انطلقنا في جولتنا “الخدمية” بإسطنبول صيف ٢٠١٢ من الروض في مدارس جوشكون إلى مدارس الفاتح. مدارس الفاتح عبارة عن سلسلة ممتدة عبر أرجاء تركيا، تضم خيرة المبدعين والمتميزين من الطلبة والأساتذة، تتميز بأرقى مناهج التدريس، ويعيَّن في هيئة تدريسها كفاءات عالية، وتزود أقسامها ومختبراتها العلمية، بأحدث وسائل التجهيزات المختبرية والعلمية. تركيز غير عادي على تجهيز المؤسسة.. قاعات رياضة، مسرح، قاعات مؤتمرات ضخمة، لا تجدها حتى في إعداديات وثانويات البلدان الأوروبية.

في جولة لمختبرات البحث العلمي، زُيِّنت قاعاتُ المختبرات العلمية، ببراويز، وميداليات ذهبية حصد بها الطلابُ مسابقات إقليمية ودولية في براعة الاختراع.

الثلاثية الذهبية

في لقاء مع المختصين التربويين، والمساعدين الاجتماعيين، تساءلنا عن نوعية المناهج في مثل هذه المؤسسات. فكان الإيضاح أن المرتكز هو تنمية المهارات في التفوق وفق تخصصات العلوم، والآداب، والاقتصاد… مع تعزيز قيمة ثلاثية العلاقة الترابطية “الأستاذ والطالب والأسرة”.

سألت “وما سر هذه الثلاثية؟”، أجابني المدير: “لا تنمية علمية وازنة لبراعم مستقبل الغد، دون موازنة حركية سير هذا الثلاثي المتجانس المترابط”.

رغبت بالاستراحة قليلا، انزويت إلى جانب شرفة مطلة على ساحة الثانوية. الأستاذ المسؤول مازال يشرح تفاصيل ربط المناهج التربوية بالقيم، يحيلنا عبر مكتبة الوسائط، إلى تقارير المتابعة اليومية التي يبعث بها الأستاذ يوميا إلى الأسرة للتشارك في بناء مستقبل الطاقات.

مدارس الفاتح عبارة عن سلسلة ممتدة عبر أرجاء تركيا، تضم خيرة المبدعين والمتميزين من الطلبة والأساتذة، وتتميز بأرقى مناهج التدريس.

النافذة الممتدة أمامي، تحيلني إلى ركن من زاوية ساحة الثانوية. شد انتباهي طالب يمزح بقوة مع زميله، بذلته الزرقاء الأنيقة، تسدل من على منكبيه النحيلين، كما يسدل الستار على الخشبة. شوكولاتة في يده، يقسم قطعة منها لزميله، يستمتع بنشوة طعمها، يلف غلاف الشوكولاتة، يرمي به أرضا، لم يكن أي مسؤول يراقبه.

استمر في المزاح مع زميله، إلى حين موعد رنّ جرس الاستراحة، بدأ يتوجه مع الطلاب نحو المخرج، كاد يخرج، لكنه عاد راكضا، وكأنه نسي شيئا هاما. شدة الازدحام تقف حاجزا في وجهه، يحاول بكل قواه الانحناء للبحث.. البحث عن ماذا؟ أكيد ضاع منه شيء مهم.

الطلبة يركضون بسرعة فوق يديه، وهو مصر على مدّهما في بلاط الساحة باحثا عما ضاع منه، وأخيرا رفع رأسه في نشوة عارمة، حسبتُه يمسك في يده محفظة نقوده الصغيرة، أو تلفونه المحمول، لم أر شيئا من هذا.

ترى ماذا بيده؟ ما الذي يحمله؟ افترقت الجموع قليلا من حوله، فتراءى لي وهو يلملم ورقة غلاف الشكولاته التي رماها، ونسي في حين غفلة من أمره جمعها من على الأرض.

كنت أراقب أحوال هذا الطالب، من نافذة مكتب المدير، بالطابق الخامس، وأنا أبتسم وأتساءل مع نفسي عن سر معاني التربية في هذه المؤسسة، كيف استطاعت غرس مفاهيم القيم الأخلاقية، ودمجها في مقررات التعليم؟!

إن التدريس في مدارس الخدمة يعتمد على ثلاثية العلاقة بين “التلميذ والأستاذ والأسرة”.

لم يكن هناك من رقيب يؤنبه، ومع ذلك رجع. هل هو المنهج الدراسي؟ هل هو توجيه الأستاذ؟ هل هي تربية الأسرة؟ هل هي دروس الصحبة التي تجمع الأستاذ بطلابه وأبويه؟

الأستاذ المربي والمتابعة المستمرة

أسئلة كثيرة دارت في ذهني، أجابني عنها الأستاذ المسؤول عن المناهج قائلا: “إن التدريس في مؤسساتنا يعتمد على ثلاثية العلاقة بين “التلميذ والأستاذ والأسرة”. والتلميذ لا يتحمل مسؤولية الفشل الدراسي لوحده، بحيث يتابع قسمُ الزمر الذي يجمع خيرة الأساتذة أسبوعيا، ملفَّ الطلبة وإستراتيجية التعليم في المؤسسة. فالأستاذ عليه متابعة الطالب بالحصص الإضافية، مع تقرير يومي يبعث للأسر عن حالة وضعه النفسية، وقدرة تركيزه وتفاعله داخل القسم”.

باستغراب شديد سألته: “ماذا تعني بتقرير يومي عن حالة الطالب؟ كيف يمكن للأستاذ أن يقوم بذلك، وكل يوم؟!”.

المدير: “الأستاذ في مدارس الفاتح، هو المسؤول عن فشل الطالب.. يحاوره، يسأل عن مشاكله، ينمّي مهارة اهتمامه بهواياته، يتابعه بعد الدرس بحصص إضافية، يرسل تقريرا لوالديه عن حالته، ويرافقه خلال نهاية الأسبوع في فسحة رفقة أسرته. بهذا المنهج نقسم الأدوار، بين التلميذ والأسرة والأستاذ المربي”.

“ما زلت لم أستوعب قدرات الأستاذ في منظومة هذا المنهج؟”.

مدير المناهج: “مدارسنا تضم خيرة أبناء تركيا، نختارهم بمواصفات تناسب مناهجنا.. فالكفاءة معتمدة، كما هي الأخلاق أيضا. والإيمان برسالة النجاح والتميز. لا يسمح بإدماج أستاذ فاشل أو سيء الأخلاق. هل تظنين أن من يدخن مثلا، يصلح قدوة في التربية على القيم؟!”.

كنت أتابع شرح المنهج، وأنا ما زلت أتساءل عن نوعية الأساتذة المنخرطين في هذه المنظومة التعليمية.. هل هم أساتذة عاديون؟ أم هناك شيء خارق للعادة يحفزهم على قدرة الفعل والعطاء؟

الحركية والفكر

رحلت ذاكرتي بعيدا، إلى صفحات كنت قرأتها من كتاب الأستاذ فتح الله كولن “ونحن نقيم صرح الروح”، أستلهم منها معنى الجهد في حركية الفعل الذي يحقق الفكر والبرنامج.. “فكل فكر بداية، ووتيرة للعثور على أطره الحقيقية، وبلوغ مراميه في ثنايا التحركات الملتزمة به. المرحلة الأولى لإرادة تطوير التعليم، تبدأ من ميل داخلي، ومبلغها النهائي هو العزم والقرار والهم بالعمل. والمنهج الفكري في هذه الوتيرة، كخيوط لفائف تلقى من المبتدإ لتتعلق بالمنتهى، والأعمال التطبيقية هي نقوش تزين هذه اللفائف”.

الأستاذ في مدارس الفاتح، هو المسؤول عن الطالب يحاوره، ينمّي مهارة اهتمامه بهواياته، يتابعه بعد الدرس، يرسل تقريرا لوالديه عن حالته.

فوسائل التدريس من غير فكر أو برنامج تؤدي في الأكثر إلى الفشل والفوضى. والتعليم الجامد من غير حركة الفعل، يعيق تشكل الأنموذج التعليمي، والبعد النهائي للفكر. ما لم نهندس تشكيل حركيات أرواحنا من جديد، وشحنها بطاقة العطاء اللامشروط بالأجر، لن نستطيع قطع أشواط في سبيل النهوض بالتعليم. إنها عدة أساسية لتجهيز فرسان نور المعرفة، القادرين على إيصالنا منابع الواحات المعرفية الخضراء.

ما زلت أبحر في مقاطع من هذا الكتاب الذي قَدَّم لي اليوم قراءة جديدة في سر منظومة التعليم الفتحية حتى أوقفني صوت المدير وهو يردد: “مريم أَبْلاَ، تفضّلي لتناول الغذاء مع طاقم إدارة المؤسسة”.

في اتجاه بهو واسع، ممتد الأطراف نحو ممرات المؤسسة، وبتحية مؤدبة من طلاب ينزلون تباعا لموعد الغذاء، يلتفتون في شغف لمعرفة هذا الوجه الجديد، الذي حل ضيفا عليهم، كنت أردّ السلام مع ابتسامة تلامس مشاعر طفولتهم البريئة.

مائدة المدير رتبت بذوق جمالي رفيع، وهي نفسها مائدة الأساتذة، ونفسها مائدة الطلاب.

سيرة عارفين

إنها قيم التربية التي يتبناها منهج “الخدمة” في مدارسه، وهي قيم مقتبسة من سيرة من يحيون بقلوبهم في هذه الدنيا، وكأنهم يعبون من كؤوس اللذة الروحانية في جنة الفردوس، ليثمروا في كل فصل أثمارا جديدة.

كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف، حين ودعنا مدير المؤسسة وهو يحيينا بتحية ود، مع هدية لوحة فنية مرسومة على الماء.. كنت شاهدتها من قبل سنتين في رواق المتحف الإسلامي بالدوحة، حيث رسم لي أشهر فناني روسيا في الرسم على الماء لوحة مائية تحولت في لمح بصر إلى ألوان زاهية..

فسبحان من جعل من الماء كل شيء حي.! وسبحان من يسر لعباده، من قرية أرضروم إلى أَدِرْنَة إلى إِزْمِير إلى ما وراء المحيط أن ينهلوا بنفس عميق، من ينبوع القرآن المتفجر دوما بشلالات الماء السلسبيل ليصلوا الينبوع بجداول الأرض، إحياء للزرع الميت فيها.!


ملاحظة: ببالغ الأسف والحزن تم إغلاق المدرسة التي تحدثت عنها الكاتبة إضافة إلى ألف مدرسة أخرى من مدارس الخدمة بعد الانقلاب المزعوم في ١٥ يوليو ٢٠١٧ بقرار تعسفي من حكومة حزب العدالة والتنمية التركي دون تقديم أي مبرر قانوني، كما تم طرد نحو ٢٥ ألف مدرس كانوا يعملون في هذه المدارس وتشريد الأطفال ألى مدارس مختلفة. (المحرر)

المصدر: نداء الروح، الدكتورة مريم آيت أحمد، دار النيل للطباعة والنشر