نموذج‭ ‬الخدمة‭ ‬ضروي‭ ‬لتحقيق‭ ‬النهوض‭ ‬الحضاري

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬ضيفنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الأستاذ‭ ‬إدريس‭ ‬الكنبوري‭ ‬المفكر‭ ‬والكاتب‭ ‬الإعلامي‭ ‬الصحفي‭ ‬المغربي،‭ ‬أهلاً‭ ‬وسهلاً‭ ‬بك‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬أهلاً‭ ‬وسهلاً‭ ‬ومرحبًا‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬أستاذي‭ ‬لقد‭ ‬قرأتم‭ ‬كتب‭ ‬الأستاذ‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬كولن،‭ ‬وزرتم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬تجليات‭ ‬مشروعه‭ ‬الواقعية،‭ ‬فإذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نصف‭ ‬فكر‭ ‬الأستاذ‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬كولن‭ ‬ومشروعه،‭ ‬أو‭ ‬البراديجما‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نلخصها‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬واقعية‭ ‬رصدتموها‭ ‬واطَّلعتم‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاهدتكم‭ ‬الحيَّة؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬أولاً‭: ‬إن‭ ‬تطبيقات‭ ‬الفكر‭ ‬الحضاري‭ ‬للأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬التي‭ ‬وقفنا‭ ‬عليها‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الزيارة‭ ‬التي‭ ‬سبقتها،‭ ‬تطبيقات‭ ‬عملية‭ ‬غنية‭ ‬جدًّا‭ ‬وتستدعي‭ ‬طرح‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التساؤلات،‭ ‬لكن‭ ‬النقطة‭ ‬المنهجية‭ ‬التي‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتوقف‭ ‬عندها‭ ‬وأتحدث‭ ‬عنها،‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬الغنية‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬أصداءً‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬المعاصر‭ ‬كمادة‭ ‬أو‭ ‬كموضوع‭ ‬للتحليل‭ ‬والتشخيص،‭ ‬ولاستخراج‭ ‬البراديجمات‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬التطوير‭ ‬والتنمية‭ ‬البشرية،‭ ‬نحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬والناس‭  -‬للأسف‭- ‬تنقل‭ ‬من‭ ‬الغرب،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬تجربة‭ ‬حيَّة‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والناس‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬معها‭ ‬بالجدية‭ ‬الكافية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬مراكز‭ ‬الأبحاث‭ ‬والأكاديميات‭ ‬والجامعات‭ ‬والباحثين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينكبوا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬لأنها‭ ‬راكمت‭ ‬من‭ ‬الخبرة‭ ‬ما‭ ‬يكفي،‭ ‬راكمت‭ ‬من‭ ‬السنوات‭ ‬ما‭ ‬يتيسر‭ ‬معه‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عندها‭ ‬بالتقييم‭ ‬والتمحيص،‭ ‬بل‭ ‬وبالنقد‭ ‬والإغناء‭ ‬والإنصات‭ ‬لأبناء‭ ‬الحركة‭ ‬الذين‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬يحمل‭ ‬وراءه‭ ‬تجربة‭ ‬فردية‭ ‬تذوب‭ ‬وسط‭ ‬التجارب‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬تُشَكِّل‭ ‬الكتلة‭ ‬الموحدة‭ ‬وهي‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬الأستاذ‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬كولن‭.‬

هذه‭ ‬الحركة‭ ‬مليئة‭ ‬بالدروس‭ ‬ومليئة‭ ‬بالإيجابيات‭ ‬ذات‭ ‬الأبعاد‭ ‬المختلفة،‭ ‬البعد‭ ‬العلمي‭ ‬والبعد‭ ‬المعرفي‭ ‬والتربوي‭ ‬والأسري‭ ‬والتعليمي،‭ ‬يعني‭ ‬هي‭ ‬شبكة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الإنجاز‭ ‬الحضاري،‭ ‬ولذلك‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬الانكباب‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬بمختلف‭ ‬اللغات‭ ‬وتعريف‭ ‬الآخر‭ ‬بهذه‭ ‬التجربة،‭ ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬تنتمي‭ ‬إلينا‭ ‬وننتمي‭ ‬إليها،‭ ‬هي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬المشترك‭ ‬القيمي‭ ‬والعقائدي‭ ‬الذي‭ ‬نؤمن‭ ‬به،‭ ‬فهي‭ ‬تجربتنا‭ ‬جميعًا،‭ ‬فيجب‭ ‬أن‭ ‬نؤمن‭ ‬بها‭ ‬وأن‭ ‬نتصالح‭ ‬معها،‭ ‬وأن‭ ‬نعتبر‭ ‬أن‭ ‬إخوتنا‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يجترحوا‭ ‬تجربة‭ ‬جديدة‭ ‬حضارية‭ ‬يمكن‭ ‬للغرب‭ ‬أن‭ ‬يُنصت‭ ‬إليها‭ ‬وأن‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬حتى‭ ‬يفهم‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إبداع‭ ‬تجارب‭ ‬وأنماط‭ ‬في‭ ‬التطوير‭ ‬والخبرات‭ ‬و‭ ‬التنمية‭ ‬الإنسانية‭ ‬والحضارة‭.‬

الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬لديه‭ ‬تجربة‭ ‬فكرية‭ ‬وروحية‭ ‬قوية،‭ ‬صبغها‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬بلونه‭ ‬الخاص،‭ ‬وأوصلها‭ ‬إلى‭ ‬أبناء‭ ‬عصره‭ ‬مع‭ ‬تركيبات‭ ‬وقوالب‭ ‬وتفسيرات‭ ‬جديدة،‭ ‬تدفع‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭ ‬البناءة‭ ‬الفاعلة‭ ‬المنجزة‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬طبعًا‭ ‬أستاذنا‭ ‬الكريم،‭ ‬ليس‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحوارات‭ ‬الثناء‭ ‬والمدح،‭ ‬فهؤلاء‭ ‬الطيبون‭ ‬الذين‭ ‬جلسنا‭ ‬إليهم‭ ‬لا‭ ‬يحبون‭ ‬الثناء‭ ‬أصلاً‭ ‬ولا‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬الثناء،‭ ‬الأستاذ‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬كولن‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬الثناء‭ ‬لذاته،‭ ‬فهو‭ ‬صاحب‭ ‬الانمحاء‭ ‬وفكرة‭ ‬صفِّر‭ ‬نفسك‭ (‬من‭ ‬التصفير‭) ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬مئة‭ ‬مرة،‭ ‬نحن‭ ‬هنا‭ ‬نرصد‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ونقول‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تسمعوا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الخير‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬ها‭ ‬هم‭ ‬أركان‭ ‬الأمة،‭ ‬المفكرون‭ ‬يأتون‭ ‬ويشاهدون‭ ‬مشاهدات‭ ‬ميدانية،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬يقومون‭ ‬بعملية‭ ‬رصد‭. ‬فإذا‭ ‬أردنا‭ ‬يا‭ ‬أستاذي‭ ‬مثلاً‭ ‬أن‭ ‬نلخص‭ ‬تجربتنا‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬دروس،‭ ‬إذا‭ ‬قلنا‭ ‬الدرس‭ ‬الأول‭ ‬مثلاً‭ -‬طبعًا‭ ‬لا‭ ‬أقصد‭ ‬هنا‭  ‬الدرس‭ ‬بمعنى‭ ‬التعليم‭- ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬الإنفاق‭ ‬ونفتح‭ ‬بابًا‭ ‬في‭ ‬الإنفاق،‭ ‬لقدجلسنا‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التجار‭ ‬المنفقين،‭ ‬والسؤال‭ ‬دائما‭ ‬الذي‭ ‬يثور‭ ‬في‭ ‬الأذهان‭ ‬عندما‭ ‬تُطرح‭  ‬فكرة‭ ‬الخدمة‭ ‬والإنجازات‭ ‬يُسأل‭ ‬عن‭ ‬التمويل،‭ ‬ما‭ ‬مصدر‭ ‬المال؟‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬خراطيم‭ ‬بترول‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬يا‭ ‬ترى،‭ ‬أم‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬الغرب‭ ‬يدعم‭ ‬هذه‭ ‬الخدمات‭ ‬الكبرى‭ ‬والإنجازات،‭ ‬يعني‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬لاحظتموه؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬قضية‭ ‬التمويل‭ ‬والدورة‭ ‬المالية‭ ‬ودورة‭ ‬المشروعات‭ ‬داخل‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬الانتباه‭. ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬ومنطقة‭ ‬الخليج‭ ‬كما‭ ‬قلتم‭ ‬منطقة‭ ‬غنية،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الثروة‭ ‬ثروة‭ ‬جوفية،‭ ‬الحركة‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬الثروة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ثروة‭ ‬إنسانية‭ ‬عبر‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وعبر‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬السواعد‭ ‬البشرية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننتج‭ ‬الثروة،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الثروة‭ ‬جوفية،‭ ‬نحن‭ ‬لاحظنا‭ ‬أن‭ ‬الثروة‭ ‬الجوفية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬تؤد‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬حضاري،‭ ‬لم‭ ‬تؤد‭ ‬إلى‭ ‬انفتاح‭ ‬مشروع‭ ‬فكري‭ ‬فعلي‭ ‬حقيقي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينبثق‭ ‬منه‭ ‬مشروع‭ ‬إنساني‭ ‬حضاري،‭ ‬ولكن‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬تخوضها‭ ‬الخدمة‭ ‬أثبتت‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ثروة‭ ‬يمكن‭ ‬خلق‭ ‬ثروات،‭ ‬لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬ثروة،‭ ‬وهذه‭ ‬ربما‭ ‬هي‭ ‬النقطة‭ ‬الرئيسية‭ ‬لدى‭ ‬الخدمة،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬المراهنة‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭.‬

لقد‭ ‬توصَّل‭ ‬الغرب‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرأسمال‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬المواطن‭)‬الفرد)‬،‭ ‬ولقد‭ ‬أدركت‭ ‬الحركة‭ ‬أيضًا‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ولكن‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬الدروس‭ ‬القرآنية،‭ ‬ومن‭ ‬السيرة‭ ‬النبوية‭ ‬ومن‭ ‬تاريخ‭ ‬الإسلام،‭ ‬لقد‭ ‬أدرك‭ ‬أبناء‭ ‬الخدمة‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ ‬الغنى‭ ‬والثروة‭ ‬المالية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬هدف‭ ‬وليس‭ ‬موجَّهًا‭ ‬إلى‭ ‬الربح‭ ‬فقط،‭ ‬وإلى‭ ‬دورة‭ ‬من‭ ‬الربح‭ ‬المجاني‭ ‬الذي‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬فراغ،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬دورة‭ ‬حضارية‭ ‬تدور‭ ‬ومعها‭ ‬تدور‭ ‬مختلف‭ ‬المسالك‭ ‬الفكرية‭ ‬والتجارب‭ ‬الحضارية،‭ ‬وإنتاج‭ ‬نخب‭ ‬وأجيال‭ ‬نامية‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬ثروة‭ ‬يبني‭ ‬بها‭ ‬حضارة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تستطيع‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬السابق،‭ ‬وهكذا‭ ‬دواليك‭ ‬يرث‭ ‬كل‭ ‬جيلٍ‭ ‬ممن‭ ‬سبقه‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬فيها‭ ‬تلاقح‭ ‬وتراكم‭.‬

البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬الخدمة

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬هذه‭ ‬الأجيال‭ ‬من‭ ‬التجار‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال‭ ‬ليست‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬إزميت‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إسطنبول‭ ‬وإزمير‭ ‬وأنقرة‭ ‬وأضنة‭ ‬وإسبرطة‭.. ‬خذ‭ ‬كل‭ ‬مدينة‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬تركيا‭ ‬ستجد‭ ‬هناك‭ ‬أجيالاً‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬يحملون‭ ‬هذا‭ ‬الوعي،‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬أليس‭ ‬ثروة؟‭ ‬تشكيل‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬أيضًا‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً،‭ ‬جميع‭ ‬هؤلاء‭ ‬التجار‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬النقلة‭ ‬النوعية‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬وعيهم،‭ ‬البعض‭ ‬يقول‭ ‬لك‭ ‬أنا‭ ‬عرفت‭ ‬هذا‭ ‬الخير‭ ‬على‭ ‬كِبَر؛‭ ‬قبل‭ ‬سنتين‭ ‬أو‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬كنت‭ ‬أشتغل‭ ‬لنفسي‭ ‬ولذاتي،‭ ‬لكنني‭ ‬الآن‭ ‬أصبحت‭ ‬أشتغل‭ ‬لشيء‭ ‬آخر،‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬وهذه‭ ‬النقلة‭ ‬النوعية‭ ‬ليست‭ ‬سهلة،‭ ‬أليس‭ ‬كذلك؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬هذا‭ ‬صحيح،‭ ‬دعني‭ ‬أقول‭: ‬أنتم‭ ‬قلتم‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إن‭ ‬أبناء‭ ‬الخدمة‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬الإطراء‭ ‬أو‭ ‬الثناء،‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬ثناء‭ ‬وإنما‭ ‬هناك‭ ‬انبهار،‭ ‬انبهار‭ ‬قد‭ ‬يفهمه‭ ‬الآخر‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ثناء‭. ‬أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬بأن‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬ويفهم‭ ‬فيها‭ ‬النصف‭ ‬أو‭ ‬يفهم‭ ‬فيها‭ ‬الثلثين‭ ‬ينبهر‭ ‬بها،‭ ‬وهذا‭ ‬ناجمٌ‭ ‬لأننا‭ ‬نحن‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬تكوَّنَّا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ثقافة‭ ‬خَلَقَت‭ ‬لدينا‭ ‬آمالاً‭ ‬وطموحات،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الآمال‭ ‬والطموحات‭ ‬والمبادئ‭ ‬والقيم‭ ‬لم‭ ‬يسندها‭ ‬واقع‭ ‬حقيقي،‭ ‬بحيث‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬انسجامًا‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬نقرأه‭ ‬وما‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬واقعنا،‭ ‬لكن‭ ‬الحركة‭ ‬ردمت‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الحقيقية‭ ‬والقيم‭ ‬القرآنية‭ ‬والنبوية‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬الواقع؛‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬وقفنا‭ ‬عليها‭ ‬والتي‭ ‬سمعناها‭ ‬وقرأنا‭ ‬عنها‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬تبسيطها‭ ‬في‭ ‬كلمات،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬عند‭ ‬رجل‭ ‬أعمال‭ ‬مهمته‭ ‬الأساسية‭ ‬جمع‭ ‬المال،‭ ‬وتقنعه‭ ‬بأنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬الثلث‭ ‬أوالثلثين‭ (‬من‭ ‬ماله‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬وقفنا‭ ‬أمس‭ ‬عند‭ ‬حالة‭ ‬السيدة‭ ‬التي‭ ‬قالت‭ ‬أنها‭ ‬قررت‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬دخلت‭ ‬الحركة‭ ‬أن‭ ‬تستبقي‭ ‬لنفسها‭ ‬ثلث‭ ‬مالها،‭ ‬وأن‭ ‬تبذل‭ ‬الثلثين،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬إنسانًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬دائمًا‭ ‬وليس‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭: ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الناس‭ -‬حسب‭ ‬ما‭ ‬أفهمه‭- ‬هو‭ ‬النمط‭ ‬الأساسي‭ ‬المتواضع‭ ‬عليه‭ ‬داخل‭ ‬الحركة،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬شخصًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النوعية،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال،‭ ‬ففي‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال‭ ‬الرجل‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬الأعمال‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الربح،‭ ‬لكن‭ ‬أنت‭ ‬تقنعه‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الربح‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى‭ ‬أهم‭. ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬يحس‭ ‬وأنت‭ ‬تستمع‭ ‬إليه‭ ‬أنه‭  ‬يشعر‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الاعتزاز،‭ ‬لأنه‭ ‬يعطينا‭ ‬قيمة‭ ‬أساسية‭ ‬عظيمة‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭ ‬لأنها‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الذات،‭ ‬والجهاد‭ ‬الأكبر‭ ‬والتسامي،‭ ‬وهو‭ ‬أنك‭ ‬تتخلَّى‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬يعتز‭ ‬به‭ ‬ويلهث‭ ‬وراءه‭ ‬الآخرو‭ ‬ن،‭ ‬أنت‭ ‬تعتز‭ ‬بأنك‭ ‬تتخلى‭ ‬عنه،‭ ‬هذه‭ ‬قمَّة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بكل‭ ‬صراحة،‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭  ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬إنسانًا‭ ‬يقتل‭ ‬ذاته‭ ‬بداخله،‭ ‬ويعيش‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الآخرين‭ ‬ويحس‭ ‬بهم،‭ ‬ويشعر‭ ‬بالمتعة‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬للأسف‭ ‬الشديد‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬نلاحظها‭ ‬عند‭ ‬المسيحيين‭ ‬المبشِّرين‭ ‬وخاصة‭ ‬جماعة‭ ‬الإنجيليين،‭ ‬هم‭ ‬يعتزون‭ ‬بأنهم‭ ‬ينشرون‭ ‬رسالة‭ ‬المسيح،‭ ‬وينشرون‭ ‬كلمة‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدس‭ ‬فيخاطرون‭ ‬بأنفسهم‭ ‬ويجازفون‭ ‬بأموالهم‭ ‬وأنفسهم‭ ‬وأولادهم‭ ‬كما‭ ‬نقول‭ ‬نحن‭ ‬المسلمين،‭ ‬لكن‭ ‬بالمقابل‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬لدى‭ ‬المسلمين‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬الحواجز،‭ ‬علما‭ ‬بأنهم‭ ‬يتوفرون‭ ‬على‭ ‬الطاقات‭ ‬والإمكانات‭ ‬الكفيلة‭ ‬بأن‭ ‬يتجاوزوا‭ ‬بها‭ ‬ما‭ ‬يحقق‭ ‬هذه‭ ‬الأغراض‭.‬

ليس‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحوارات‭ ‬الثناء‭ ‬والمدح،‭ ‬فهؤلاء‭ ‬الطيبون‭ ‬الذين‭ ‬جلسنا‭ ‬إليهم‭ ‬لا‭ ‬يحبون‭ ‬الثناء‭ ‬أصلاً‭ ‬ولا‭ ‬يحتاجون‭ ‬إليه،‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬الثناء،‭ ‬فهو‭ ‬صاحب‭ ‬الانمحاء‭ ‬وفكرة‭ ‬صفِّر‭ ‬نفسك‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬مئة‭ ‬مرة‭.‬

طبعا‭ ‬المسيحيون‭ ‬يفعلون‭ ‬ذلك‭ ‬مدفوعين‭ ‬بعقيدة‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬المسيحية‭ ‬دين‭ ‬المحبة،‭ ‬لكن‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬الإسلام‭ ‬رسالة‭ ‬للعالمين،‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬نُطبِّق‭ ‬الإسلام‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تجتذب‭ ‬الآخرين‭ ‬إليه،‭ ‬فلا‭ ‬نقدمه‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنه‭ ‬دين‭ ‬الرحمة‭ ‬أو‭ ‬المحبة‭ ‬أو‭ ‬دين‭ ‬العطاء‭ ‬أو‭ ‬دين‭ ‬البذل‭.‬

نقول‭ ‬إنه‭ ‬رسالة‭ ‬للعالمين. ‬لكن‭ ‬رسالة‭ ‬للعالمين‭ ‬ما‭ ‬مضمونها؟‭ ‬الحركة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬مضمون‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬للعالمين‭ ‬هو‭ ‬المحبة‭ ‬والعطاء‭ ‬للآخر‭ ‬والحياة‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬لأنك‭ ‬إذا‭ ‬منحت‭ ‬الحياة‭ ‬للآخرين‭ ‬أنت‭ ‬تمنح‭ ‬الحياة‭ ‬لأبنائك‭ ‬وتضمن‭ ‬الأجيال‭ ‬المقبلة،‭ ‬فالإنسان‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬بمفرده،‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬خالية‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعيش،‭ ‬والعامل‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬الخلاء‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعيش،‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬يعيش‭ ‬بالآخرين،‭ ‬والآخرون‭ ‬يعيشون‭ ‬برجل‭ ‬الأعمال،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المشترك‭ ‬الإنساني،‭ ‬هذا‭ ‬المشترك‭ ‬الإنساني‭ ‬الحركة‭ ‬تعطيه‭ ‬معنى،‭ ‬وهذا‭ ‬المعنى‭ ‬هو‭ ‬المعنى‭ ‬الإسلامي‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬يتحدث‭ ‬بعض‭ ‬التجار‭ ‬عن‭ ‬اتساع‭ ‬الأفق‭ ‬عندهم،‭ ‬فمثلاً‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬الأضاحي‭ ‬وكيف‭ ‬وظفوا‭ ‬الأضحية‭ ‬بصورة‭ ‬حضارية‭ ‬مختلفة،‭ ‬للانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬حبذا‭ ‬لو‭ ‬حدثتنا‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬انفتاح‭ ‬الأفق‭ ‬عند‭ ‬هؤلاء‭ ‬وكيف‭ ‬ساعدهم‭ ‬اتساع‭ ‬أفقهم‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬رسالة‭ ‬الرحمة‭ ‬للعالمين،‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الأشياء‭ ‬ما‭ ‬قولكم‭ ‬أستاذي؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬نحن‭ ‬استمعنا‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬التجار‭ ‬حول‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الملهمة،‭ ‬استمعنا‭ ‬لأحد‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذي‭ ‬حكى‭ ‬بأنه‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬حيث‭ ‬المجازر‭ ‬الدموية‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين،‭ ‬بينما‭ ‬مدراس‭ ‬الخدمة‭ ‬لم‭ ‬يمسها‭ ‬سوء،‭ ‬بسبب‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيسي‭ ‬للخدمة‭ ‬هو‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعلهم‭ ‬يحظون‭ ‬بحظوة‭ ‬القبول‭ ‬من‭ ‬الجميع،‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭  ‬سر‭ ‬تتوفر‭ ‬عليه‭ ‬الخدمة،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬تتعامل‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬وبنوع‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬مع‭ ‬الجميع؛‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬لك‭ ‬قبول‭ ‬الرسالة،‭ ‬ولذلك‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهولة‭ ‬بمكان‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬الناجحة‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬المنهج‭ ‬لدى‭ ‬هؤلاء‭ ‬أنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬مسلمين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المسلمين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يؤمنون‭ ‬بأن‭ ‬رسالة‭ ‬المسلم‭ ‬للإنسان‭ ‬أينما‭ ‬كان،‭ ‬لقد‭ ‬حدثونا‭ ‬أنهم‭ ‬في‭ ‬الأضاحي‭ ‬يوزعون‭ ‬اللحوم‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬المسلمين‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬المسيحيين‭ ‬الفقراء،‭ ‬فهناك‭ ‬وعي‭ ‬بأن‭ ‬رسالة‭ ‬المسلم‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬للمسلمين‭ ‬بل‭ ‬لغير‭ ‬المسلمين‭ ‬أيضًا‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭: ‬هذا‭ ‬صحيح،‭ ‬وكما‭ ‬نُسب‭ ‬للمسيح‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬الأناجيل،‭ ‬بأنه‭ ‬إذا‭ ‬فعلت‭ ‬الخير‭ ‬لابن‭ ‬دينك‭ ‬فأنت‭ ‬لا‭ ‬تفعل‭ ‬الخير،‭ ‬لأن‭ ‬دينك‭ ‬ينص‭ ‬عليه،‭ ‬ففعل‭ ‬الخير‭ ‬منوطٌ‭ ‬بفعلك‭ ‬الخير‭ ‬لمن‭ ‬ليسوا‭ ‬على‭ ‬دينك،‭ ‬والإمام‭ ‬علي‭ ‬رضي الله عنه‭ ‬يقول‭ ‬بأن‭ ‬الناس‭ ‬إما‭ ‬أخ‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬الدين،‭ ‬وإما‭ ‬نظير‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬الخلق،‭ ‬الحركة‭ ‬تطبق‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬فالإنسان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬دينك‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬مسلم،‭ ‬وفي‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية‭ ‬وفي‭ ‬السيرة‭ ‬النبوية‭ ‬وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬الإسلام‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬الصحابة‭ ‬الفضلاء‭ ‬الذين‭ ‬نتبرك‭ ‬بهم‭  ‬ويتبرك‭ ‬بهم‭ ‬المسلمون،‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‭ ‬ثم‭ ‬أسلموا،‭ ‬وما‭ ‬يدريك‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬سوف‭ ‬يختارهم‭ ‬الله‭ ‬عز وجل‭ ‬كي‭ ‬ينصروا‭ ‬دينه‭ ‬ويفعلوا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬فعل‭ ‬ابن‭ ‬العالمَ‭ ‬المسلم‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬على‭ ‬فطرة‭ ‬الإسلام‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬المشكل،‭ ‬المشكل‭ ‬هو‭ ‬كيف‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬ننشأ‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني‭ ‬لأننا‭ ‬إذا‭ ‬انفتحنا‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬ديننا‭ ‬فنحن‭ ‬نقدم‭ ‬لهم‭ ‬ديننا‭ ‬الذي‭ ‬نقول‭ ‬إنه‭ ‬رسالة‭ ‬للعالمين،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬انفتحت‭ ‬على‭ ‬أخيك‭ ‬المسلم‭ ‬فقط‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬بلدك،‭ ‬فأنت‭ ‬لم‭ ‬تطبق‭ ‬مفهوم‭ ‬أنه‭ “‬رسالة‭ ‬للعالمين‭”‬،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬يقتضي‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الجميع؛‭ ‬مع‭ ‬الكافر،‭ ‬مع‭ ‬الملحد،‭ ‬مع‭ ‬المسيحي‭ ‬واليهودي‭ ‬والمجوسي‭ ‬أيًّا‭ ‬كان،‭ ‬لأن‭ ‬هؤلاء‭ ‬هم‭ ‬المشتركِون‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬الربوبية‭ ‬أهل‭ ‬العقائد‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أحوالهم‭ ‬مشاريع‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينصروك،‭ ‬سواء‭ ‬أسلموا‭ ‬او‭ ‬لم‭ ‬يسلموا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينصروك‭.‬

فالتجربة‭ ‬التي‭ ‬استمعنا‭ ‬إليها‭ ‬صباحًا‭ ‬هي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬النصرة،‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى‭ ‬المسيحيون‭ ‬لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬استهداف‭ ‬المدارس‭ ‬التابعة‭ ‬للخدمة،‭ ‬إذن‭ ‬هذا‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬النصرة،‭ ‬فلولا‭ ‬عمل‭ ‬الخير‭ ‬ولولا‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬العالمية‭ ‬وإدخال‭ ‬المسيحيين‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬العالمية‭ ‬لما‭ ‬حدث‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬أستاذي‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬جدير‭ ‬بالذكر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬قوافل‭ ‬الأضاحي‭ ‬هذه‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬تركيا‭ ‬تقريبًا‭ ‬منذ‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬سنة،‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬أظن‭ ‬حوالي‭ ‬خمسين‭ ‬ألف‭ ‬تاجر‭ ‬خرجوا‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬هؤلاء‭ ‬التجار‭ ‬لا‭ ‬يكونون‭ ‬في‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬وسط‭ ‬أبنائهم‭ ‬وأسرهم‭ ‬بل‭ ‬يخرجون‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬مختلفة‭ ‬بأضاحيهم،‭ ‬يذبحونها‭ ‬هناك‭ ‬يوزعونها‭ ‬على‭ ‬الفقراء،‭ ‬يذبحونها‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬أشراف‭ ‬القوم‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬المهمة‭ ‬ويوزعونها‭ ‬على‭ ‬الناس،‭ ‬يضربون‭ ‬المثل‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬القيم،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬يكون‭ ‬بتوجيه‭ ‬من‭ ‬الأستاذ‭. ‬لقد‭ ‬حدَّثونا‭ ‬ذات‭ ‬يومٍ‭ ‬عن‭ ‬توزيع‭ ‬لحوم‭ ‬الأضاحي‭ ‬في‭ ‬موزمبيق،‭ ‬وكيف‭ ‬وزَّعوها‭ ‬في‭ ‬مبنى‭ ‬من‭ ‬قصب‭ ‬صغير‭ ‬يسمى‭ ‬مسجدًا،‭ ‬وكيف‭ ‬أنهم‭ ‬بعدها‭ ‬أسسوا‭ ‬مسجدًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬مكانه،‭ ‬وإلى‭ ‬جانبه‭ ‬مدرسة‭ ‬ومبيت‭ ‬للطلبة‭ ‬ومطعم‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭. ‬إن‭ ‬رؤية‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الخير‭ ‬يجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬مجبورًا‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬قيم‭ ‬المسلم‭ ‬وعشق‭ ‬الإسلام،‭ ‬أحد‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬جولاته‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬عندما‭ ‬رأى‭ ‬هذه‭ ‬الطيبات،‭ ‬قال‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬لإنسان‭ ‬ألا‭ ‬يعشق‭ ‬المسلم‭ ‬وألا‭ ‬يعشق‭ ‬الإسلام‭ ‬عندما‭ ‬يرى‭ ‬هذه‭ ‬الخيرات،‭ ‬لقد‭ ‬ساهمنا‭ ‬نحن‭ -‬المسلمين‭- ‬في‭ ‬ضياع‭ ‬بعض‭ ‬القيم،‭ ‬ورفعنا‭ ‬شعارات‭ ‬حماسية‭ ‬لم‭ ‬نحسن‭ ‬فهمها‭ ‬وشرعنا‭ ‬نرفع‭ ‬السيف‭ ‬لقتل‭ ‬الناس‭ ‬وترويعهم،‭ ‬فتكونت‭ ‬صورة‭ ‬سلبية‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭ ‬أدَّت‭ ‬إلى‭ ‬نفور‭ ‬الناس‭ ‬منه،‭ ‬لكن‭ ‬رسالة‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة‭ ‬إلى‭ ‬الناس،‭ ‬رسالة‭ ‬سلام‭ ‬ومحبة‭ ‬وتسامح،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تعكسه‭ ‬أنشطتها‭.‬

الخدمة‭ ‬أثبتت‭  ‬أن‭ ‬الثروة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ثروة‭ ‬إنسانية‭ ‬عبر‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وعبر‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬السواعد‭ ‬البشرية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الثروة‭ ‬جوفية‭ ‬من‭ ‬بترول‭ ‬ومعادن‭ ‬إلى‭ ‬آخره‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬صحيح،‭ ‬لقد‭ ‬قدَّمت‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة‭ ‬للإنسانية‭ ‬الخير‭ ‬والحياة‭ ‬كما‭ ‬قلنا‭ ‬أمس‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أساتذة‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة،‭ ‬بينما‭ ‬الحركات‭ ‬التكفيرية‭ ‬والحركات‭ ‬المتطرفة‭ ‬العدوانية‭ ‬توجِّه‭ ‬سهامها‭ ‬تجاه‭ ‬المسلم‭ ‬وغير‭ ‬المسلم،‭ ‬وهذه‭ ‬الحركات‭ ‬قد‭ ‬اختزلت‭ ‬الجهاد‭ ‬في‭ ‬القتل،‭ ‬بينما‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة‭ ‬قدمت‭ ‬مفهومًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للجهاد‭ ‬واعتبرته‭ ‬إحياء‭ ‬الناس‭ ‬وليس‭ ‬تقتيلهم،‭ ‬فقتل‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يفيدهم‭ ‬بل‭ ‬يُعجِّل‭ ‬بعذابهم،‭ ‬والأفضل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬إحياؤهم‭ ‬على‭ ‬الإيمان‭ ‬بربهم،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬المعادلة‭ ‬الصعبة،‭ ‬وهناك‭ ‬كلمة‭ ‬جميلة‭ ‬جدًّا‭ ‬قالها‭ ‬الروائي‭ ‬الفرنسي‭ “‬أندري‭ ‬مالرو‭” ‬في‭ ‬روايته‭ “‬الوضع‭ ‬البشري‭” ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬عن‭ ‬صراع‭ ‬الشيوعيين‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬قال‭: ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬تقضي‭ ‬أربعين‭ ‬أو‭ ‬خمسين‭ ‬سنة‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬إنسان‭ ‬توفر‭ ‬له‭ ‬المأكل‭ ‬والمسكن‭ ‬والمشرب‭ ‬والتعليم‭ ‬والحياة‭ ‬والكرامة،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬أردت‭ ‬أنت‭ ‬أو‭ ‬غيرك‭ ‬قتله‭ ‬لم‭ ‬يستغرق‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬ثانية،‭ ‬فبضربة‭ ‬واحدة‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تقتله،‭ ‬فالإحياء‭ ‬هو‭ ‬الصعب،‭ ‬لكن‭ ‬الموت‭ ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬سهل،‭ ‬الحيوان‭ ‬يقتل،‭ ‬لكن‭ ‬طبيعة‭ ‬الإنسان‭ ‬أنه‭ ‬يحيي،‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬عز وجل‭ ‬أرسلنا‭ ‬للإحياء‭ ‬وليس‭ ‬للتقتيل‭.‬

مركزية‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬في‭ ‬الخدمة

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬أستاذي‭  ‬إذا‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬ملف‭ ‬التعليم‭ ‬فنحن‭ ‬الآن‭ ‬أمام‭ ‬ظاهرة‭ ‬مختلفة‭ ‬لعلك‭ ‬سمعتها‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الأفارقة‭ ‬عندما‭ ‬حدثونا‭ ‬عن‭ ‬مدارس‭ ‬الخدمة‭ ‬هناك،‭ ‬قالوا‭: ‬سابقًا‭ ‬جاء‭ ‬التجار‭ ‬المسلمون‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الديار‭ ‬فتعلمنا‭ ‬منهم‭ ‬الخير،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الموجة‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬شيء‭ ‬مختلف،‭ ‬يأتي‭ ‬معلمون‭ ‬ويأتي‭ ‬معهم‭ ‬التجار،‭ ‬فيمتزج‭ ‬العلم‭ ‬مع‭ ‬التجارة،‭ ‬فهل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬ظاهرة‭ ‬جديدة‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرة؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬نعم،‭ ‬لقد‭ ‬أدركَ‭ ‬الرعيل‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬المصلحين‭ ‬المسلمين‭ ‬أهمية‭ ‬التعليم‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬أيضًا‭ ‬الشيخ‭ ‬بديع‭ ‬الزمان‭ ‬سعيد‭ ‬النورسي،‭ ‬جميعهم‭ ‬تحدثوا‭ ‬عن‭ ‬التعليم،‭ ‬لأن‭ ‬التعليم‭ ‬هو‭ ‬إنتاج‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬والبعيد؛‭ ‬عندما‭ ‬تُوَفِّر‭ ‬إمكانيات‭ ‬معينة‭ ‬للإنسان‭ ‬أنت‭ ‬تضمن‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬يوم‭ ‬أو‭ ‬يومين‭ ‬سنة‭ ‬أو‭ ‬سنتين‭ ‬وتضمنه‭ ‬وحده،‭ ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬تُهيئ‭ ‬تعليمًا‭ ‬قويًّا‭ ‬فأنت‭ ‬تهيئ‭ ‬أمة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المتوسط‭ ‬والبعيد‭ ‬يعني‭ ‬تبني‭ ‬حضارة‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬تصنع‭ ‬المستقبل

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬نعم‭ ‬تصنع‭ ‬المستقبل‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لاحظه‭ ‬الأولون،‭ ‬ولذلك‭ ‬ركَّز‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المسألة،‭ ‬ونحن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬والعربية‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬حركات‭ ‬الاستقلال‭ -‬بسبب‭ ‬هيمنة‭ ‬الإيديولوجيات‭ ‬آنذاك‭ ‬وأن‭ ‬الفكر‭ ‬الإصلاحي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬طريًّا‭- ‬كانت‭ ‬مقتنعة‭ ‬بأن‭ ‬التعليم‭ ‬مهم‭ ‬جدًّا،‭ ‬الدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الوزارات‭ “‬بما‭ ‬فيها‭ ‬وزارتنا‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬المغرب‭” ‬كانت‭ ‬تسمى‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬منفصلاً‭ ‬عن‭ ‬التربية،‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬تمَّ‭ ‬التخلي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬عن‭ ‬قضية‭ ‬التربية،‭ ‬فُوِّضت‭ ‬قضية‭ ‬التربية‭ ‬إلى‭ ‬التلفزيون‭ ‬وإلى‭ ‬الشارع‭ ‬وإلى‭ ‬الدعاية‭ ‬الأجنبية‭ ‬إلى‭ ‬آخره،‭ ‬وبقي‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬يستهدف‭ ‬أدمغة‭ ‬الناس‭ ‬فقط‭. ‬لكن‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة‭ ‬أدركت‭ ‬هذا‭ ‬الخلل،‭ ‬وأنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تربية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬شخص‭ ‬مُربَّى‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬القلبي‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬النفساني،‭ ‬وأن‭ ‬المعرفة‭ ‬العقلية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬نتيجة‭. ‬لأن‭ ‬الحامل‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬هذا‭ ‬المحمول‭ ‬فيه‭ ‬خلل‭ ‬ومتهالك،‭ ‬لا‭ ‬تهم‭ ‬الإفرازات‭ ‬العلمية‭ ‬ولا‭ ‬الأفكار‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الإنسان‭ ‬سويًّا‭ ‬لديه‭ ‬قيم‭ ‬حقيقية‭ ‬ويعرف‭ ‬ماذا‭ ‬يريد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬إذًا‭ ‬تم‭ ‬َّ‭ ‬تناول‭ ‬الإنسان‭ ‬ككلٍّ‭ ‬عقلاً‭ ‬وقلبًا

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬نعم‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الروابط‭ ‬المشتركة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬التعليم‭ ‬والتربية؛‭ ‬فالتعليم‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التربية،‭ ‬والتربية‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬التعليم،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬تربوا‭ ‬في‭ ‬مدارس‭ ‬الخدمة‭ ‬وفي‭ ‬مشروع‭ ‬الخدمة‭ ‬تعلموا‭ ‬وتربَّوا،‭ ‬وبتربيتهم‭ ‬الآن‭ ‬يبنون‭ ‬مؤسسات‭ ‬تعليمية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الأسيوية‭ ‬وفي‭ ‬البلدان‭ ‬الأفريقية،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬يعني‭ ‬حلقة‭ ‬صالحة‭ ‬ولَّادة‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬حلقة‭ ‬صالحة‭ ‬من‭ ‬الدورة‭ ‬الحضارية‭ ‬العظيمة‭ ‬الممتدة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الزمن‭.‬

نوازد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬أستاذي‭ ‬عفوًا‭ ‬نحن‭ ‬رأينا‭ ‬تجارًا‭ ‬أصلاً‭ ‬نشأوا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدارس،‭ ‬ورأينا‭ ‬مدرسين‭ ‬أصلاً‭ ‬هم‭ ‬خِرِّيجو‭ ‬هذه‭ ‬المدارس،‭ ‬ورأينا‭ ‬خبراء‭ ‬من‭ ‬المهندسين‭ ‬والأطباء‭ ‬من‭ ‬خريجي‭ ‬هذه‭ ‬المدارس،‭ ‬فهذه‭ ‬مخرجات،‭ ‬ورأينا‭ ‬كيف‭ ‬أنهم‭ ‬يتحركون‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬ويبنون‭ ‬الحياة‭ ‬وينشرون‭ ‬هذا‭ ‬الخير،‭ ‬لكن‭  ‬البعض‭ ‬قد‭ ‬يقول‭ ‬سعيُ‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة‭ ‬لبناء‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬قد‭ ‬أفهمه،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬لبناء‭ ‬مدارس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬كيف‭ ‬تُقَيِّمه؟‭ ‬يعني‭ ‬ما‭ ‬الدافع‭ ‬إلى‭ ‬ذلك؟‭ ‬وما‭ ‬الأفق‭ ‬الذي‭ ‬تبتغيه‭ ‬الخدمة؟‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬همٌّ‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬همِّ‭ ‬تركيا؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭: ‬صحيح‭ ‬أنا‭ ‬زرت‭ ‬إسطنبول‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الماضية‭ ‬ووقفت‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬مشروعات‭ ‬الخدمة،‭ ‬لكن‭ ‬الجديد‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬أنني‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬الحركة‭ ‬ليس‭ ‬تركيًّا‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يتجاوز‭ ‬تركيا،‭ ‬كانت‭ ‬الفكرة‭ ‬السائدة‭ ‬عند‭ ‬كثيرين‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬تركي‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحدود،‭ ‬لكن‭ ‬اكتشفنا‭ ‬اليوم‭ ‬وأمس‭ ‬في‭ ‬لقاءات‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬أناسًا‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬يستهدفون‭ ‬المناطق‭ ‬الوعرة‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬ويستهدفون‭ ‬المناطق‭ ‬المنكوبة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تسودها‭ ‬حروب‭ ‬أهلية،‭ ‬يعني‭ ‬يُجازفون‭ ‬ويُخاطرون‭ ‬بأنفسهم،‭ ‬ويستهدفون‭ ‬المناطق‭ ‬القاحلة‭  ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬شيئًا‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭: ‬إذن‭ ‬أنت‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬المجازفة؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬طبعًا‭ ‬هي‭ ‬مجازفة،‭ ‬فهم‭ ‬أشخاص‭ ‬أصحاب‭ ‬رسالة‭ ‬ولديهم‭ ‬همٌّ،‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُسمي‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬فيها‭ ‬حروب‭ ‬أهلية‭ ‬بغير‭ ‬حماية‭ ‬وبغير‭ ‬حصانة‭ ‬إلا‭ ‬مجازفة،‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المغامرات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُقدم‭ ‬عليها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬لديه‭ ‬قضية‭ ‬بالفعل‭.‬

مشروع‭ ‬الخدمة‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬الروابط‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬التعليم‭ ‬والتربية،‭ ‬فالذين‭ ‬تربوا‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭ ‬تعلموا‭ ‬وتربَّوا،‭ ‬وبتربيتهم‭ ‬الآن‭ ‬يبنون‭ ‬مؤسسات‭ ‬تعليمية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭: ‬الآن‭ ‬اليمن‭ ‬فيه‭ ‬مشاكل‭ ‬وفيه‭ ‬حرب‭ ‬أهلية،‭ ‬لكن‭ ‬مدارس‭ ‬الخدمة‭ ‬موجودة‭ ‬هناك،‭ ‬المدارس‭ ‬في‭ ‬تعز‭ ‬تعمل‭ ‬إلى‭ ‬الآن،‭ ‬والأخوة‭ ‬من‭ ‬المدرسين‭ ‬في‭ ‬عدن‭ ‬وفي‭ ‬صنعاء‭ ‬لازالوا‭ ‬هناك،‭ ‬وكذلك‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أيام‭ ‬حرب‭ ‬العراق،‭ ‬المدرسون‭ ‬بقوا‭ ‬هناك‭ ‬فبينما‭ ‬ترك‭ ‬الناس‭ ‬العراق‭ ‬هم‭ ‬بقوا‭ ‬هناك‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬صحيح‭ ‬أمس‭ ‬واليوم‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬نحن‭ ‬استمعنا‭ ‬إلى‭ ‬قصص‭ ‬مثيرة‭ ‬ومحزنة‭ ‬جدًّا،‭ ‬الناس‭ ‬تسير‭ ‬وسط‭ ‬الكوارث‭ ‬بكل‭ ‬صراحة،‭ ‬أمس‭ ‬سمعنا‭ ‬أمورًا‭ ‬عن‭ ‬البوسنة‭ ‬أناس‭ ‬خاطروا‭ ‬بأنفسهم‭ ‬أيام‭ ‬الحروب،‭ ‬وسمعنا‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬وسمعنا‭ ‬عن‭ ‬بلدان‭ ‬إفريقية‭ ‬أخرى‭ ‬فيها‭ ‬حروب‭ ‬أهلية،‭ ‬سمعنا‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬مالي،‭ ‬إذن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الناس‭ ‬رجال‭ ‬مخاطرة،‭ ‬هم‭ ‬يُشبهون‭ ‬متسلقي‭ ‬الجبال‭ ‬بكل‭ ‬صراحة،‭ ‬فهذه‭ ‬نماذج‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬نتأمل‭ ‬فيها‭ ‬ونقف‭ ‬طويلاً‭ ‬عندها،‭ ‬أناس‭ ‬مقتنعون‭ ‬بقضيتهم،‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬استيعاب‭ ‬تضحياتهم،‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬سمع‭ ‬كمن‭ ‬رأى‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭: ‬يبدو‭ ‬أستاذي‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قيمًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفسرها‭ ‬بالمنطق‭ ‬البراجماتي،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تفسرها‭ ‬بطرق‭ ‬أخرى،‭ ‬مثلاً‭ ‬الإخوة‭ ‬في‭ ‬أربيل‭ ‬أيام‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬حدثونا‭ ‬أنه‭ ‬شاع‭ ‬خبر‭ ‬أنه‭ ‬سيُرمى‭ ‬أسلحة‭ ‬كيماوية‭ ‬في‭ ‬أربيل،‭ ‬يقولون‭ ‬ترك‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬المدينة،‭ ‬وجلس‭ ‬مدرسو‭ ‬الخدمة‭ ‬يفكرون‭ ‬ماذا‭ ‬يفعلون؟‭ ‬فقالوا‭: ‬لو‭ ‬خرجنا‭ ‬لن‭ ‬نستطيع‭ ‬العودة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬هنا،‭ ‬فأخذوا‭ ‬بعض‭ ‬الاحتياطات‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬وجاءوا‭ ‬بالأولاد‭ ‬والسيدات‭ ‬وجلسوا‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬ينتظرون‭ ‬قدرهم،‭ ‬قائلين‭ ‬هذا‭ ‬وطننا‭ ‬فإن‭ ‬كنا‭ ‬سنموت‭ ‬فلنمت‭ ‬هنا‭.‬

ثم‭ ‬يقول‭ ‬الأخوة‭ ‬لم‭ ‬يُرم‭ ‬سلاح‭ ‬كيماوي،‭ ‬فعاد‭ ‬الناس‭ ‬فوجدوهم‭ ‬هناك،‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أقبل‭ ‬أهل‭ ‬كردستان‭ ‬العراق‭ ‬عليهم‭ ‬حكومة‭ ‬وشعبًا،‭ ‬وقالوا‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭: ‬واللهِ‭ ‬أنتم‭ ‬لم‭ ‬تتركونا‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الشدة‭ ‬فكيف‭ ‬نترككم‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬الرخاء؟‭ ‬يعني‭ ‬الوفاء‭ ‬للشعوب‭ ‬أوقات‭ ‬الشدة،‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬نقطة‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الأهمية،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬نفسها‭ ‬ستسمعها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلدٍ‭ ‬عاش‭ ‬معاناة‭ ‬فوجد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأبطال‭ ‬عندهم‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأوقات‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬كلامكم‭ ‬ألهمني‭ ‬بعض‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬رجال‭ ‬التصوف‭ ‬أو‭ ‬المنتسبين‭ ‬إلى‭ ‬التصوف،‭ ‬كنا‭ ‬نسمع‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬والبعض‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬هي‭ ‬حركة‭ ‬صوفية،‭ ‬والإنسان‭ ‬عندما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬ذهنه‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬مصطلح‭ ‬التصوف،‭ ‬يُفكر‭ ‬في‭ ‬التكايا‭ ‬والزوايا‭ ‬والخمول‭ ‬والمشيخة‭ ‬إلى‭ ‬آخره،‭ ‬لكن‭ ‬الحركة‭ ‬ليست‭ ‬حركة‭ ‬صوفية،‭ ‬هي‭ ‬حركة‭ ‬تربية‭ ‬وبناء‭ ‬حضاري،‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬نتحدث‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬الموبوءة‭ ‬والمأزومة‭ ‬هي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الكرامات،‭ ‬هي‭ ‬كرامات‭ ‬تليق‭ ‬بمشروع‭ ‬حضاري‭ ‬يبني‭.‬

في‭ ‬التصوف‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬يُصدِّعون‭ ‬عقولنا‭ ‬بكرامات‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬أن‭ ‬الرشاق (‬الشيخ) يطير‭ ‬فوق‭ ‬الماء،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬أو‭ ‬هذا‭ ‬الشيخ‭ ‬أو‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬مشروع‭ ‬حضاري،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬كرامات‭ ‬حقيقية‭ ‬فعلاً،‭ ‬ناس‭ ‬يبنون‭ ‬مدرسة‭ ‬لأطفال‭ ‬لا‭ ‬يجدون‭ ‬قوت‭ ‬يومهم،‭ ‬ويبنون‭ ‬مستشفيات‭ ‬إلى‭ ‬آخره،‭ ‬ويعتصمون‭ ‬في‭ ‬أماكنهم‭ ‬ويرابطون‭ ‬بالاصطلاح‭ ‬الصوفي،‭ ‬فهذه‭ ‬هي‭ ‬الكرامات‭ ‬المعاصرة‭. ‬إذًا‭ ‬نحن‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬الجهاد‭ ‬وعن‭ ‬مفهوم‭ ‬الهجرة‭ ‬والآن‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬الكرامة‭ ‬أيضًا،‭ ‬مفهوم‭ ‬الكرامة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬الطقوس‭ ‬ومن‭ ‬الدجل‭ ‬والخرافة‭ ‬والشعوذة‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭ ‬المتحركة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأرض‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬يعني‭ ‬أستاذي‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأبطال‭ ‬الذين‭ ‬هاجروا‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬وغير‭ ‬الإسلامي،‭ ‬شرق‭ ‬العالم‭ ‬وغربه،‭ ‬إفريقيا،‭ ‬آسيا،‭ ‬أوروبا،‭ ‬والآن‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬والشرق‭ ‬الأقصى‭ ‬وأستراليا،‭ ‬كان‭ ‬دافعهم‭ ‬ومُحرِّكهم‭ ‬هو‭ ‬شعورهم‭ ‬بمعاناة‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومحاولة‭ ‬تَمثُّلهم‭ ‬لتلك‭ ‬المعاناة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬النبي‭ ‬صلى الله عليه وسلم،‭ ‬هل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفرسان‭ ‬يشعرون‭ ‬بمسؤولية‭ ‬كونية،‭ ‬وإلا‭ ‬فماذا‭ ‬يفعل‭ ‬هؤلاء‭ ‬في‭ ‬النيجر‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى‭ ‬وفي‭ ‬مدغشقر‭. ‬ذكر‭ ‬لنا‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬بعضُ‭ ‬التجار‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬أدرنه‭ ‬أنهم‭ ‬بدأوا‭ ‬يبحثون‭ ‬في‭ ‬الخريطة‭ ‬عن‭ ‬بلد‭ ‬لم‭ ‬يذهب‭ ‬إليه‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬ليفتحوا‭ ‬فيها‭ ‬مدارس،‭ ‬قالوا‭: ‬فوجدنا‭ ‬جزيرة‭ ‬صغيرة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬مدغشقر‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬الخريطة‭ ‬اسمها‭ ‬موريشيوس،‭ ‬قالوا‭: ‬ركبنا‭ ‬لنكون‭ ‬نحن‭ ‬السباقين‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الجزيرة‭ ‬فنؤسس‭ ‬شيئًا،‭ ‬دولة‭ ‬صغيرة‭ ‬تعداد‭ ‬سُكَّانها‭ ‬حوالي‭ ‬مئة‭ ‬ألف‭ ‬فوجدنا‭ -‬يقول‭ ‬هذا‭ ‬الأخ‭- ‬أن‭ ‬الأخوة‭ ‬أسسوا‭ ‬مدرسة‭ ‬هناك‭ ‬ويستقبلوننا‭ ‬في‭ ‬المطار‭. ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬الآن،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الهم‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭ ‬هؤلاء‭ ‬ويدفعهم‭ ‬للهجرة‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬كيف‭ ‬تفسرون‭ ‬ذلك؟‭ ‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬أستاذي‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يتجاوز‭ ‬الكلمات‭ ‬بكل‭ ‬صراحة،‭ ‬يعني‭ ‬أنت‭ ‬عندما‭ ‬تجد‭ ‬دولة‭ ‬بكل‭ ‬صولجانها‭ ‬وبكل‭ ‬مؤسساتها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬حتى‭ ‬بخمس‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬وتجد‭ ‬حركة‭ ‬تقوم‭ ‬بها،‭ ‬هذا‭ ‬شيء‭ ‬أولاً‭ ‬يسترعي‭ ‬التفكير،‭ ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الشعور‭ ‬بالألم،‭ ‬22‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬دولة‭ ‬إسلامية‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬المؤتمر‭ ‬الإسلامي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تُقيم‭ ‬مشروعًا‭ ‬جماعيًّا‭ ‬أو‭ ‬فرديًّا‭ ‬يُساعد‭ ‬في‭ ‬كفكفة‭ ‬دموع‭ ‬الآخرين‭ ‬وإطعام‭ ‬الجائعين‭ ‬منهم‭ ‬وإنقاذ‭ ‬من‭ ‬تتعرض‭ ‬حياتهم‭ ‬للخطر،‭ ‬أحيانًا‭ ‬يحز‭ ‬في‭ ‬نفوسنا‭ ‬بكل‭ ‬صراحة‭ ‬أننا‭ ‬نرى‭ ‬ممثلين‭ ‬وممثلات‭ ‬أمريكيين‭ ‬تتجلَّى‭ ‬فيهم‭ ‬الإنسانية‭ ‬الراقية،‭ ‬التي‭ ‬تدفعهم‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الأماكن‭ ‬المنكوبة‭ ‬ومساعدة‭ ‬أهلها،‭ ‬وعندما‭ ‬يعودون‭ ‬يلفتون‭ ‬أنظار‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬المآسي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استضافتهم‭ ‬في‭ ‬قنوات‭ ‬التلفزيون‭ ‬التي‭ ‬يتحدثون‭ ‬فيها‭ ‬باكين‭ ‬متألمين‭ ‬عن‭ ‬تجاربهم‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬مساعدة‭ ‬أصحاب‭ ‬الحاجات،‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬المرء‭ ‬أمام‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬لوم‭ ‬أنفسنا‭ ‬كمسلمين،‭ ‬كيف‭ ‬نكون‭ ‬أقل‭ ‬غيرة‭ ‬على‭ ‬الإنسانية‭ ‬منهم،‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬مهم‭ ‬للغاية‭. ‬وأنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬الرئيسية‭ ‬فيما‭ ‬قلتم‭ ‬تعود‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬وضعه‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن،‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأفراد‭ ‬يتحركون‭ ‬حول‭ ‬مشروع‭ ‬ولكنه‭ ‬ليس‭ ‬أيَّ‭ ‬مشروع،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬بُني‭ ‬حول‭ ‬فكرة،‭ ‬والأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬كما‭ ‬قرأنا‭ ‬في‭ ‬كتبه‭ ‬يرُكِّز‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬أنسنة‭ ‬الإسلام،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الإسلام‭ ‬فعلاً‭ ‬دين‭ ‬الإنسانية،‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬منتهى‭ ‬ما‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬الإنسانية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬أو‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬يعني‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يعطي‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬لهذا‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬مفهومه‭ ‬الحرفي‭ ‬الحقيقي،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬شفرة‭ ‬أو‭ ‬كود‭ ‬يجب‭ ‬فكُّه‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬كيف‭ ‬سنفكُّه؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬فك‭ ‬شفرة‭ ‬أو‭ ‬كود‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تربى‭ ‬عليها‭ ‬المسلمون،‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميها‭ ‬القيم‭ ‬الصامتة،‭ ‬هي‭ ‬قيم‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬تراثنا‭ ‬الإسلامي‭ ‬لكنها‭ ‬قيم‭ ‬صامتة‭ ‬نقرأها‭ ‬ونحن‭ ‬نشعر‭ ‬بالخشوع‭ ‬ثم‭ ‬نعتبرها‭ ‬تاريخًا‭ ‬ونطوي‭ ‬صفحتها‭ ‬ونمضي،‭ ‬أما‭ ‬مشروع‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬فقد‭ ‬وقف‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬الصامتة،‭ ‬وحاول‭ ‬أن‭ ‬يُنْطِقها،‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬يمكن‭ ‬إنطاقها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وعندما‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬أمور‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الصحابة‭ ‬أو‭ ‬أمور‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬النبي‭ ‬صلى الله عليه وسلم‭ ‬وحياة‭ ‬بعض‭ ‬الصالحين‭ ‬نتساءل،‭ ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬خلقت‭ ‬لكي‭ ‬تموت؟‭ ‬وهل‭ ‬هي‭ ‬قاصرة‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال،‭ ‬هل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال‭ ‬كانت‭ ‬فيهم‭ ‬كروموزومات‭ ‬معينة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬أشخاص‭ ‬آخرين؟‭ ‬هل‭ ‬كانوا‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬أطر‭ ‬اجتماعية‭ ‬مختلفة‭ ‬عنا؟‭ ‬وعندما‭ ‬تتبين‭ ‬لنا‭ ‬الحقائق‭ ‬نوقن‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬يمكن‭ ‬بعثها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وأن‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬رجل‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬نفوس‭ ‬متقبلة‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬مثلما‭ ‬عليه‭ ‬الآن‭ ‬أبناء‭ ‬الخدمة‭.‬

الأسرة‭ ‬والمرأة‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬الخدمة

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬أستاذي‭ ‬لو‭ ‬غيرنا‭ ‬الموضوع‭ ‬ودخلنا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المرأة،‭ ‬لقد‭ ‬زرنا‭ ‬بعض‭ ‬الجمعيات‭ ‬النسائية،‭ ‬والتقينا‭ ‬بسيدات‭ ‬أعمال‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬لاحظتموه؟‭ ‬وما‭ ‬مكانة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الخدمة؟‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬دور‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬رصدتم؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬القناعات‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬لديكم؟

22‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬دولة‭ ‬إسلامية‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬المؤتمر‭ ‬الإسلامي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تُقيم‭ ‬مشروعًا‭ ‬جماعيًّا‭ ‬أو‭ ‬فرديًّا‭ ‬يُساعد‭ ‬في‭ ‬كفكفة‭ ‬دموع‭ ‬الآخرين‭ ‬وإطعام‭ ‬الجائعين‭ ‬منهم‭ ‬وإنقاذ‭ ‬من‭ ‬تتعرض‭ ‬حياتهم‭ ‬للخطر‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬أولاً،‭ ‬قبل‭ ‬لقاء‭ ‬أمس،‭ ‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬أفكار‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأمور،‭ ‬مصطلح‭ ‬الخدمة‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬المرأة‭ ‬الأم‭ ‬والزوجة‭ ‬والأخت‭ ‬وقريب‭ ‬من‭ ‬مصطلح‭ ‬العطاء‭ ‬أيضًا،‭ ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬مرتبط‭ ‬بالمرأة،‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬الحياة،‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬فيه‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مركزي‭ ‬فاشل،‭ ‬هذه‭ ‬مسألة‭ ‬قرآنية‭ ‬والأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬أدرك‭ ‬هذه‭ ‬المسألة،‭ ‬واستطاع‭ ‬بنباهته‭ ‬ودقته‭ ‬استخراج‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم،‭ ‬لقد‭ ‬لاحظنا‭ ‬أمس‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬تجاوزت‭ ‬بعض‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬وأصبحنا‭ ‬نجد‭ ‬نساء‭ ‬أعمال‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬جمعية‭ ‬يقمن‭ ‬بأشياء‭ ‬عجيبة،‭ ‬نساء‭ ‬مرابطات‭ ‬في‭ ‬جمعيات‭ ‬يشتغلن‭ ‬ويجمعن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬أشغال‭ ‬البيت‭ ‬وواجبات‭ ‬الزوج‭ ‬والأبناء‭ ‬ثم‭ ‬واجبات‭ ‬الخدمة،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬هؤلاء‭ ‬أيضًا‭ ‬أزواجهن‭ ‬وأبناؤهن‭ ‬في‭ ‬الخدمة،‭ ‬إذًا‭ ‬هناك‭ ‬مشروع‭ ‬لا‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬الرجل،‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬أسري،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الأستاذ‭ ‬أيضًا‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الأسرة،‭  ‬الخدمة‭ ‬مشروع‭ ‬أسري‭ ‬شامل‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬المرأة‭ ‬والمرأة‭ ‬إلى‭ ‬الرجل‭ ‬وهم‭ ‬جميعًا‭ ‬إلى‭ ‬الأسرة‭ ‬والأبناء،‭ ‬كذلك‭ ‬مشروع‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الجميع،‭ ‬والمرأة‭ ‬أكثر‭ ‬دافعية‭ ‬على‭ ‬العطاء،‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التحفيز،‭ ‬هي‭ ‬بمقدورها‭ ‬أن‭ ‬تحفِّز‭ ‬أبناء‭ ‬جنسها‭ ‬وأن‭ ‬تحفز‭ ‬الرجال‭ ‬على‭ ‬العطاء‭ ‬لأن‭ ‬فيها‭ ‬بعض‭ ‬الخصال‭ ‬التي‭ ‬فطرها‭ ‬الله‭ ‬عز وجل‭ ‬عليها؛‭ ‬فيها‭ ‬الحنان‭ ‬والمودة‭ ‬والحساسية‭ ‬والعاطفة‭ ‬إلى‭ ‬آخره،‭ ‬بالأمس‭ ‬مثل‭ ‬السيدة‭ ‬التي‭ ‬قالت‭ ‬إنها‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬ثلثي‭ ‬أرباحها‭ ‬وتستبقي‭ ‬الثلث‭ ‬لأبنائها،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتخيل،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬أنها‭ ‬تعطي‭ ‬الثلثين،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتخيل‭ ‬مقدار‭ ‬الثلثين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرباح‭ ‬التي‭ ‬تجنيها،‭ ‬إنها‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬التي‭ ‬تتحصل‭ ‬عليها‭ ‬وتنفقها،‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬السهل،‭ ‬وهذه‭ ‬سيدة‭ ‬شيء‭ ‬عجيب‭ ‬بكل‭ ‬صراحة‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭: ‬حتى‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية،‭ ‬يعني‭ ‬لا‭ ‬يقمن‭ ‬بتجارة‭ ‬محلية‭ ‬فقط‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬وهؤلاء‭ ‬لهن‭ ‬امتداد،‭ ‬كما‭ ‬لاحظنا‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬سيدات‭ ‬أعمال‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي،‭ ‬لهن‭ ‬مشاريع‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬البلدان،‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬ولسن‭ ‬تاجرات‭ ‬ولا‭ ‬سيدات‭ ‬أعمال‭ ‬صغار،‭ ‬هن‭ ‬سيدات‭ ‬أعمال‭ ‬كبار،‭ ‬بمقدورهن‭ ‬أن‭ ‬يصنعن‭ ‬من‭ ‬أموالهن‭ ‬أشياء‭ ‬عجيبة‭ ‬لأنفسهن‭ ‬لو‭ ‬أردن‭ ‬فقط‭ ‬الدنيا،‭ ‬بإمكانهن‭ ‬أن‭ ‬يوظفنها‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬ويحصلن‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬مناصب،‭ ‬فبإمكان‭ ‬المال‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬اليوم،‭ ‬لكنهم‭ ‬يصنعون‭ ‬بها‭ ‬الشيء‭ ‬المختلف،‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يدركه‭ ‬الآخرون‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬هم‭ ‬لا‭ ‬يبنون‭ ‬مجدًا‭ ‬دنيويًّا‭ ‬لذاتهم،‭ ‬لو‭ ‬أردوا‭ ‬أن‭ ‬يفعلوا‭ ‬لفعلوا‭. ‬

علاقة‭ ‬الخدمة‭ ‬بالسياسة‭ ‬والمجتمع

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬أستاذنا‭ ‬الكريم‭ ‬لقد‭ ‬ترسَّخت‭ ‬في‭ ‬أذهاننا‭ -‬نحن‭ ‬المسلمين‭- ‬قناعة‭ ‬مؤداها،‭ ‬إذا‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬تغيِّر‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬السلطة‭ ‬وتتخذ‭ ‬قرارات‭ ‬وتُملي‭ ‬هذه‭ ‬القرارت‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬إلى‭ ‬أسفل‭ ‬حتى‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تُحْدِث‭ ‬التَّغيير،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬وجدتموه‭ ‬مختلفًا‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬الخدمة؟‭ ‬وهل‭ ‬الأستاذ‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬كولن‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬درب‭ ‬السلطة‭ ‬ومسلكها‭ ‬هو‭ ‬الصحيح؟‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬منهج‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬التغيير؟ماذا‭ ‬رصدتم‭ ‬في‭ ‬ذلك؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬حقيقة‭ ‬أخي‭ ‬الكريم،‭ ‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الكلام‭ ‬الكثير،‭ ‬لقد‭ ‬قلنا‭ ‬أمس‭ ‬إن‭ ‬الإسلام‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الكلام،‭ ‬وحسب‭ ‬ما‭ ‬وقفنا‭ ‬عليه‭ ‬فإن‭ ‬الحركة‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬عمل،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالتجديد‭ ‬الديني،‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬يقول‭: ‬إن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬فهم‭ ‬الدين،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬ممارسة‭ ‬الدين‭. ‬تجديد‭ ‬فهم‭ ‬الدين‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الكتب،‭ ‬هناك‭ ‬كتب‭ ‬كثيرة‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬تجديد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم،‭ ‬لكن‭ ‬أين‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الواقع؟‭ ‬الأستاذ‭ ‬وضع‭ ‬إطارًا‭ ‬لتنزيل‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تمارس،‭ ‬أنت‭ ‬تجدد‭ ‬مفهومًا‭ ‬معينًا‭ ‬ثم‭ ‬تتركه،‭ ‬إذًا‭ ‬ما‭ ‬الفائدة؟

إذا‭ ‬لم‭ ‬تُنزِّل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬فما‭ ‬الفائدة‭ ‬من‭ ‬تجديد‭ ‬المفاهيم؟‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تجديد‭ ‬فهم‭ ‬الدين‭ ‬مصاحبًا‭ ‬لتجديد‭ ‬تنزيله،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬القنطرة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬فلا‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬تجديد‭ ‬فهم‭ ‬الدين‭ ‬كما‭ ‬نسمع‭ ‬اليوم،‭ ‬وبالعكس‭ ‬أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭ ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نلاحظه‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬بالذات،‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬راكمتها‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة‭ ‬وأن‭ ‬نقارن‭ ‬بما‭ ‬تحصَّل‭ ‬لدى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬طمعوا‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التنظير‭ ‬عمَّا‭ ‬يقول‭ ‬هؤلاء‭ ‬وأولئك؛‭ ‬هذه‭ ‬حركة‭ ‬راكمت‭ ‬بهدوء‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الخبرات،‭ ‬أقامت‭ ‬أعمالاً‭ ‬ومنجزات‭ ‬خيرية‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬العالم،‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تنتشل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬ومن‭ ‬الانحرافات‭ ‬ومن‭ ‬التخلف‭ ‬ومن‭ ‬الإبادات‭ ‬إلى‭ ‬آخره‭.‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تجديد‭ ‬فهم‭ ‬الدين‭ ‬مصاحبًا‭ ‬لتجديد‭ ‬تنزيله،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬القنطرة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬فلا‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬تجديد‭ ‬فهم‭ ‬الدين‭ ‬كما‭ ‬نسمع‭ ‬اليوم‭.‬

وبالموازنة‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬تجارب‭ ‬بعض‭ ‬الإسلاميين‭ ‬الذين‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬لم‭ ‬يصاحبها‭ ‬إلا‭ ‬العنف،‭ ‬لأنك‭ ‬إذا‭ ‬طمعت‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬أنت‭ ‬لست‭ ‬وحدك‭ ‬الذي‭ ‬تطمع‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬هناك‭ ‬كثيرون‭ ‬أيضًا‭ ‬يطمعون‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬وإذا‭ ‬أخذتها‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬سيقاتلك‭ ‬عليها،‭ ‬لكن‭ ‬الخير‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬إذا‭ ‬أخذته‭ ‬فهناك‭ ‬قليلون‭ ‬سوف‭ ‬يقاتلونك‭ ‬عليه‭. ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬استطاعت‭ ‬حركة‭ ‬الخدمة‭ ‬تحصيله‭ ‬وفعله،‭ ‬فقد‭ ‬حقَّقت‭ ‬مكتسبات‭ ‬ومنجزات‭ ‬خيرية‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬كما‭ ‬سمعنا‭ ‬وكما‭ ‬قلتم،‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تنتشل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬ومن‭ ‬الانحرافات‭ ‬ومن‭ ‬التخلف‭ ‬ومن‭ ‬الإبادات‭ ‬إلى‭ ‬آخره‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬إذا‭ ‬تسابقوا‭ ‬معك‭ ‬في‭ ‬الخير‭ ‬نافسوك‭ ‬في‭ ‬الخير،‭ ‬فهذا‭ ‬ما‭ ‬دعا‭ ‬الله‭ ‬إليه‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬هذا‭ ‬صحيح،‭ ‬لكن‭ ‬التنافس‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬دموية‭ ‬وإلى‭ ‬حروب‭ ‬أهلية،‭ ‬وهذا‭ ‬رأيناه،‭ ‬رأينا‭ ‬هذا‭ ‬البراديم‭ ‬للحركات‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬رؤيتها‭ ‬في‭ ‬الإصلاح‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬ولقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬العملية‭ ‬فشل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬ويأملون‭ ‬خيرًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬لكني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬سوف‭ ‬تثبت‭ ‬لهم‭ ‬خطأ‭ ‬رؤيتهم،‭ ‬وسوف‭ ‬يعيدون‭ ‬الكرَّة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬كثيرون‭. ‬هناك‭ ‬البعض‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬الزوايا‭ ‬الصوفية،‭ ‬وهناك‭ ‬البعض‭ ‬اقتنع‭ ‬بالتربية‭ ‬وهناك‭ ‬آخرون‭ ‬غادروا،‭ ‬والكثيرون‭ ‬الآن‭ ‬ينتقدون‭ ‬تجارب‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬وتجارب‭ ‬الحركات‭ ‬الإسلامية‭ ‬الأخرى‭ ‬لأنها‭ ‬بنت‭ ‬نظريتها‭ ‬في‭ ‬الإصلاح‭ ‬على‭ ‬مسلك‭ ‬السياسة،‭ ‬والسياسة‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬طبيعتها‭ ‬أنها‭ ‬تفرِّق،‭ ‬وأنها‭ ‬تصنع‭ ‬الصراعات‭ ‬ولا‭ ‬تبني،‭ ‬والتجارب‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬أكدت‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬هناك‭ ‬إسلاميون‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬النتيجة؟‭ ‬إنهم‭ ‬يدورون‭ ‬في‭ ‬فراغ،‭ ‬عملية‭ ‬انتخابية،‭ ‬مصالحة،‭ ‬توافق‭ ‬إلى‭ ‬آخره،‭ ‬والمحصِّلة‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬يضيع،‭ ‬لازال‭ ‬الفقر‭ ‬منتشرًا،‭ ‬ومعدلات‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬ازدياد،‭ ‬ومؤشر‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬تأخر،‭ ‬لا‭ ‬يمكنك‭ ‬إحداث‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬لأن‭ ‬الخلافات‭ ‬السياسية‭ ‬تجعلك‭ ‬دائمًا‭ ‬تؤجل‭ ‬ويبقى‭ ‬التأجيل‭ ‬مفتوحًا‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬عن‭ ‬أحد‭ ‬ينتقد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬الخيرية،‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬عن‭ ‬أشخاص‭ ‬ينتقدون‭ ‬مشروعات‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬للخدمة‭ ‬أو‭ ‬لغير‭ ‬الخدمة‭.‬

نوزاد‭ ‬صوش‭:‬‭ ‬أستاذي‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬مفهوم‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬وتفعيل‭ ‬الأستاذ‭ ‬للمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬محاولة‭ ‬لنمذجة‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬إسلامية؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬هذا؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬الخدمة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أسلمة‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬البعض،‭ ‬وإنما‭ ‬التجربة‭ ‬تعني‭ ‬ممارسة‭ ‬الإسلام‭ ‬أو‭ ‬إحياء‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬قلنا‭ ‬تجديد‭ ‬فهم‭ ‬الدين‭ ‬وتجديد‭ ‬ممارسة‭ ‬هذا‭ ‬الفهم،‭ ‬هذا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر،‭ ‬لأن‭ ‬مصطلح‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬هذا‭ ‬مصطلح‭ ‬أوروبي‭ ‬لديه‭ ‬سياقه،‭ ‬أنجز‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬ظهر‭ ‬فيها،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬موافقًا‭ ‬لأديانهم‭ ‬ولثقافتهم،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬مصطلحًا‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬ومشروعًا‭ ‬لأنه‭ ‬ملتصق‭ ‬بثقافتهم،‭ ‬نحن‭ ‬أيضًا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬شيء‭ ‬ملتصق‭ ‬بثقافتنا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تقلد‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬غيرك‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬موافقًا‭ ‬لموروثك‭ ‬الثقافي‭ ‬والديني،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬غيرك‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬شيئًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬عن‭ ‬عقيدته‭ ‬وثقافته،‭ ‬فمثلاً‭ ‬نظام‭ ‬الوقف‭ ‬عندنا‭ ‬أو‭ ‬نظام‭ ‬الزكاة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للغرب‭ ‬أن‭ ‬يأخذه‭ ‬عنا،‭ ‬أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬التجديد‭ ‬الحضاري،‭ ‬نحن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نجدد‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الإسلام؛‭ ‬ولذلك‭ ‬فالسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطرح،‭ ‬هل‭ ‬عجز‭ ‬الإسلام‭ ‬عن‭ ‬إبداع‭ ‬هذه‭ ‬الاصطلاحات،‭ ‬أو‭ ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬كمسلمين‭ ‬عاجزون‭ ‬عن‭ ‬ابتكار‭ ‬اصطلاحات‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬ديننا؟‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬نحن‭ ‬إذا‭ ‬رجعنا‭ ‬إلى‭ ‬المفكرين‭ ‬الأوائل‭ ‬الذين‭ ‬بنوا‭ ‬النهضة‭ ‬الأوربية‭ ‬وعصر‭ ‬التنوير‭ ‬سنلاحظ‭ ‬شيئًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬جدًّا،‭ ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬كتبت‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الماضية،‭ ‬والقليلون‭ ‬جدًّا‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬يلتفتون‭ ‬إليه،‭ ‬والبعض‭ ‬ربما‭ ‬يهمله‭ ‬ويتناساه‭ ‬عمدًا‭ ‬متعمدًّا،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬التنويري‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬بني‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الأناجيل،‭ ‬وهذه‭ ‬مسألة‭ ‬نحن‭ ‬نهملها،‭ ‬جميع‭ ‬المفكرين‭ ‬روسو‭ ‬جون‭ ‬لوك‭ ‬سبونوزا،‭ ‬كلهم‭ ‬وغيرهم‭ ‬بالمئات‭ ‬بنوا‭ ‬فكرهم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الكتب‭ ‬المقدسة،‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدس،‭ ‬جميع‭ ‬المفاهيم‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدس،‭ ‬والسؤال‭ ‬هنا،‭ ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬عاجزون‭ ‬أن‭ ‬نُخرج‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬شيئًا‭ ‬حضاريًّا‭ ‬يواكب‭ ‬العصر؟‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمصطلحات‭ ‬الغربية،‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬تُكرِّس‭ ‬التبعية‭. ‬وما‭ ‬يميز‭ ‬مشروع‭ ‬الحركة‭ ‬أنه‭ ‬أجاب‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وأعطانا‭ ‬أملاً‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬صناعة‭ ‬إنسان‭ ‬جديد‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬أصالته‭ ‬ويواكب‭ ‬العصر،‭ ‬ولذلك‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬الخدمة‭ ‬مشروع‭ ‬مركب،‭ ‬وأن‭ ‬الصيغ‭ ‬الإدارية‭ ‬والصيغ‭ ‬التنظيمية‭ ‬التي‭ ‬يتحرك‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنها‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬الغربي‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬لأنه‭ ‬يعطي‭ ‬أيضًا‭ ‬بعدًا‭ ‬أُخرويًّا‭.‬

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬والغربي‭ ‬يعطي‭ ‬بعدًا‭ ‬دنيويًّا‭ ‬صرفًا،‭ ‬ثم‭ ‬يُسَطِّر‭ ‬أهدافًا‭ ‬معينة‭ ‬يُحققها‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب‭ ‬والمتوسط‭ ‬والبعيد‭ ‬ثم‭ ‬تنتهي‭ ‬الأمور،‭ ‬لأن‭ ‬الأمور‭ ‬كلها‭ ‬اجتماع‭ ‬فيما‭ ‬بيننا،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬الخدمة‭ ‬المأخوذ‭ ‬من‭ ‬النظرية‭ ‬القرآنية‭ ‬هذا‭ ‬مشروع‭ ‬مفتوح،‭ ‬نموذج‭ ‬المرأة‭ ‬الخادمة‭ ‬التي‭ ‬تخلَّت‭ ‬عن‭ ‬ثُلثي‭ ‬دخلها‭ ‬للخدمة‭ ‬ماذا‭ ‬تنتظر؟‭! ‬هل‭ ‬تنتظر‭ ‬أرباحًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المشروع؟‭ ‬بالطبع‭ ‬لا،‭ ‬لكنها‭ ‬تنتظر‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬عز وجل‭ ‬في‭ ‬الآخرة،‭ ‬هي‭ ‬تدرك‭ ‬فعلاً‭ ‬ما‭ ‬تفعله،‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬أرباحًا،‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬المفهوم‭ ‬مفهوم‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني‭ ‬لكانت‭ ‬دفعت‭ ‬ثلثي‭ ‬مالها‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬أن‭ ‬تثمر‭ ‬تضحيتها‭ ‬مشاريع‭ ‬أخرى‭ ‬وأن‭ ‬تتطور‭ ‬الخدمة،‭ ‬وهذا‭ ‬يوافق‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬عند‭ ‬الصوفية‭ ‬بالتخلية‭. ‬السيدة‭ ‬أخلت‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬الطمع‭ ‬في‭ ‬الدنيا،‭ ‬وأصبح‭ ‬لديها‭ ‬قابلية‭ ‬ورغبة‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬طواعية‭ ‬لله‭ ‬عز جل،‭ ‬كما‭ ‬استمعنا‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬قالوا‭ ‬إنهم‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬البوسنة‭ ‬ويقضي‭ ‬بعضهم‭ ‬نصف‭ ‬السنة‭ ‬في‭ ‬سياحة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬وبناء‭ ‬المشاريع‭ ‬واللقاء‭ ‬مع‭ ‬المساكين‭ ‬والفقراء،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬التضحية؟‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬سيف‭ ‬معين‭ ‬فرض‭ ‬عليه؟‭ ‬لقد‭ ‬سمعنا‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يتكفل‭ ‬بهم‭ ‬بعض‭ ‬أبناء‭ ‬الخدمة‭ ‬بعدما‭ ‬درسوا‭ ‬وتخرجوا،‭ ‬أحيوا‭ ‬سُنَّة‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬فهاجروا‭ ‬إلى‭ ‬أصقاع‭ ‬الأرض،‭ ‬ثم‭ ‬قاموا‭ ‬بدورهم‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬الخدمة،‭ ‬فساهموا‭ ‬في‭ ‬التكفُّل‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬غيرهم‭ ‬معهم،‭ ‬من‭ ‬قال‭ ‬لهؤلاء‭ ‬أن‭ ‬يمارسوا‭ ‬دورهم‭ ‬الذي‭ ‬فُعِل‭ ‬معهم؟‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالوازع‭ ‬الداخلي،‭ ‬أو‭ ‬ضمير‭ ‬المسلم،‭ ‬ضمير‭ ‬المسلم‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المسلم‭ ‬أخ‭ ‬للمسلم،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬أستاذي‭ ‬إذا‭ ‬سمحتم‭ ‬بجمل‭ ‬وجيزة،‭ ‬كيف‭ ‬تصف‭ ‬وتُعرِّف‭ ‬الخدمة؟‭ ‬وكيف‭ ‬تُعرِّف‭ ‬الأستاذ؟

إدريس‭ ‬الكنبوري‭:‬‭ ‬كما‭ ‬قلت‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬الذي‭ ‬ابتكر‭ ‬مصطلح‭ ‬الخدمة‭ ‬رجل‭ ‬عبقري،‭ ‬ورجل‭ ‬يريد‭ ‬الخير،‭ ‬لأن‭ ‬كلمة‭ ‬خدمة‭ ‬دائمًا‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعمل‭ ‬معين‭ ‬تُقَاضَى‭ ‬عليه،‭ ‬يعني‭ ‬تُجَازى‭ ‬عليه‭ ‬ماديًّا،‭ ‬لكن‭ ‬مفهوم‭ ‬الخدمة‭ ‬كما‭ ‬وضعه‭ ‬الأستاذ‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تخدم‭ ‬الآخرين،‭ ‬وأن‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬احتضان‭ ‬الوجود‭ ‬كلّه‭ ‬بأصدق‭ ‬وأخلص‭ ‬النوايا،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬الحركي‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وكما‭ ‬نقول‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ “‬خادم‭ ‬القوم‭ ‬سيدهم‭”‬،‭ ‬فهؤلاء‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السادة‭ ‬الذين‭ ‬يتحركون‭ ‬لخدمة‭ ‬الآخر،‭ ‬المفهوم‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬مفهوم‭ ‬عبقري‭ ‬بكل‭ ‬صراحة،‭ ‬وفيه‭ ‬عملية‭ ‬استشهادية،‭ ‬وفيه‭ ‬قتل‭ ‬لنواة‭ ‬الأنانية‭ ‬ونواة‭ ‬العجرفة‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الشيء‭ ‬الأساسي‭.‬

الخدمة‭ ‬حقَّقت‭ ‬مكتسبات‭ ‬ومنجزات‭ ‬خيرية‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬العالم،‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تنتشل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬ومن‭ ‬الانحرافات‭ ‬ومن‭ ‬التخلف‭ ‬ومن‭ ‬الإبادات‭ ‬إلى‭ ‬آخره‭.‬

لقد‭ ‬تعرَّفت‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬تعرَّفت‭ ‬على‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتبه،‭ ‬وأقولها‭ ‬بكل‭ ‬صراحة‭ ‬لقد‭ ‬فوجئت،‭ ‬واعتقدت‭ ‬في‭ ‬بادئ‭ ‬الأمر‭ ‬أنني‭ ‬أمام‭ ‬رجل‭ ‬من‭ ‬الدراويش،‭ ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬قرأت‭ ‬الكتاب‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث‭ ‬أحسست‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬وراءه‭ ‬مشروع،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يتحرك‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬لديه‭ ‬تجربة‭ ‬فكرية‭ ‬وروحية‭ ‬قوية،‭ ‬صبَغ‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬تلقاها‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬بلونه‭ ‬الخاص،‭ ‬وأوصلها‭ ‬إلى‭ ‬أبناء‭ ‬عصره‭ ‬مع‭ ‬تركيبات‭ ‬جديدة‭ ‬وقوالب‭ ‬جديدة‭ ‬وتفسيرات‭ ‬جديدة،‭ ‬يدفعك‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭ ‬البناءة‭ ‬الفاعلة‭ ‬المنجزة،‭ ‬إنني‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬رجل‭ ‬صالح‭ ‬أراده‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬ليجدد‭ ‬لهذه‭ ‬الأمة‭ ‬دينها‭. ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أننا‭ ‬أمس‭ ‬بينما‭ ‬كنا‭ ‬نتحدث‭ ‬فكرت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬وهو‭ ‬أنه‭ ‬قُضي‭ ‬على‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المكان،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬أيضًا‭ ‬يجمع‭ ‬الأستاذ‭ ‬كولن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال،‭ ‬فهذه‭ ‬مفارقة‭ ‬تاريخية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تأمل‭.‬

نوزاد‭ ‬صواش‭:‬‭ ‬شكرًا‭ ‬جزيلاً،‭ ‬أستاذي‭ ‬كان‭ ‬حوارًا‭ ‬دسمًا‭ ‬وعميقًا‭ ‬وطيبًّا،‭ ‬ومثل‭ ‬تلك‭ ‬الحوارات‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬لها‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬تنتهي،‭ ‬والكلام‭ ‬طبعًا‭ ‬ذو‭ ‬شجون‭ ‬فإلى‭ ‬أن‭ ‬نلقاكم‭ ‬في‭ ‬حورات‭ ‬أخرى‭ ‬نستودعكم‭ ‬الله‭.‬‭ ‬