ليست حركة فتح الله كولن حركة صوفية. صحيح أنه تناول في مسامراته وفي العديد من مقالاته ومواعظه وخطبه المفاهيم العائدة للتصوف وشرح معاني مصطلحاته والحياة الصوفية. وبالمعنى الفردي فهو يعد بحق “زاهدًا معاصرًا”. إلا أن تصوفه محدد ومحصور في النطاق الفردي. وهناك نوع من التصوف لا يتبنى زهدًا بعيداً عن الدنيا وعن المجتمع وتاركًا لهما. فهو يرى أن زهدًا رهبانيًا ليس فضيلة يشجعها الإسلام، لأن الإسلام في جوهره دين اجتماعي والرهبانية تتناقض مع الحياة الاجتماعية. ولكن فتح الله كولن في المقابل لا يرى من الصحيح الانغماس في الدنيا والتمتع بجميع الأهواء النفسية والمادية. فكما أن الزهد لا يعني ترك الدنيا تمامًا، وهو طبعًا لا يعني الانغماس في الدنيا.

يرى كولن أن زهدًا رهبانيًا ليس فضيلة يشجعها الإسلام، لأن الإسلام في جوهره دين اجتماعي والرهبانية تتناقض مع الحياة الاجتماعية.

لقد فسَّر فتح الله كولن موضوع ترك الدنيا بأنه يجب أن يكون تركًا قلبيًا وليس كسبيًا. وهذا التفسير للزهد يقربه من مفهوم الزهد عند الصحابة. فقد بدأ منذ إلقائه مواعظه وخطبه ومسامراته في مجلسه في الكثير من الأحيان بالتطرق إلى زهد الصحابة وورعهم، وعمقهم في العبادة والطاعة وجهودهم الكبيرة في الدعوة والتبليغ وتضحياتهم. كما تطرق بشكل مستقل وربما لمئات المرات إلى المصطلحات الصوفية من أمثال: الزهد، التقوى، الورع، القلب، النفس، الخوف، المعرفة، المحبة..الخ.

كولن والتصوف الفردي

 لقد ظهر الميل الصوفي عند كولن كزهد فردي، ولم يكن التصوف طريقة أو ظاهرة اجتماعية في حركته. بل أكد على الطابع الاجتماعي لجماعته. أما أهداف جماعته فقد حددها بـ”إعلاء كلمة الله، الخدمة، التضحية في سبيل الآخرين، نذر الأنفس للحق تعالى وللخلق. وهي أهداف دينية واجتماعية. وقام بتفسير مختلف لبعض المبادئ التصوفية التي تبعد سالكيها عن الحياة الاجتماعية مثل: “العزلة والخلوة” فقد فسر هذه المبادئ تفسيراً فردياً.

والخلاصة أن فتح الله كولن يؤكد على الصوفية من الناحية الفردية، أما من الناحية الاجتماعية فيؤكد على الفعاليات والنشاطات الجماعية وعلى الشخصية المعنوية للحركة، وعلى نذر النفس للحق تعالى (356-355) وللخلق (الناس). وهذا يتلائم مع السلوك النبوي وسلوك الصحابة في النواحي الدينية وفي مجال التبليغ والإرشاد. فقد عاشوا في ظروف صعبة وفي فقر، ملؤهم القناعة وفي مراقبة ومحاسبة للنفس شديدة. وطبعًا لم تكن حالتهم التصوفية والقلبية ومشاعرهم الروحية دون المتصوفة الذين جاءوا من بعدهم، بل أعمق دون شك. ومع ذلك فلم يتبنوا حالة الخلوة والعزلة عن المجتمع وعن الناس. بل اختاروا سبيل الجهاد في سبيل الله وسبيل الدعوة والتبليغ والإرشاد وفضلوه على كل شيء عداه. وهذا هو المصدر الذي تستند إليه الفعاليات الاجتماعية لجماعة فتح الله كولن.

ونود الإشارة هنا إلى أمر آخر، هو أن لكلمة “الصوفية” مفهومًا أوسع. فهي تعني الحياة الروحية –مهما كان شكلها– للإنسان الذي يسلك طريقه للتقرب من الله تعالى. ولا يهم أن يكون هذا السلوك متلائمًا أو غير متلائم مع أي طريقة من الطرق الصوفية الموجودة. و”الطريقة” بهذا المعنى أمر فردي بكل معنى الكلمة. لأن لكل إنسان يحاول الوصول إلى الله، ويسلك السبيل إليه عالمه وحياته الروحية الخاصة به. وكان الصوفيون القدماء يقولون: “هناك (طرق) بعدد المتوجهين إلى الله وسالكي الطريق إليه”.

تطور مصطلح التصوف

ومع أن للتصوف مثل هذا التعريف الواسع، إلا أنه تعريف ينطبق بشكل أكبر على التصوف في القرن الثاني وما قبله. ولكن التصوف تحول إلى بُنية وإلى مؤسسة منظمة، فأصبحت له مصطلحات وتعاليم ومراسيم وآداب متكاملة خاصة به. ولم يعد مجرد تجربة روحية فردية في التوجه إلى الله بقلب سليم وضمن زهد وتقوى فردي. لذا ومن هذه الزاوية فإن سلوك فتح الله كولن يندرج في التصوف الفردي وليس في “الطريقة” الجماعية.

يؤكد فتح الله كولن على الصوفية من الناحية الفردية، أما من الناحية الاجتماعية فيؤكد على الفعاليات والنشاطات الجماعية وعلى الشخصية المعنوية للحركة؛ لذا فتقويم حركته بأنها “طريقة صوفية” مخطئ.

علماً بأن أشكال الطرق الصوفية في أيامنا الحالية تختلف عن الطرق الصوفية في العصر الثالث والرابع للهجرة المستندة إلى ترك الدنيا والاعتزال عنها، لأن الطرق الصوفية المعاصرة علاوة على استمرارها في اتباع نهج التجارب الروحية الفردية، إلا أنها بدأت تقدم أيضاً خدمات اجتماعية إلى المجتمع. لذا يجب ألا نهمل هذا التحول المعنوي والاجتماعي في هذا الصدد.

هل حركة الخدمة صوفية؟

يُعد فتح الله كولن متصوفاً معاصراً وعلى النمط الفردي. ولكن لا يمكن وصف جماعته وحركته بأنها صوفية. لأنها لا تتشابه معها لا في ظاهرتها الاجتماعية ولا في آدابها وأصولها ولا في بنيتها التنظيمية. لأن فتح الله كولن –كما قلنا من قبل– يتناول الصوفية –أو بالأحرى يتناول الحياة الروحية في الإسلام– من المنظور الفردي ويؤكد على أهميتها في توجيه الحياة الاجتماعية للمسلمين. ولكنه لا يتخذ “الطريق” كحركة اجتماعية أساساً. لذا فإن تقويم حركته بأنها “طريقة صوفية” تقويم مخطئ من ناحية الحقائق التاريخية ومن ناحية الآليات الأساسية للحركة.

المصدر: فتح الله كولن جذوره الفكرية واستشرافاته الحضارية، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ2، 2011م، ص323 ــ 328.

ملاحظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تَصَرُّف محرر الموقع.