إن من يزعمون أنفسهم “متدينين” هم صاحب النصيب الأعظم في هذا الضرر، فقد عمدوا إلى استغلال مشاعر الناس الدينية، ولم يقدموا شيئا يخدم الدين، ويبدو أن المناصب الفخمة التي شغلوها والأماكن الراقية التي سكنوها بعدما كانوا يسكنون في أطراف المدن قد أثرت فيهم تأثيرا سلبيا، فقد تعرَّضوا لتسمم المنصب والقوة.. ولم تمض فترة قليلة حتى أحاط بهم مجموعة من النفعيين، وبما أنهم لم يضعوا مسافة بينهم وبين الدنيا سرعان ما وقعوا تحت تأثير هؤلاء المحيطين بهم..

ولكن ما يحز في النفس أنهم لم يجدوا حرجا في أن يُغلِّفوا كل ما اقترفوه بلباس الدين، بل حصلوا على فتاوي من أناس تخيلوا أنفسهم في مقام شيخ الإسلام تبيح لهم تلك الأفعال، فارتكبوا المعاصي باسم الدين، ونفّروا الناس بسلوكهم هذا من الدين، حتى وصل الحد ببعض الناس إلى أن يقولوا: “إذا كان ما يعمله هؤلاء دينا فنحن منه بُرَءاء”، ففقدوا بذلك ما تبقى لديهم من احترام وما توارثوه عن أجدادهم من قيم. هؤلاء تخطوا كل الحدود في إيثار المقربين منهم وإقصاء من ليس منهم، وإذا أمعنتَ النظر فيما يقولون ويكتبون ف فستلاحظ التبرير المستمر لكل فساد أو رشوة أو مخالفات شرعية تصدر من هؤلاء المقربين، وكأن المقرب منهم معصوم.

إن سلوك الإنسان ومعاملاته هي التي تعبر عن مدى التزامه بالدين، فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الصور، بل إلى القلوب وما فيها من إيمان. لقد انخفض سنُّ تعاطي المخدرات حتى وصل إلى مستوى تلاميذ المرحلة الابتدائية، والانحلال الأخلاقي يعيش عصره الذهبي، ولكن لا حياة لمن تنادي..

لقد بلغت فضائح قضايا الفساد في 17/25 من ديسمبر/ كانون الثاني عنان السماء، وقد قاموا بإحراق كل مكاسب البلاد للتغطية على هذه الفضائح. إن الإنجازات التي حققوها إلى ذلك اليوم كانت رائعة، لقد كان بإمكانهم أن يقولوا حين انكشفت تلك الفضائح:” على كل مَنْ تورط في قضايا الفساد هذه أن يمثل أمام العدالة ليبرئ نفسه ثم ليأتنا”، ولو فعلوا لضربوا أروع الأمثلة في النزاهة والعدالة ولَعدوا من أبطال التاريخ، لكن يبدو أن المستنقع كان من العمق بحيث لم يتجاسروا على ذلك، وغيروا وجهتهم من أجل إنقاذ أنفسهم وعائلاتهم، ولكنهم للأسف يجرون البلاد الآن إلى مغامرة مجهولة العواقب..لقد زادت حدة سياسة الاستقطاب منذ ذلك الحين، وقد كان الرئيس يستخدم لغة التصعيد للتغطية على كل هذه الفضائح، ومنذ ذلك الحين لا يزال يستخدم تلك اللغة. ليس هو فحسب بل صارت هذه اللغة لغة الحكومة والموالين له، وبدلا من التعقل ومعالجة الأمور بحكمة أدخل البلاد في حالة جهنمية، وصار يتعامل مع نصف الشعب وكأنهم لاشيء، على الرغم من اعتلائه كرسي الرئاسة الذي يفرض عليه أن يكون رئيسا للجميع، وفي ظل وضع كهذا لا يمكن الحديث عن الاستقرار في البلاد.

وإذا راقبتم تصريحاته في السنوات الثلاث الأخيرة فسوف تطلعون على مدى التقلبات التي تكتنفها، فما كان يصفه بالأمس بأنه أبيض يصفه اليوم بأنه أسود وهكذا.. وسياسته في الملف الكردي والتعامل مع عناصر حزب العمال الكردستاني لا تختلف عن هذا، فبذريعة عملية السلام التي كان يجريها معهم كبَّل أيدي الشرطة والجيش، ولم يأذن لهم في التعامل مع الإرهابيين المستقرين في الجبال، وقد استغل هؤلاء الإرهابيون هذه الفرصة وحولوا المناطق والمدن التي كانوا يتحركون فيها بكل أمن إلى مستودعات للسلاح، لقد كانوا يُخوّنون كل من ينبههم إلى هذا الخطر ويُسكتون كل صوت يحذر أو يتحدث في هذا الأمر، واليوم بدؤوا هم أنفسهم يتحدثون عن هذه الأمور، يخوِّنون أفراد الشرطة والجيش ويلقون باللائمة عليهم، ويتهمونهم بالتقصير والإهمال. وفي هذا السياق فإن أكبر المتضررين هم أبناء الشعب من الأكراد الذين قُتل منهم كثير من الأبرياء، ودُمرت بيوتهم، وأزهقت كثير من أرواح المدنيين، بل وحتى أخليت قرى وبلدات كاملة من ساكنيها فرارا من الحروب والدمار.