“الأفراد المتفوقين” أو “الملوك الفلاسفة” أو “ورثة الأرض”، هي التسميات التي استخدمها كل من كونفوشيوس وأفلاطون وكولن على الترتيب لوصف تصوراتهم عن الإنسان المثالي الذي ينبغي أن يقود المجتمع أو يؤثر فيه إذا أريد له أن يكون مجتمعًا صالحًا وعادلاً. ولكن أين نجد تلك الشخصيات القيادية البارزة التي سترشد وجودنا الاجتماعي والجمعي نحو الخير والحق والعدل؟ ما هي السبل أو الآليات التي وضعتهم في موقف مكنهم من تهذيب أنفسهم إلى هذه الدرجة؟.

 تأتي الإجابة واحدة من الفلاسفة الثلاثة المشاركين في المحاورة: عن طريق التعليم. فالتعليم هو القاعدة العامة التي يرتكز عليها أيّ جهد لتحقيق الإنسانية الكاملة أو المثالية. ويقدِّم كلٌّ من كونفوشيوس وأفلاطون وكولن نظريات محددة في التعليم كجزء من الرؤية الحياتية لكلٍّ منهم، إلى درجة أنهم يقولون: إن التعليم القوي والموجه هو حجر الزاوية في تنمية الإنسان المثالي الأرقى، ومن ثم يجب صياغة الأطر الاجتماعية في الأساس حول آليات ذلك التعليم حتى يتمكن المجتمع من تكوينِ أعلى وأفضل زعمائه من داخله هو.

فلسفة التعليم عند كونفوشيوس

يطرح كونفوشيوس رؤيته التعليمية في سياق إبرازه للفارق بين عامة الناس من ناحية و”الإنسان المتفوق” أو “النبيل” من ناحية أخرى، فيبين أن التناغم في الحياة الاجتماعية والسياسية الإنسانية يحصل عندما يتولى الأفراد المتفوقون الحكم. ومنذ ذلك الطرح عاشت الكونفوشية في الصين عبر القرون كنظرية فلسفية للتنمية الاجتماعية والسياسية تُعلم الناس وتؤهلهم لتَولي مختلف مستويات العمل الحكومي وصولاً إلى كبار مستشاري الإمبراطور. إلا أن كونفوشيوس كان مهتمًا بالناس ككل وبالمجتمع ككل، وليس بالحكام المنتظَرين فحسب.

التعليم حق لكل الناس

إن اهتمام كونفوشيوس بالتعليم هو في الحقيقة اهتمام بالإنسان، بالبشر في ذاتهم وفي مجتمعهم، بالروح الإنسانية (Humaneness) التي هي أهم فضيلة أخلاقية تحدد معنى أن يكون الإنسان إنسانًا وترسخ مجتمعًا مستقرًا وصالحًا.

ومن هنا فحياة الـ”لي” (li) -أو مواءمة الطقوس والشعائر- بهذا المعنى تتضمن مجموعة واسعة من مبادئ المساواة التي اهتم بها كونفوشيوس كثيرًا، مبادئ مثل العدالة الاجتماعية والحكم وفقًا لما هو خير للمجتمع (وليس للحاكم فقط)، والدور الذي يلعبه المفكرون في توجيه المجتمع ومحاسبة حكامه.

النظام التعليمي الصارم

يشير المتابعون من داخل التراث الصيني وخارجه عادةً إلى أفراد كونفوشيوس المتفوقين باعتبارهم “علماء” (Scholars)، وذلك بسبب النظام التعليمي والتربوي الصارم الذي كان يتعين عليهم إتقانه للوصول إلى أي رتبة في وظائف الخدمة المدنية. هذا إلى جانب أن كونفوشيوس كان يَعتبر التعليم شيئًا محوريًا بالنسبة للفضيلة، حيث يقول في كتابه “المقتطفات الأدبية” :قضيت أيامًا دون طعام وليالي دون نوم على أمل الوصول إلى نقاء الفكر وصفاء العقل، لكن ذلك لم ينفع كثيرًا، فهذا كله لا يساوي شيئًا بجانب الدراسة المخلصة” .فالدراسة والتعلم المخلصان ينميان فضيلتَيْ طهارة القلب والعقل، أما ممارسات التنسك التقليدية مثل الصوم أو الحرمان من النوم فهي غير مجدية.

الكلاسيكيات الكونفوشية

وهي نصوص مختلفة لقوانين وضعها كونفوشيوس، تقدم دروسًا شاملة عن تهذيب الشخصية بالفضائل الكلاسيكية من روح إنسانية ولياقة وتعقل واستقامة وأخلاق قويمة وتدبير في الإنفاق وبر بالوالدين وحب للخير وانضباط وإخلاص، كما كانت هذه النصوص تُكسب البراعة في الموسيقى والشعر وغيرها من المعارف.

لكن هذا النهج التربوي المبني على الكلاسيكيات قد أفرز إجادة لما هو أكثر من مجرد علوم الحكم، فقد كان علماء كونفوشيوس مدرَّبين على مجموعة متنوعة من العلوم كالشعر والموسيقى والتاريخ والطقوس، كما كان هؤلاء العلماء موسيقيين بارعين يعزفون على مختلف الآلات الموسيقية، وكانوا بارعين أيضًا في نظم الشعر وإلقائه، وكانوا خطاطين ماهرين جدًا، وهذه مجرد عينة من مجالات خبرتهم واطلاعهم.

تنمية النزعة الإنسانية

كان كونفوشيوس يرى أن إتقان الطقوس والموسيقى والخط يحقق شيئًا إضافيًا أبعد من مستوى اللياقة في الملبس أو العزف على الآلات، ألا وهو تنمية نزعة إنسانية في الشخصية وهذا هو الأهم؛ فالموسيقى تنير جانبًا من الروح الإنسانية لا يستطيع أيُّ شيء آخر إنارته، وامتلاكُ حس مرهف في تذوق الموسيقى وعزفها يتطلب مستوى رفيعًا وراقيًا من التهذيب لذلك الجانب الأعمق في الطبيعة البشرية. والشيء نفسه ينطبق على الشعر أو فن الخط، فكلاهما يتطلب قدرات عالية ورفيعة من الإدراك والتعبير، سواء على مستوى آليات تحريك اليد أو استخدام الصوت أو حتى على مستوى الروح.

فلسفة أفلاطون التعليمية

في مختلف صفحات كتاب “الجمهورية”، يتحاور أفلاطون وسقراط عن التدقيق والاختبار الذي يجب أن يتم للناس حتى يستطيع الـمُشْرفون تحديد “معدنهم”(قدراتهم) أو -بعد تحديده- تنميةَ ذلك “المعدن” وصقلَه إلى أقصى درجة. ويتلخص هذا في أن يتلقى كل شخص تعليمًا أساسيًا، ثم ينتقل في النهاية إلى الدراسات المتخصصة بعد أن تكون شخصيته وقدراته الطبيعية قد اتضحت وتبلورت. وفي كل مستوى يتلقى الناس التعليمَ المخصَّص لإظهار الإنسانية المثلى وتنميته فيهم والتعبير الأكمل عن معدنهم. وأفضلُ تعليم هو أيضًا ذلك الذي يحقق التوازن بين الروح والجسد. فالبشر لهم جوانب متعددة ويجب تربيتهم حتى يبلغوا أقصى إمكاناتهم كبشر وككائنات ذات مواهب أو “معادن” معينة تتفرد بها.

التعليم التكاملي

وكما هو الحال مع علماء كونفوشيوس، يتلقى وصاة أفلاطون تعليمًا مكثفًا في كثير من المجالات، منها الموسيقى والشعر والرياضة البدنية والرياضيات وغيرها، وكل ذلك بهدف تربية أفراد موطَّنين في ذواتهم الداخلية على قيم العدل والخير والتناغم. فأفراد كهؤلاء -فقط- يمكن ائتمانهم على الوصاية على الدولة بأكملها، وبوجودهم على قمتها يمكن لسفينة الدولة أن تبحر بأمان وسط مياه العالم العنيفة والقاسية.

ومن هنا فالتعليم هو الآلية التي تتم بها تنمية أعلى وأفضلِ الملكات الإنسانية، وأفضلُ أشكال التعليم هي التي تجعل هدفها الرئيسي -مهما كانت المادة العلمية المباشرة التي تقدمها- هو تهذيب الروح الإنسانية وتوطينها على العدل والجمال والخير، وبدون وجود هؤلاء الأفراد على كافة مستويات المجتمع فهو هالك لا محالة.

كولن وفلسفته التربوية

ويأتي كولن -في إطار إسلامي تَفصله قرون عديدة عن كونفوشيوس وسقراط- ليقدم نظرية مشابِهة كثيرًا في التعليم والروح والتنمية الإنسانية، حيث ينظر إلى النفس الإنسانية -مثل زميليه القديمين- باعتبارها كيانا يشتمل على مكونات جسدية وعقلية وروحية. وكلُّ مكون من هذه المكونات يجب تنميته بشكل سليم لبلوغ أقصى الإمكانات البشرية. وهذه التنمية تحدث من خلال التعليم.

تنمية العقل والجسم والروح

يقول كولن: “إن الإنسان ليس مخلوقا يتكون من جسم فقط أو عقل فقط أو مشاعر فقط أو روح فقط، بل هو عبارة عن مزيج منسجم من كل هذه العناصر. فكلٌّ منا له جسم ينطوي على مجموعة متشابكة من الحاجات، وكذا عقلٌ له حاجات أكثر دقة وحيوية من الجسم… وعندما يُنظر إلى الإنسان، رجلاً كان أو امرأة باعتباره مخلوقًا يحمل كل هذه الجوانب، وعندما يتم تلبية كل حاجاته، فإنه سيصل إلى السعادة الحقيقية. وفي اللحظة الراهنة، لا يمكن تحقيق التقدم والتطور الإنساني الحقيقي فيما يتعلق بكيانه الأساسي إلا بالتعليم”.

وهنا، نرى تشابهًا مع تعريف أفلاطون للنفس الإنسانية بتقسيمها إلى ثلاثة جوانب متمايزة: العقل أو الروح، والدوافع، والجسد. وكل هذه الأجزاء يجب أن يتم تنميتها بشكل سليم ويجب أن تعمل في نظامها الصحيح داخل الإنسان لبلوغ كمال الإنسانية. ويُبدي كولن رأيًا مماثلاً في هذه الفقرة، وهو أن كل رجل أو امرأة عبارة عن تركيبة معقدة من المكونات التي يجب تنميتها في نفسها، والتي يجب تنظيمها بشكل متآلف ومنسجم داخل النفس لتحقيق التقدم الإنساني.

التعليم … محور الحياة

يرى كولن -مثل سقراط وكونفوشيوس- أن أي فرد أو مجتمع لا يمكنه بلوغ أقصى إمكاناته بدون التعليم، فهو يعتبر التعليم الوسيلة التي يصبح بها الناس كما أرادهم الله حين خلقهم، ومن ثم فإن التعلم هو أهم الواجبات في الحياة. يقول كولن:

“الواجب أو الغرض الرئيسي للحياة الإنسانية هو السعي من أجل المعرفة الإلهية، وما يُبذل من جهد في سبيل ذلك -وهو ما نطلق عليه التعليم- هو عبارة عن عملية سعي نحو الكمال نكتسب من خلالها -في كل الأبعاد الروحية والفكرية والجسدية لذواتنا- المكانةَ التي حُددت لنا كأكمل نموذج للخَلْق. وواجبُنا الرئيسي في الحياة هو اكتساب الكمال والنقاء في تفكيرنا وتصوراتنا وإيماننا. وبأداء واجبنا في العبودية للخالق الرازق الحفيظ، وبمحاولة إدراك سر الخلق من خلال ما لدينا من قدرات وإمكانات، فإننا نسعى لبلوغ مكانة الإنسانية الحقة والفوز بالنعيم والخلود في عالم آخر أكثر سموا”.

التعليم وسيلة الحضارة

يتحدث كولن في مختلف أجزاء مؤلفه عن حاجة كل الناس إلى التعليم العام حتى يمكن لأي حضارة من الحضارات أن تؤدي مهامها، فيقول: “إن الناس لا يكونون “متحضرين” إلا بقدر ما يحصلون عليه من تعليم، وخاصةً القيم التقليدية الخاصة بثقافة معينة، فالتماسك في الحياة على كافة المستويات يأتي عن طريق تعليم كل المواطنين في أي أمة أو دولة رؤيةً واحدة مشتركة ومنظومةً أساسية من القيم”.

 إلا أن هذه الحركة العالمية للتعليم عند كولن تتعدى التركيز على مجموعة محددة من القيم أو المعايير الثقافية، فالمدارس الألفان تقريبًا التي استلهمت فكر كولن، والتي تنتشر في جميع أنحاء العالم تدرس للأطفال والشباب جميع المجالات والتخصصات الدراسية، من العلوم والرياضيات والتاريخ واللغة والأدب والدراسات الاجتماعية أو الثقافية والفنون والموسيقى وغيرها.

المدارس تملأ الآفاق

قام الكثيرون ممن ألهمتهم تعاليم كولن بإنشاء مدارس في تركيا بعد سماح الحكومة بإنشاء المدارس الخاصة بشرط أن تظل ملتزمة بالمناهج التي تفرضها الدولة وتخضع لإشرافها. وتتبنى المدارس التي تتأثر بأفكار كولن في البلدان الأخرى نفس الاتجاه التربوي الأساسي الذي تتبناه المدارس في تركيا، ولكن بدرجة أكبر من التفاعل مع الثقافة والقيم الوطنية لتلك البلدان. كما حفَّز مثالُه الرائد كتربوي -وكذلك أفكاره عن التعليم والمجتمع العالمي والتقدم الإنساني وغير ذلك- جيلاً كاملاً لإنشاء المدارس في وسط آسيا وأوروبا وإفريقيا وغيرها من المناطق لمحاربة المشاكل الناجمة عن الجهل والفقر والشقاق.

مصادر التمويل

وتتلخص البنية والشخصية الأساسية لتلك المدارس في أن تمويلها يأتي من المؤسسات الخيرية والجماعات الأهلية ومصاريف الدراسة، وتساهم الإدارات المحلية بتوفير البنية التحتية، ويعمل المدرسون فيها بدافع خدمة الغير وبأجور متوسطة غالبًا.

لقد زرت الكثير من هذه المدارس في مختلف أنحاء تركيا والتقيت بداعميها من رجال الأعمال المحليين وقيادات المجتمع المحلي الذين تلاقت جهودهم لإنشاء تلك المدارس في مجتمعاتهم المحلية. وفي حالات كثيرة تكون أبنية تلك المدارس هي الأحدث في المنطقة، وتمتلئ الجدران بصور الطلاب الذين تسلموا أوسمة في مختلف المسابقات الدراسية محليًا ودوليًا وزيارات لعدد كبير من الوزراء ونواب البرلمان في تركيا، وتحتوي على حجرات دراسة ومعامل وتجهيزات على أعلى مستوى حتى بعد أن يستخدمها مئات الطلاب الشغوفين، وطلابها أذكياء ومنفتحون ومتحمسون لاستعمال لغتهم الإنجليزية مع الزوار الأمريكيين. أما مسؤولو هذه المدارس والإداريون والمعلمون فلديهم التفاني والتركيز ويفتخرون بمدارسهم وطلابهم، والكثيرون منهم يقيمون مع الطلاب في مقار المدارس التي توفر الإقامة.

 وقد جلست على مائدة الطعام مع الكثير من الأسر التركية التي ترسل أطفالها إلى تلك المدارس، وسألتهم نفس السؤال الذي أطرحه في كل مدينة وكل منطقة: لماذا ترسل أطفالك إلى هذه المدرسة؟ وكانت الإجابة واحدة في كل مرة، وهي تفاني المعلمين، وجودة المناهج، والرؤية العامة التي تنشرها المدرسة -عن طريق المعلمين- فيما يتعلق بالإنسانية العالمية والتعليم والتسامح والحوار.

رفاق درب التعليم

ولا تشمل رؤية كولن التربويةُ المدارسَ وحدها، بل تشمل أيضًا الأسر والمجتمعات والإعلام، فكل المكونات الرئيسية للمجتمع يجب حشدها من أجل تعليم الشباب وإكسابهم جميع المعارف والمعلومات المفيدة، وهو شيء في غاية الأهمية؛ لأن مستقبل أي أمة أو حضارة يتوقف على شبابها.

وبتحديد أكبر، ينبغي على الإعلام المساهمة في تعليم النشء عن طريق اتباع السياسة التربوية التي يرضاها المجتمع. والمدرسة يجب أن تكون على أفضل ما يمكن من حيث المناهج، والمعايير العلمية والأخلاقية للمعلمين، والحالة المادية للمكان. أما الأسرة فيجب أن توفر الدفء والجو المناسب لتنشئة الأطفال.

وختامًا

يمكننا القول إن كل واحد من أطراف المحاورة الثلاثية التي أجريناها يطرح رؤية قوية لما هو ممكن على المستوى الاجتماعي الإنساني وكذلك السياسي، وتعود قوة هذه الرؤية في جزء كبير منها إلى الطبيعة الروحية أو اللامادية التي يقر بها كلٌّ منهم -بطريقته الخاصة وفي إطار القواعد الثقافية واللغوية التي تحكمه- كجزء محوري من الكينونة الإنسانية. هذه الطبيعة “الروحية” هي -من وجهة نظر كلٍّ منهم- ما يميز البشر عن بقية الكائنات، حيث يُؤْمن ثلاثتهم كثيرًا بقدراتنا المتأصلة على تنمية ملكاتنا الفطرية لتحقيق الكمال الإنساني، وإن كانوا جميعًا يعترفون أن الكثير من الناس لن يستعملوا هذه القدرات. وإيمانُ كونفوشيوس وسقراط وكولن بتلك القدرات -سواء استعملت أم لا- هو ما يجعلهم فلاسفة إنسانيين (humanists) بالمعنى الواسع للكلمة، فهم يؤمنون بقدرة الإنسان على أن يكون إنسانًا في أكمل صوره وأمثلها.

 

المصدر: من كتاب “محاورات حضارية”