ العقل الذاتي للأمة، لكي يستيقظ من سباته، وينضو عنه ثوب الكسل والتراخي وعدم المبالاة.. إنه -أي كولن- يريد أن يجعل كيان المسلم الداخلي متمردًا على العادي والتافه من الحياة اليومية، وأن يكون دائم الوَمض مشرئبًّا متطاولاً ملهوفًا، وكأنه يريد أن يعانق الأشياء ويدخل فيها، ويحتضن الوجود ويذهب مع أبعاده، ويسيح في أرجائه، ويبحث عن الحياة الأسمى والعقل الأكبر والأوسع، والروح الأكثر ألقًا وسطوعًا، وأن يذوب في كل شيء، ويذيب فيه كل شيء.

ومما يسعد “نسمات” أن يتداعى نخبة من جلة الكتاب والمفكرين المعنيين بالمنهاج الفكري للخدمة، بالمساهمة في وضع بصماتهم القلمية على صفحاتها البكر الوليد، متناولين في بحوثهم ودراساتهم هذا المنهاج من جوانبه المتعددة بالتحليل والتعليل والتقويم. و«نسمات» إذْ تثمن هذه المساهمة الكريمة من الكتاب والمفكرين في إثراء الرصيد المعرفي لفكر “الخدمة”، تأمل منهم المزيد في قابل الأعداد، والله من وراء القصد.