يبيّن فتح الله كُولَنْ أن الدعاء يعني قبل كلّ شيء تعظيمَ الله والثقةَ بأنّه تعالى قادرٌ على كلِّ شيءٍ، وأنه سبحانه يستطيع أن يجعل كلَّ ما يبدو لنا مستحيلًا أمرًا ممكنًا، فنحن نعبّر في الدعاء عن حالنا الرثّ.

إن الدعاء كما يرى كولن: “يقدّم ما نطلبه إلى الحقّ، ويشرح عالمنا الروحيّ متوجّهًا به إلى بابه تعالى الذي هو محرابُنا الأبديّ، فنبوح إليه بما في داخلنا، ونُحكِم غلقَ أفواهنا “تأدُّبًا في حضرته”، وننتظر صامتين، ويعتبر هذه الحال بالنسبة للبعض عرضَ حال أبلغَ بكثيرٍ من أبلغِ الكلمات، وبيانًا يتجاوز أسمى العبارات، ولما كان الله تعالى يعلم حالنا كلّه؛ سرَّنا وجهرَنا كان الجوهر أهمَّ مما يُنطقُ في الدعاء من كلماتٍ.

الدعاء الفعلي

من المعاني التي لفت الأستاذ فتح الله كولن الانتباه إليها رؤيته للدعاء على أنه عبادةٌ تحتوي معنى العبودية، تمارَس قولًا وفعلًا، والدعاء الفعليُّ هو الوفاء بما يلزم الوفاء به من أجل الوصول إلى النتيجة المرجوّة، ولما كانت الدنيا دار حكمةٍ وأسبابٍ؛ كان حرثُ الفلّاح الحقلَ في موعده وزرعُه الأرض، واستخدامُ المريض الدواء على سبيل المثال دعاءً فعليًّا، هذا النوع من الأدعية يُقبل بصفةٍ عامّةٍ، ما لم يُردِ الله تعالى شيئًا آخر؛ كأن يعاقبَ الفلّاحَ بألا يعطيه ثمرة ما زرعه لخطأٍ ارتكبه، أو أن يريدَ أن يمتحنه بشكلٍ ما ولحكمةٍ ما، أو لأن موعد وفاة المريض بسبب ذلك المرض لم يَحِنْ بعدُ، أو أنه ليس خيرًا له أكثر من معاناته المرض على سبيل المثال، حتى إن حرثَ الحقل وبذرَ الحبوب، والذهابَ إلى طبيبٍ خبيرٍ واستخدامَ العلاج، أي التوجّه إلى الله بالدعاء الفعلي بكلّ هذه الأشياء؛ لا يمنع من التضرّع شفهيًّا وقوليًّا في الاتّجاه نفسه، بل على العكس تمامًا؛ لا بدّ وأن يتّحد الدعاء الفعليّ والدعاء القوليّ ويتوافقا.

الدعاء والإجابة

يرى كولن أن كل دعاء ليس بضرورة محلًّا للاستجابة فيقول: “لأننا لا نأخذ بعين الاعتبار إلا رغباتنا وطلباتنا المتعلّقة بأيّامنا الحاليّة، فنضيّق بهذا إطارَ طلباتنا، وننسى أو نُهمل المستقبل أو الأمور الأخرى المتعلّقة بنا عن قربٍ، ولا نأخذها بعين الاعتبار، ولكنه تعالى يرى حالنا الحاضر، وكذلك مستقبلَنا القريب والبعيد في اللحظة نفسِها، فيوسّع ما ضيّقناه حتى يجعل أدعيتَنا تتّسع وتشمل الدارين -الدنيا والآخرة- ويستجيب لها ضمن أبعادٍ متعدّدةٍ حسب موجبات رحمته وحكمته. أجل!.. فهو عندما يُنير أوضاعنا الحاليّة لا يفسد مستقبلنا، ولا يحوّل أضواء أيّامنا الحاليّة إلى ظلماتٍ في المستقبل، وعندما يقوم بالإنعام علينا لا يَسحب من الآخرين نِعَمَهُ ولا يحرمُهم من فضله، بل يستجيب لنا وللآخرين ليظهر لنا أنه سمع أدعيتنا، وأخذ طلباتنا بعين الاعتبار، فيهب قلوبَنا بقربه وحضوره انشراحًا وبهجةً وراء كلِّ خيالٍ وتصوُّر”.

المصدر: كتاب (فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري)، دار النيل للطباعة والنشر.

ملاحظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.