الذي يتفق عليه الغالبية العظمى من الناس هو أن القِيَم والأخلاق شيء ثابت، بل هي مكوِّنات كلية لا تقبل بمنزلة بين المنزلتين، فالصِّدْق هو الصِّدْق، والأمانة هي الأمانة، والشعور بالمسؤولية هو الشعور بالمسؤولية، في كل الديانات، وفي كل الثقافات، وعند كل الشعوب، وقد يبدو تعريف هذه القِيَم ومضمونِها الشيءَ الوحيد الذي تلتقي عنده الإنسانية بصرف النظر عن معتقَدها وعن ثقافتها، لذلك عندما تنحرف الذوات عن هذه القِيَم والأخلاق يشعر الجميع بأن التوازُن قد اختلَّ في الممارسة وفي السلوك، ولقد رسخ عند البعض أن القِيَم والأخلاق تَصلُح في مجال العلاقات الإنسانية العامة وفي مجال تَوَاصُل الأفراد والجماعات وتفاعلهم معًا… لكن المجال الذي يستعصى الالتزام فيه بالقِيَم والأخلاق هو المجال السياسي، لأنه قائم على المصلحة، وعلى مبدأ “الغاية تبرِّر الوسيلة”. فحسب هذا الرأي إذا كانت الوسيلة الموصِّلة إلى الهدف والغاية تقتضي دَوْس القِيَم والأخلاق بالأقدام، فلا عَيْب، ما دام ذلك سيحقِّق الغاية.

بناءً على ما تَقَدَّم يُثار السؤال الآتي: هل يحِلّ للسياسي المنطلِق من رؤية دينية، ومن شعاراتها، ومن رؤية إسلامية على وجه التحديد، الدَّوس على القِيَم والأخلاق، عندما تتعارض مع المصالح والغايات؟ وهل يمكن تصوُّر أهداف وغايات غير مشروعة في مجال الممارسة السياسية المؤسَّسة على قيم الإسلام؟

ذهب البعض إلى القول بأن الإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم لا يتوفرون على الحصانة الكافية، التي تسمح لهم بمواجهة وحش السياسة الآخذ في تحويلهم -إن لم يكُن حوَّلَهم فعلاً-إلى وحوش صغيرة.

الإسلاميون وامتحان الدولة

إن أكبر امتحان يواجه الإسلاميين في مجال الممارسة السياسية هو امتحان الدولة بكل تناقضاتها وبكل إكراهاتها، فالدولة -كما يُجمِع فقهاء السياسة-قد تحولت في ظل ثقافة الحداثة وفي ظل المجتمَع الصناعي، إلى غول ووَحْش، بل هناك من يذهب إلى القول بأن الإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم لا يتوفرون على الحصانة الكافية، التي تسمح لهم بمواجهة هذا الوحش الآخذ في تحويلهم -إن لم يكُن حوَّلَهم فعلاً-إلى وحوش صغيرة. وأغلب التجارب الموجودة أمامنا اليوم تؤكِّد أن الممارسة السياسة التي ترتبط بالسُّلطة تُحوِّل الأفراد والنُّخَب المرتبطة بهم إلى طالبي سلطة وإلى متعلقين بالكراسيّ والمناصب، أكثر من تعلُّقهم بالمشروعية وبالمصالح الكبرى للأوطان.

الديمقراطية هي السبيل الوحيد المشروع الذي يُتِيح ممارسة السياسة في ظل الواقع العالمي وفي ظل التحوُّلات التي يعرفها المشهد السياسي العالمي.

الإسلاميون وامتحان الديمقراطية

أما الامتحان الثاني الذي يواجه الإسلاميين وسيواجههم في المستقبل، فهو امتحان الديموقراطية نفسها. فالديموقراطية اليوم مطلب حيوي من مطالب حركات الإسلام السياسي في العالم الإسلامي، لأنها السبيل الوحيد المشروع الذي يُتِيح ممارسة السياسة في ظل الواقع العالمي وفي ظل التحوُّلات التي يعرفها المشهد السياسي العالمي. ولكن الديموقراطية تقوم على التعدُّد، وعلى الأغلبية النسبية، وعلى ممارسة الحكم إلى جانب تيَّارات أخرى قد لا تلتقي معها في الخلفيات الفكرية والاقتناعات السياسية، وتقوم على قَبُول النقد من أي جهة كانت. كل هذا يدعو دعاة الإسلام السياسي إلى بناء خطاب وممارسة لا تحيد عن المشروعية وعن القِيَم والأخلاق في المقام الأول، وتُحَصِّن الذَّات الممارِسة للفعل السياسي في ظِلِّ السُّلطة المتزايدة للدولة. كما يَفرِض على الإسلام السياسي الحرص على عدم إسقاط الإسلام باعتباره منظومة متكاملة من القِيَم والمبادئ الأخلاقية إلى أيديولوجيا لتوجيه الحشود وتجييشها وممارسة الضغط. واليوم يؤكِّد الواقع أن أكبر خطر يواجه الإسلام السياسي هو الوقوع فيما يُطلَق عليه “ديكتاتورية الأغلبية”.

إن أكبر خطر يواجه الممارسين للفكرة الإسلامية من منطلق الإسلام السياسي هو الوقوع في السلوك المتعارض مع قِيَم الإسلام ومبادئه، وتحويل الإسلام من دين سماويٍّ يرمي إلى السُّمُوِّ بالإنسان، إلى مجرَّد خِطَاب يفرِّق ولا يوحِّد.

إن أكبر خطر يواجه الممارسين للفكرة الإسلامية من منطلق الإسلام السياسي هو الوقوع في السلوك المتعارض مع قِيَم الإسلام ومبادئه، وتحويل الإسلام من دين سماويٍّ يرمي إلى السُّمُوِّ بالإنسان، إلى مجرَّد خِطَاب يفرِّق ولا يوحِّد، خطاب يشتِّت المجتمع إلى شِيَع وأحزاب متناحرة، خطاب ينشر الكراهية بين أبناء المجتمَع الواحد.

أكد الأستاذ فتح الله كولن في عديد من المناسبات وفي بعض كتاباته أن نسبة السياسة من مجموع قِيَم الإسلام ومبادئه لا تتعدى خمسة في المئة، وأما الخمسة والتسعون في المئة الأخرى فتتجه إلى بناء الإنسان في علاقته بخالقه وبالوجود بكل مكوِّناته، لأن الأساس الذي وُجد من أجله الدين هو وقايةُ الإنسانِ الوقوعَ في المَفْسَدة. ونفهم من هذا الموقف أن اختزال الإسلام كله في حيِّز الخمسة في المئة، هو عَيْنُ الفَسَادِ. وينبغي ألا يُفهَم هذا الكلامُ على أن الإسلام لا يُعنَى بالسياسة، بل إن الإسلام يقدِّم مفهومًا أسمى للسياسة، هو تدبير شؤون الناس في إطار الغاية السامية للدين في كل مجالات الحياة، مع الحفاظ على حقّ الأفراد والجماعات في ممارسة شؤونهم المختلفة وَفْق الضوابط التي تحدِّدها القِيَم والأخلاق والقوانين.

لقد قدم الأستاذ فتح الله كولن في حواراته كثيرًا من الأفكار والرؤى والتصوُّرات المتقدمة، التي تدلُّ على أنه يتعامل مع مجريات الأحداث بمنطق الحكمة

إن العقل الإسلامي والذات الإسلامية اليوم في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تحديد العلاقة بمرتَكَزات الهُوِيَّة الذاتية خصوصًا في المجال السياسي، حتى لا يتحول الواقع إلى ساحة للصراع والمبارزة وللجدل، لذلك يتوجب على حكماء الناس توحيد الجهد من أجل تقديم ما يفرضه الواجب الإنساني.

لقد قدم الأستاذ فتح الله كولن في حواراته الأخيرة كثيرًا من الأفكار والرؤى والتصوُّرات المتقدمة، التي تدلُّ على أنه يتعامل مع مجريات الأحداث بمنطق الحكمة المشار إليها، لذلك فإن صاحب هذه المقالة يرجو أن تُعتبر الأفكار الواردة في هذه الحوارات أرضيَّةً للنِّقاش والبحث عن الإجابات.

About The Author

أستاذ بجامعة شعيب الدكالي بالمغرب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية. حصل على دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها سنة 1993م. حصل على دكتوراه الدولة في الآداب سنة 2002م. عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية منذ سنة 1994م. عضو مؤسس لمنتدى الحوار الأدبي. مؤلف كتاب «أشواق النهضة والانبعاث قراءة في مشروع الأستاذ فتح الله كولن الإصلاحي».

Related Posts