الملخص

يمثل العلامة فتح الله كولن في كتاباته الثرَّة النابضة بهموم الإصلاح، وفي حركته الخصيبة الواصلة بين عالمي الوجدان والعمران، قامة دعوية ومدرسة سامقة في عصرٍ يضج بآلاف المقولات الضاغطة، والفلسفات والنزعات الفكرية المتيبِّسة أو الخضراء المُمْرِعة. غير أن كتاباته الغزيرة وكلماته النيِّرة المتشبعة بروح التأمل والصفاء الروحي الرائق، والنزوع الإنساني الراقي، يمكن إدراجها -رغم تعدد مساحاتها المعرفية- في مسلك “الكتابات الحضارية”، التي تروم إشباع مَنزعين أساسيين هما: إحياء مناطق “الإبصار الإيماني” في ممالك الذات، وتحصين الالتزام السلوكي الفردي والجماعي بحركة هذه الذات في معتركها الحضاري الإنساني، مع خلق توافق إيقاعي بينهما حتى يتخلصا من فداحة الدمار وخطيئة البوار.

وقد جال الكاتب جولة معرفية في ثنايا كتاب “ونحن نبني حضارتنا” للأستاذ فتح الله كولن، أبانت عن خلاصة استجمعت رؤى هرمه الفكري الحضاري بحلقاتها الثلاث، “فقه القلب”، و”فقه الدعوة” و”فقه العمران” التي مزجت بين “شخصية المربي، وشخصية الداعية، وشخصية المفكر المصلح”.

المقال

يمكن ترسيم الخطاطة المعرفية التي تنضفر فيها كتابات الأستاذ فتح الله كولن الحضارية من خلال الشجرة المعرفية التالية:

  • فقه القلـب في بعده التزكوي.
  • فقه الحركة في بعدها الدعوي.
  • فقه العمران في بعده الحضاري.

وإنَّ إدراجنا مؤلفاته الخصبة والغزيرة في جنس “الكتابة الحضارية” ليستند إلى ما تؤشر عليه من معضلات أصابت الأمة في مقاتلها الروحية والأخلاقية والثقافية. وما تؤشر عليه كذلك وسائل الدعم والإنقاذ لها برسم صورة المستقبل الحضاري السعيد.

وكتاب الأستاذ كولن “ونحن نبني حضارتنا” يختزل طروحات مؤلفاته السابقة، ويستجمع نوياتها وموادها النابضة في بعدين أساسيين: بعد تكويني وبعد تمكيني.

  • فالبعد التكويني: يتشكل من حلقتيه المعرفيتين “فقه القلب” أو المرتبط بالتكوين والتشكيل الذاتي الداخلي، و”فقه الحركة” المرتبط بهموم الدعوة والداعية على مستوى التكوين الخارجي للآخر.
  • أما البعد التمكيني: فهو الحلقة الثالثة من شجرته المعرفية الفارهة والمتمثل في “فقه العمران” ببعده الحضاري الإنساني ذي القوانين والسنن الحركية الوجودية.

فمن مؤلفاته ذات البعد التكويني “التزكوي” في فقه القلب كتاب: “التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح”، وهو تنظير عميق ومستفيض لهذا الفقه الكبير. أما مؤلفاته ذات البعد التكويني الدعوي “فقه الحركة” فمنها: “طرق الإرشاد في الفكر والحياة”.

ويمثل كتاب “ونحن نبني حضارتنا” والذي هو موضوع هذه المقاربة، جمعًا بين أصول الكتابين السابقين، مع التأشير المعمَّق على “فقه العمران” الحضاري في سُنَنيته، وبسط النظر في شروط النهوض الحضاري وعوامل السقوط والأفول.

فقه القلوب

يمثل الأستاذ كولن في كل كتاباته النثرية والشعرية أحد رجالات الروح العظام، وأحد أبطال القلوب الرهيفة الذين أراقوا مواجدها، وذوب أحزانها، ونشوة أفراحها الإيمانية الكبيرة في كل كلمة خطتها يمينه المتوضئة. ولذلك بلور في كتاباته الخصيبة أصول وقواعد ومقاصد هذا الفقه الكبير “فقه القلوب”، والذي تجاوز به الإطار المدرسي المحدود إلى الإطار الحضاري الإنساني اللامحدود. واعتبر “فاعلية حضوره” وراء كل حركة إنسانية هادفة أو خابطة: البدءَ والمنتهى، البذرةَ والثمرة، المسير والمصير، المنطلق والمآل، السيرورة والصيرورة، انطلاقًا من سياقين ضابطين:

يمثل الأستاذ كولن في كل كتاباته النثرية والشعرية أحد رجالات الروح العظام، وأحد أبطال القلوب الرهيفة الذين أراقوا مواجدها، وذوب أحزانها، ونشوة أفراحها الإيمانية الكبيرة في كل كلمة خطتها يمينه المتوضئة.

أ- سياق نصي صريح: يتمثل في المدونتين النصيتين الصحيحتين “الكتاب والسنة”، في عشرات النصوص التي تؤكد أطروحة “مركزية القلب في التصور الإسلامي” وخطورته التوجهية، وعلاقته بصناعة الإنسان الذي يعد محور التكليف الاستخلافي من هذا الوجود. فمن خلال قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد:11)، يبتدئ – مفاهيميًا – أن الإنسان أو المحتوى الداخلي له هو الأساس لحركة التاريخ، أما البناء الاجتماعي والحضاري العلوي بكل وشائجه وأنظمته وسلوكياته، فهو مرتبط بهذه القاعدة في “البقاء أو الفناء”.

فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان “القلب” والبناء العلوي الحركي أو العمراني علاقة تبعية، فتغير ما بِقوم من أوضاع تبعٌ لتغيير ما بأنفسهم. فالمحتوى النفسي والقلبي للفرد والجماعة أساس وقاعدة التغيرات الفوقية والعلوية للحركة التاريخية.

وكذلك قوله تعالى: “ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب” (متفق عليه)، فهو تأشير على خطورة هذا العضو في التوجيه الخارجي “سلوك الجسد” الفردي، فعالم القلب عالم رحيب تصطرع فيه قوى الخير والشر، والنور والظلام، والحركة والجمود، فإذا تغلبت عناصر الخير والصلاح فقد أتيح للحياة أن تتحسس مواطئ أقدامها على طريق الحياة الحضارية السديدة، وإذا انتصرت عناصر الشر والظلام فقد تَحدَّد اتجاه الحياة إلى الجدب والأفول.

واصطراع القلب بالنفس في كل نزوعاتها “اللوامة والأمارة” هو لتحقيق “التضوء”(1) القيمي لمعاني الخير النفسي، ومعاني الشر النفسي، وتوجيهه للواقع المادي الصاخب الذي يباشره الإنسان عبر سعيه الحضاري الكادح بعلاقاته المتشابكة، ليكون لقاء المسلم بهذا الواقع لقاء ترشيد وخيرية واعدة، تعمل على ربط الأرض بالسماء، والإنسان بالله، والمادة بالروح في حلول كامل.

وخلاصة ما تؤشر عليه المدونة النصية/ المصدرية “الكتاب والسنة” هو أنَّ منطلق الأعمال في فقه القلب “النية الحسنة”، ومآلها “ابتغاء رضى الله”، ومنهجها “الصواب الموافق للشرع”، كما أنه في فلسفته استشعار حي للوجود والحضور الإلهي في الكون الذاتي والموضوعي للإنسان في حياته وما بعدها، وفي استشعاره حقيقة مهمته الاستخلافية، والارتفاع “بالعمل” عبر مقامات التزكية إلى وضعية الخلقية والوجودية.

وهي فلسفة واضحة التخوم والأبعاد، تجعل القيم القلبية في مساحتها النفسية وقودَ فعل التغيير الخارجي، وتُحيل المساحة الزمنية إلى إطار للعمل التغييري، وتحيل المساحة المكانية إلى مجال حركة الفعل، وتجعل المساحة السلوكية الحضارية مناط تحقق هذا الفعل في تناغم هادئ ومتساوق.

كتاب الأستاذ كولن “ونحن نبني حضارتنا” يختزل طروحات مؤلفاته السابقة، ويستجمع نوياتها وموادها النابضة في بعدين أساسيين: بعد تكويني وبعد تمكيني.

ب- سياق معرفي ضابط: ينطلق من حلقات شجرته المعرفية الحضارية، والتي تَعتبر “فقه القلب” هو منطلق الحركة التغيرية “الدعوية والعمرانية”، وهو أساس انبثاقها الصحيح، أو ضياعها الخابط، ولذلك نجد في هذا الكتاب “ونحن نبني حضارتنا” تعميقًا لهذا النزوع المعرفي الذي لا يخلو فصل من فصوله من الإشارة إليه – تصريحًا أو تلميحًا – في خصائصه ومقوماته ومفاهيمه “النفسية/الحضارية” بما يخدم الحركتين “الدعوية والعمرانية”. فهو بمثابة البطانة الوجدانية الداخلية في تشريحه لقوانين الحضارة وسننها، وربط عوامل النهوض والسقوط بسننه النفسية المؤثرة على الفعل الجماعي عبر المسيرة التاريخية، وأيضًا في تأشيره على مكونات الثقافة الذاتية وألوانها الاجتماعية، وهو ما يستحق به أن تفرد له مباحث ضافية تكشف عن مفاهيمه وأصوله وقواعده وخصائصه وسننه، في علاقتها بالفكر الحضاري للمؤلف “معرفيًّا وحركيًّا”. وحسبنا أن نؤشر على بعضها في اقتضاب يناسب مقام هذه المقاربة.

المحددات المنهجية لفقه القلوب

تتخلل كتاب “ونحن نبني حضارتنا” الذي يجيب –أطروحيًّا– عن إشكالية السقوط والنهوض الحضاري للأمة، ملامحُ عامة لهذا الفقه الفريد “فقه القلوب”، والذي إذا استجمعنا خيوطه في عجالة بحثية واختزال مدرسي يمكن أن نعثر على بعض المحددات المنهجية: “مفهومًا ومقومات ووظائف”، لهذا العلم في تشابك وتواشج وظيفي مع الفكر الحضاري للمؤلف:

أ- على مستوى المفهوم: يشير الأستاذ كولن إلى سعة هذا العلم وشساعة مساحته الحياتية التي يتحرك فيها بقوله: “هو حوض فريد واسع للعلم والعرفان، مسنود بالبيان والبرهان والعرفان، يحتضن الحياة كلها ويغذيها ويثريها”ص: 94(2).

ورغم إدراجه لهذا الفقه في مجال مدرسي مألوف لدى الدارسين وهو “التصرف”، فإنه في بعض مؤلفاته خصوصًا مؤلفه التنظيري المهم “التلال الزمردية” يتناوله ضمن مبحث واضح: “القلب” بأحواله ومقاماته الإيمانية.

وقد أشار الأستاذ كولن في نص طويل إلى بعض الملامح والقسمات المفهومية لهذا العلم: “هو الحفاظ الدائم على طهارة القلب حيال دوافع الشيطان والنفس، وردع النفس عن ميولها الخاصة، وتضييق مجالها بقدر المستطاع، ومواصلة السير في طرق الارتقاء نحو الإنسانية الحقيقية، بالكد الدائم للبقاء في مستوى الحياة القلبية والروحية، وتكريس الحياة على تحقيق السعادة المادية والمعنوية للآخرين، ومع منتهى الجدية في المناسبات مع الحق تعالى، واتباع نهج النبوة في عدم انتظار الأجر حتى في أصدق الجهود وأخلصها، وفي أعظم الأعمال وأشدها، والعزم على المسير أبدًا في ظلال المشكاة المحمدية  في مساعي العبودية للحق ، وإشهار العبودية صافية خالصة لا غرض فيها ولا عوض، بالتقيد الشديد في المناسبات مع الله تعالى وبإدراك نوعية المناسبة بين الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، والطالب والمطلوب والقاصد والمقصود، والقيام بمنتهى التحمل والصبر الدؤوب حيال المعاصي، وأداء العبادات والطاعات في لذة بالابتسام مع انشراح الصدر لقهره ولطفه تعالى في نفس المستوى، وربط كل أنواع السعي والهمة باستحسان الحق تعالى وليس بتقويمات البشر، والصبر على تباطؤ الزمن صبر الدجاجة الحضون” ص: 93.

ونستنتج من هذا النص الضافي بعض محددات هذا المفهوم الوسيع لفقه القلب:

  • المحدد التطهيري: من دوافع الشيطان النازغة، وهواتف النفس الأمارة.
  • المحدد التقويمي: لهوى النفس الغالب العاصف لكل القيم البانية.
  • المحدد الإنساني: باحتضان القيم الإنسانية الفطرية إيمانيًّا.
  • المحدد الإسعادي: بتعْدِية السعادة الداخلية إلى إسعاد “الآخر” ماديًّا ومعنويًّا.
  • المحدد الاحتسابي: بوضع الذات في باحة التجرد من جميع الإغراءات، وابتغاء الأجر من الله الوهاب.
  • المحدد التعبدي: بوضع الذات في سلك العبودية الخالصة، والتجرد من شباك العلائق العالقة والعائقة.
  • المحدد التلذذي: باعتصار لذاذات الطاعات الروحية، وتغليبها على كل الهواتف المغرية.
  • المحدد التحملي: بتلقي كل الابتلاءات الشائكة بالصبر الجميل الواثق.
  • المحدد التدرجي: بإنضاج الذات على نار التعبد الهادئة، حتى تصفو طينتها وترفَّ روحها عبر برنامج زمني يغطي عمر الفرد كله

وهذه الإضاءات ليست إلا بعض المحددات التي تنير عالم هذا “الفقه الكبير” في مفهومه الإنساني اللاحِب، والذي ينطلق من الذات تشريحًا وتخليقًا وصناعةً لأنها أساس التغيير الحضاري المنشود.

إن الذين سبقونا قد انقرضوا لما انحرفوا عن الغاية والهدف من وجودهم، ونحن اليوم في الموقف عينه، فالأصوب إذن أن نقاضي أخطاءنا بدلا عن الانشغال بأخطائهم. وإن سلمنا بوقوعها.

ب- على مستوى المقومات: من خلال إبحارنا المعرفي في هذا الكتاب القيم، يمكن استجماع خيوط مقوماته في العناصر الخمسة التالية:

  • الربانية: ففي الفصل الأول لكتابه، ذي الدلالة الواضحة على نزوع المؤلِّف الروحي والمعرفي المرتبط “بفقه القلب” والذي عنونه بـ “نحو سلطنة القلوب”، يشير الأستاذ كولن إلى “معنائية” هذا الفقه في حياة الإنسان، وذلك بتخلصه الوجداني من عذاب “الكثرة”، والارتباط بالمقوم الرباني الواحد والوحيد عبر استحضار قيمة “المعية” المشعة بالحب والتقديس، والتعلق برب واحد في ذاته وصفاته، “إن الحقيقة الفريدة التي تتلقاها روح الإنسان من كلٍّ من الإيمان والمعرفة وتعلق القلب بالله  هي المحبة، أما الحقد والكراهية وجوانب الضعف البشري، فتزول –حتمًا– بحلول هذه القيم السامية.أجل، إن معاني الإيمان والمعرفة والمحبة توحِّد بين الإنسان والكون، وفي الوقت عينه تنجيه من عذاب الكثرة وآلامها، فتذيب وحدته ووحشته الحيوانية في إكسير معية الحق تعالى، فتحول حياته إلى لذة أبدية ونشوة خالدة يرتشفها كأسًا بعد كأس” ص: 10/11.

كما يربط كل حركة دعوية أو حضارية عمرانية “بالمثل الأعلى”، والهدف الأسمى وهو “رِضا الله تعالى” سواء تحققت النتائج الحركية والحضارية بقيم الانتصار أو قيم الاندحار في أعمارنا المحدودة، “وحسب المنظور الإسلامي، يُعَدُّ المقصود حاصلاً بنوال الهدف البدهي لكل حركة أو انطلاقة، وهو رضى الله تعالى. فسواء بعد ذلك إن تحققت نتيجةُ الخدمات المقدَّمة باسم أمتنا بارتقائها إلى المكان اللائق بها في التوازن الدولي، أو لم تتحقق؛ فإن المؤمن يسعى لنوال رضاه تعالى في كل خدمة إيمانية وكل فعالية دعوية. فبهذه النظرة يتحول غيرها من الأهداف إلى أهداف إضافية واعتبارية ومجردِ وسائلَ تؤدي إلى الهدف الحقيقي” ص: 50.

كما يكشف عن تعريف بالغ الدقة والوضوح “لمنهج الإسلام” في بعده الوجداني الذي يربط القلب بالله، “وحقيقة الإسلام بإيجاز هي أن يصدِّق المرء بحقيقة الألوهية تصديقًا لا يحتمل الضد مطلقًا، ويوثق رابطة قلبه بالحق تعالى، ويؤدي التكاليف أداء دقيقًا ورقيقًا وكأنه يرى الله تعالى أو يراه الله تعالى، وأن يسعى في بلوغ رضا الله في كل عمل يعمله” ص: 173. وقوله كذلك في نفس المعنى: “هو مجموع السنن الإلهية المنزلة لإخراج البشر من سجن الحيوانية وضيق الجسمانية، وتجهيزهم للانطلاق والسياحة في الإقليم الرحيب الفسيح للقلب والروح. وإن روح هذا النظام الذي لا نظير له هو الإيمان، وجسدَه هو الإسلام، وشعورَه هو الإحسان، وعنوانَه المعظم هو الدين” ص: 176.

  • الأخلاقية: ففي إطار تشريحه لأزمة الغرب الذاتية “تصورًا وأخلاقًا” في الفصل الأول للكتاب “نحو سلطنة القلوب” وفي إطار الإشارة إلى عودة الروح للجيل الجديد، استعرض مجموعة من أخلاقيات فقه القلب المرتبطة بالتصور والإرادة والشعور على المستوى الفردي لتحقيق النهضة الحضارية المأمولة، “وعلم أن عليه أن يسدَّ الهوة السحيقة بين واقعه وذاته، بالهمة والإخلاص والدموع والشعور بالمحاسبة، وحمْل عصا الترحال بخزين من العزم والتوكل والثبات، ويسير إلى الآباد في هذا المسير الذي لن ينتهي وإن انتهت السبل وانقطعت بعد ما قال: “السياحة يا رسول الله”، وأن مصدر قوة روحه اللازم الذي لا فكاك منه في هذه السبيل، هو اكتشاف حقيقة الإيمان من جديد واستشعاره في وجدانه، وتغذية إرادته بالعبودية لله، حتى تبقى منفتحة ومستعدة للإقبال على الخير والصلاح، وتعميق روح الإحسان يومًا بعد يوم بالإحساس بحقيقة: “لي مع الله وقت”، ثم الارتباط الدائم بالعالم الآخر، وامتلاك آفاق روحية رحيبة. فإن أفلحنا في التزود بمثل هذه الذخائر المعنوية، فعندما يهتف الربيع ويحل الموسم ستُهرع إلى الحياة تلك البذورُ المنثورة بنشوة العبادة في أرجاء الأرض كلها، وستحيي عهودًا ورديةً عديدة دفعة واحدة في مجتمع المغمومين” ص: 9/10.

كما أشار المؤلف إلى الأخلاقيات الروحية والقلبية لإنسان الحضارة المأمول “وأن هذا الذي توجَّه وطَمَح إلى ذرى الحياة القلبية والروحية لهو على بصيرة من أمره، لذا فهو يعرف كيف يفكر ويتحرك ويعمل، ومن أين يبدأ، فهو حسَّاس في العبادات، ولديه استشعار عظيم بالأخلاق، وهو منفتح على المراقبة ومحاسبة النفس، ومنهمك في الشعور بالرهبة من الذنوب في مراقبة دائمة” ص: 54.

رؤية الأستاذ كولن استجمعت رؤى هرمه الفكري الحضاري بحلقاتها الثلاث، فقه القلب”، و”فقه الدعوة” و”فقه العمران”، التي مزجت بين “شخصية المربي، وشخصية الداعية، وشخصية المفكر المصلح”.

كما أشار المؤلِّف إلى “الأخلاقية” في بعدها الحضاري والكوني حين تلتصق بالقلب المؤمن الذي صقلته المجاهدات الروحية المكثفة، “لن يجتمع في القلب إيمان وارتباط بالله مع الحقد والكره والغيظ. وبالأخص إذا كان القلب يحافظ على جلائه ورونقه بتجديد إيمانه وانتسابه للحق تعالى وميثاقه، ويصقل ويجَلَّى كل يوم وأسبوع وعام بشتى أنواع العبادات فلا يُحتمل مطلقًا أن يبقى ذلك القلب مفتوحًا لتلقي العداوات. فإن كل تصرفاتنا الإسلامية تحفِّز فينا شعورَ التحرك المسلم، وتقودنا إلى الحياة الإيمانية. وبتواتر انعكاس مكتسباتنا الوجدانية ووارداتنا القلبية على سلوكياتنا، يتكوَّن نسيج أخلاقنا ويتلون بأبهى الألوان. وبدوام تدفقها من تصرفاتنا تتكون مرجعياتُ ثقافتِنا، فتؤمِّن لنا البقاءَ بذاتنا وشخصيتنا. وهكذا إذا كان التكمل في الإنسان مستندًا إلى ما وقر في قلبه من الإيمان بالله والاعتماد عليه والثقة به، فسيفيض ذلك على المحيط والبيئة حبًا واهتمامًا وإخلاصًا وودًّا. والفردُ المسلم بفضل هذه الجاذبية القدسية التي يحوزها يَخرج من الفردية ويكاد يكون أمة” ص: 59/60.

  • الدعوية: وهي مقوم يرتبط في مادته بالحلقة الثانية من منظومته المعرفية “فقه الحركة” والتي ربطها “بفقه القلب” في مجموعة من نصوصه الدالة، “إن من ينسى المقصود ويضيِّع الغاية المنشودة سيسقط -بالضرورة كائنًا من كان- في شباك الأنانية، وتحل رغباته الجسمانية محل عشق “الخدمة”، وتنطفئ عنده مشاعر “العيش من أجل الآخرين”.من هذه الزاوية يمكن القول بأن قضيتنا الكبرى التي تفوق كل القضايا هي “إلهاب جمرة الرغبة في إحياء الآخرين” في أرواح أفراد الأمة مرة أخرى” ص: 47/48.

كما تجلَّى هذا النزوع الحركي “القلبي” في استشهاده بنماذج “عصر السعادة” من الصحابة العظام رضي الله عنهم الذين مزجوا بين فقهي القلب والحركة مزجًا عبقريًّا، ظلَّ منارة مشعة لكل الأجيال الدعوية، “وحارَبوا -بلا هوادةٍ- جميع الرغباتِ الجسمانيةَ غيرَ المشروعة بمخالفتهم الدائبة للنفس، وكممثلين فضلاء لنظامٍ فاضل عَقَدوا العزمَ على “إحياء الآخرين”، ففَضَّلوا “إحياء غيرهم” على حياة أنفسهم، وكرسوا حياتهم لإسعاد الآخرين، وظلوا يقظين وحذرين دائمًا حيالَ أيِّ انزلاق، بملاحظة احتمال الضعف البشري. وفي حال تعثُّرهم بالمعاصي توجَّهوا إلى الحق تعالى بالتوبة والإنابة والأوبة بقلوبٍ خالصة أشد الخلوص، وتحروا على الدوام عن سبل الارتقاء العمودي، فعاشوا مبرمَجين على التحليق في الشواهق” ص:104/105.

  • العقلانية: “فقه القلب” عقلانيٌ وليس “تهويميًّا غيبوبيًّا”. )فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا( (الحج:46)، وعقلانيته تتمثل في استحضار معادلة “الفكر بالذكر والذكر في الفكر”. فالفكر المؤمن يتغذى من واردات الذكر وأُطُره المعرفية فيصطحبها في جولاته الكونية كما أن الذكر اللفظي والقلبي يستحضر نفاذ الفكر كي يتجاوز القشورية إلى العمقية الكونية.

وقد أشار الأستاذ كولن إلى الدور المهم للقلب في توجيه العقل، والتسلطن عليه “فإذا ارتبط العقل بالقلب وتزوَّد وتغذَّى من وارداته وأدام التزود منه، فإنه لا يترك عدوًّا إلا صرعه ودحره، أما إذا انقطعت وشيجته عن القلب، وانقلب من السماوية إلى الأرضية فإنه يصير خائنًا يرشد الأعداء، ويقيم في جيرة الشهوات، ويدافع عن الحقد أو البغض، وينضم إلى القوة العمياء فيقاوم السماوية ويخوض في الجدلية. فيتمادى في قتل القلب كل ساعة، ويقيم على أنقاضه سرادق النفس” ص: 74.

إن العقل والقلب والفكر وأحاسيس الإنسان وكذا الوحي بكل ثمراتها، لها جميعًا في نظامنا الفكري أهمية بالغة وكأنها وجوه متنوعة لشيء واحد.

كما أشار الأستاذ كولن إلى أن “القلب العقلاني” هو المؤهل لفهم إشارات القرآن ودلالاته البعيدة “فإن رجال الروح والقلب الداخلِين إلى عالم القرآن الآخذِ بالألباب، يرون كل شيء يشعرون به ويحسونه في قرارة أنفسهم كمفرداتِ فهرست، فيطالعونها مفصَّلاً في محتوى كتاب الكائنات، ويستشعرونها، ويُمضون أعمارهم كلها في عالم الإشارات والأمارات، في سعي حثيث نحو القرآن كمن يسيح في الأرض. نعم، هذا الكتاب ينير أفق عرفاننا بحيث لا يتعرض الإنسان -حينما يسيرُ على هداه نحوَ “عرشِ كمالِ” قلبه- لوحشة الطريق، ولا احتقانِ الفكر، ولا انقباض الروح…” ص: 85.

  • الحضارية: إن “فقه القلب” لا ينحصر في تهويمات المتصوفين، وأذكار العابدين، وتهجُّد القائمين، بل يتجاوز ذلك إلى تفعيل “الذات المشبعة بالإيمان” في سبيل تحقيق “الأحلام الحضارية” بطريقة إيجابية “صارت القلوب قادرة على أن تنهل من منابعها الذاتية وأن تحلم بتحقيق رؤاها الحضارية” ص: 14.

كما يربط الخلود الحضاري للأمم الفاعلة بأهم شروط “فقه القلب” وهو التعبئة الروحية: “إن كل الأمم التي تركت حضاراتُها آثارًا وبصماتٍ في التاريخ والخرائط الجغرافية، لم ينقش اسمها على صفحات التاريخ بأحرف بارزة إلا بمثل هذه المثابرة في التقديم والتنظيم، والقابلية في التركيب والتحليل والتعبئة الروحية والفوران المعنوي” ص: 21.

كما يؤكد على أن “فقه القلب” بذرة “الثمرة” الحضارة المزدهرة “إن الكلمة المفتاحية لفتح القلوب هي “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، بحيث إن كل الخصائص الإيمانية -حسب الإسلام- تتأسس على هاتين الجملتين الوجيزتين اللتين هما تعبير عن حقيقة لها وجهان؛ أحدهما: غاية، والآخر: وسيلة. فالإيمان الذي هو كـ”شجرة طوبى”، تنشأ من هذه البذرة، فتغطي -بما تؤتي من ثمار المعرفة- سماءَ أحاسيسِ سماء أحاسيس الإنسان وشعوره وإدراكه، ثم تتحول العلوم والمعارف كلها إلى العشق والاشتياق والحرصِ بحَملةٍ وهِمَّة داخلية وشعورٍ وحسٍ داخليٍّ، ليحاصر ذاك الإنسانَ من كل جهة، فيحوِّله إلى إنسان جديد قائمٍ على محور الوجدان…وتتمحور حركاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية كلها، حول قوة الجذب المركزي هذه… فتتشكل فعالياتُه الفنية وأنشطته الثقافية بهذه المقومات الداخلية، وتتوسع بها، وتَبْرُز بألوان القلب وأدائه الجميل تمامًا” ص: 52/53.

ج- على مستوى الوظائف: انطلاقًا من المقومات السابقة، مارس “فقه القلوب” مجموعة من الوظائف المهمة في عالمَي الوجدان والعمران، نحصر بعضها في المحاور التالية:

  • وظيفة تحفيزية: فالأستاذ كولن يربط التحفيز الروحي على مستوى الذات، بالتجديد الأساسي على مستوى المشروع الحضاري، “فإن أجيال اليوم المؤمنة السائرة في الطريق المشدودة بالتحفز الروحي الكامل استعدادًا لمنازلة الغبن والقهر والظلم الذي أصابها منذ قرون، يزفُّون بتحفزهم هذا من الآن بشائر مهمة عما سيتحقق من تجديدات أساسية في جميع طبقات المجتمع في مطالع الألفية الثالثة” ص: 4.
  • وظيفة إنقاذية: وذلك بالتخلص من آفة “الحرمان” وأصلها المرتبط بالقلب، “والقرآن يومئ إلى أصل الحرمان والخسران، وإلى أنه في القلوب التي عميت بصيرتها” ص: 72. وكذلك بإنقاذه من “الجوع الروحي” الذي يهدد النظم الإنسانية المعاصرة، “وكلَّما طال توجُّعُ الإنسان في قبضة حاجاته الجسمانية جراءَ خواءِ حياتِه القلبيةِ والروحية في هذه المرحلة، ازداد وقاحةً باعتبار البدن، فنَصب مطالبَه النفسانية حاكما وحيدًا على القيم الإنسانية جمعاء. والحال أن الابتعاد عن روح الإسلام هو السبب الأساس الكامن لمعاناة الإنسانية جمعاء من جوعٍ وعطشٍ حقيقيَين” ص: 98.
  • وظيفة تحريرية: لجهاز “القلب والروح” من قبضة النفس الأمارة الملوَّثة بكل الأدخنة والأتربة الخانقة، “وبدهي أن الأرواح التي لم تكتسب خفة بالتصفية بالإيمان والمعرفة والمحبة لن تقدر أبدًا على التحليق في سماوات ما بعد الأفق… ويقع نظام الروح أسيرًا في قبضة جهاز النفس، ولا يزيدون على الأكل والشرب والنوم والجلوس والقيام، فيغدون عبيدًا للبدن يأبون الانعتاق!” ص: 10.
  • وظيفة حركية: تتمثل في تجسير ‘القلب المؤمن” بمعترك الحياة لتعدية ما فيه من حقائق مُشعة إلى قلوب الآخرين، “هؤلاء أينما حلُّوا سيصبغون كل عين، وكل قلب بألوان الاحترام والخشية البادية والفائضة على تصرفاتهم حتى إن لم يتحدثوا عن الدين، أو لم يلفظوا بقول عن التدين…وسينفتح كل ما يتصل بهم على آفاق الروح” ص: 11.

وقد أبرز الأستاذ كولن دور البطولة الإيمانية في صناعة الحضارة عبر التزام برنامج “فقه الحركة” الدعوي العالمي “وظهور نماذجه في آلاف الأبطال الذين تركوا دُورَهم وأوطانهم مهاجرين إلى أرجاء الأرض المختلفة، وسعيهم في زرع فسائل روح الأمة في كل مكان، وعرضهم لعالمهم الروحي والمعنوي حيثما حلُّو، وكدهم من أجل إبراز موقع أمتنا الموروث من أعماق التاريخ لتملأ مقعدها الشاغر اللائق بها في التوازن الدولي” ص: 43. بل يربط المؤلف مقياس الاصطفاء الإلهي للأنبياء والرسل لتبليغ رسالاته بفقه القلب المتحقق في شخصياتهم الإيمانية، “بل اصطفى -حصرًا- لمثل هذا الأمر المهمِّ غايةَ الأهمية والخاصِّ جدَّ الخصوصية بعضَ ذوي السجايا الممتازةِ المجهزين بجهاز خاص والعائشين في مقام القلب والروح، فكلَّمهم” ص: 122.

  • وظيفة إيمانية: فالقلب المؤمن المشبع بيقينيات المركب الإيماني هو المؤهل –في نظر الأستاذ كولن– لصنع الحضارة الإنسانية المستقيمة، “ومن الحق أن حقيقة الإيمان المتأصلةَ في عالمنا الداخلي، إنما تُديم وجودَها بقدْرِ تناميها وتوسعِها في الحياة المعيشة؛ فإذا بُذِرت بذور الإيمان وترعرعت واخضرّت في القلوب، فذلك يعني أن الأفق منبسط أمامنا إلى اللانهاية للتطور والتوسع. وكما يكون إيمانٌ كهذا الإيمان في الإنسان مصدرًا لا يَنفَدُ للقدرة والحيوية، كذلك يكون قاعدةً ومنصةَ انطلاق للارتقاء به باسم “خلافة الله في الأرض” إلى حق “التدخل في الأشياء”، وتشكيلِ صور البيئة المحيطة حسب مشاعره وأفكاره الإيمانية…” ص: 60/61.

يربط الأستاذ كولن كل حركة دعوية أو حضارية عمرانية “بالمثل الأعلى”، والهدف الأسمى وهو “رضى الله تعالى” سواء تحققت النتائج الحركية والحضارية بقيم الانتصار أو قيم الاندحار في أعمارنا المحدودة.

وهذا القلب المؤمن المشع إيمانًا هو الذي يصبغ الحياة بلونه المشرق الوهاج “فالإيمان النافذ إلى دواخل الإنسان بهذه الدرجة، يتجلى في أحوال المؤمن كلها، سواء في الوظيفة أو التجارة أو معاملات الأسواق أو سائر الأنشطة الاجتماعية، فيطبع بصماته عليها…” ص: 192.

  • وظيفة معرفية: إن “فقه القلوب” يتشبع –معرفيًّا– بالعلوم الشرعية ومصادر الوحي لكي يزكو ويصفو، ويحقق وظائفه السابقة. فبالقرآن ينفسح القلب المؤمن، ويرتقي إلى عرش الكمالات “في العالم النوراني للقرآن، يتغير الوجود والأشياء والطبيعة فجأة، ويسمو العقل إلى رؤية الأشياء على حقيقتها، ويتمكن القلب في جوه النيِّر من التفسح تمامًا فينمو ويتطور. ويعلو إلى أن يربط كل شيء بسلطنة القلوب” ص: 107.

كما يرتبط بالسنة النبوية فيتطهر ويترقى في سلم المقامات النيرة، “فالسنة بفروعها كافة، المتعلقة بالعمل أو الأخلاق، أو البيانات التي صدرت حول التربية والآداب أو الدساتير الموضوعة في اتجاه تزكية النفس، وتربية الروح، هي مصدر لا ينفد في كل المساحات الواسعة، يضيء عيوننا وقلوبنا…” ص: 88.

القوانين الحضارية في الكتاب

إن الفكر الحضاري للأستاذ كولن، والذي يَتَنَمْذَج في مجموعة من القوانين الحضارية التي استعرضها –تنظيرًا وتطبيقًا- في كتابه “ونحن نبني حضارتنا”، تتواشج مع “فقه القلب” كخلفية مرجعية إيديولوجية هامة، باعتبار أن الحضارة في تعريفها “حصيلة تحرك الإنسان بعقيدته لتغيير واقعه الطبيعي والاجتماعي” على أساس أن الحضارة تشمل إلى جانب الثقافة الإنتاج المادي، فالتقنية تمثل جسم الحضارة والثقافة روحها.

وهذه القوانين تمثل أحد جوانب الفكر الحضاري للأستاذ كولن في شرحه للذات المسلمة والذات المتغربة، وفي “إبصاره التاريخي” لمواقع “الخلل” وبدائل “الصواب والعلاج” انطلاقًا من رؤيته الإيمانية العميقة المشبعة بالحمولة المعرفية “لفقه القلب”.

وسوف نستعرض ما استنتجناه من بعض هذه القوانين انطلاقًا من نصوصها الدالة.

  • قانون المداولة الحضارية: وهو مصطلح قرآني أصيل “وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ”(آل عمران:140)، يشير إلى معادلة “السقوط والنهوض الحضاري”، وكيفية تجنب آفاق السقوط، والتحقق بفضائل النهوض، “نعم إن التداول التاريخي ما فتئ يعيد نفسه في تشابه يقترب من التماثل، فظهر التصاعد إلى الذرى هنا أو هناك، وفي هذا العصر وذاك، لكن لم ينحصر السموق ولا النهوض أبدًا في قارة بذاتها وفي عصر بعينه… إن الذي يحدد ملامح هذا “الانبعاث” القديم قدم التاريخ البشري هو المستوى الفكري والثقافي للإنسان المعاصر، وأعماقه الإنسانية، وسعته الميتافيزيقية ورحابته الروحية…” ص: 6/7.
  • قانون الموقعة الحضارية: وهو قانون يستمد أصالته من مدلول قوله تعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)(المؤمنون:61)، فهذه المسارعة الحضارية والسبق الأممي هو دأب الصالحين الوارثين للأرض من أبطال القلوب الذين يتوفرون على مقوم الذاتية المحصنة، والاستشعار لحس المسؤولية الاستخلافية، “والأمر الوحيد الذي ينبغي أن نعمله اليوم هو أن نهرع إلى أخذ موقعنا في التوازن الدولي بالشعور الجاد بالمسؤولية وبهويتنا الذاتية ومن غير هدر للزمن، فإن تلكأنا في تعيين هذا الهدف، فقد نعجز عن إدراك الغد بله التقدم والتطور” ص: 7.
  • قانون الاستبدال الحضاري: وهو مصطلح قرآني أصيل مستمد من قوله تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ)(محمد:38)، ويسري على جميع الأمم حين تتفحم دواخلها، وتضعف أو تفقد فعاليتها الإيمانية القلبية، “ومن المحتمل بقوة أن المعنيين اليوم في الآيات الكريمة بالإذهاب والاستبدال هم النفوس الميتة. الذين لم يجددوا أنفسهم. وفرَّطوا في حق إيمانهم وتفحمت عوالمهم الداخلية…” ص: 8.
  • قانون القابلية للاستعمار: وهو قانون يؤشر على الانهزام القيمي الذاتي للأفراد والأمم، وانهيار المقاومة الحضارية للأمة وحصول عطالة وفراغ حضاري، “ولكن العجيب أن تتشكل رؤى هذا المجتمع في “الانبعاث من جديد” وأن يتوجه إلى قيمه الذاتية بعدما سبق إلى التضعضع في كل ما هو ذاتي فيه، وهُيِّيء ليستلب، وجعل قابلاً للاستعمار” ص: 11.
  • قانون الإحياء الحضاري: ويتضمن رؤية حضارية استشرافية للعودة، بفضل وظيفة الأزمات والمحن التي “تصهر” و”تنظف” و”توقظ” و”توحِّد” الصفوف التائهة لتحقيق هدف “الإحياء الحضاري”. “ومع الزلات والكبوات، كان الانخراط يمضي ويدوم في هذا الإحياء الذي صارت الجموع تستشعره في عوالمها الداخلية وفي أرواحها وقلوبها” ص: 13.
  • قانون التحقيب الصفوي للأمة: وهو نمذجة نظرية حضارية لمراحل تذبذب الأمة، بين مواقع “الخطل” و”واحة النجاة”، انطلاقًا من التعرية الروحية، إلى مرحلة الغيبوبة إلى مرحلة ردة الفعل إلى مرحلة الاستشعار الواعي إلى مرحلة مقاومة التوظيف المشبوه لصحوتها من طرف الأعداء المتربصين. “وتوالت عوامل التعرية الروحية، ولقد بدا كل شيء في البداية كردِّ فعلٍ للأفكار المستهان بها، والمعتقدات المتعرضة للتزييف والضمائر المقموعة. ثم أعقب ذلك حركات مستشعرة واعية وأنشطة مستديمة، فمن اللائق أن نعتبر تلك البداية بداية حقيقية للانبعاث بعد الموت لأمتنا، وكان طبيعيًّا أن يظهر بعد هذه المرحلة – كما ظهر من قبلها – من يريد أن يتحكم في هذه الحركة الواعية. ويوظفها كما يهوى ويشتهي…” ص: 13.
  • قانون المعايرة الحضارية: فالمعيار الحضاري الأمثل ينطلق في عمله الإنمائي ليكون على وِزان السياق القيمي الخاص بمفاهيمه وأفكاره، “فإن كنا الآن نفكر في إعادة بناء الذات من جديد، ونبحثُ عن أسلوبنا الذاتي الحضاري، فينبغي أن نتخلص من احتلال المفاهيم والأفكار الغريبة في داخلنا، والمبرمجةِ على تخريب جذور الروح والمعنى فينا، وأن نتَّبع -بالضرورة- سبيلاً يُمكِّننا من العمل على طبع فكرنا الذاتي ونظامنا الاعتقادي الذاتي وفلسفتِنا الذاتية في الحياة، على نسيجنا الحضاري الخاص” ص: 15.
  • قانون التحديث الحضاري: ويتم بالتخلص من أحلام التحديث المستوردة، والانتقال من الاستهلاكية “الشيئية” لمنتجات الآخر، إلى الإبداعية والإنتاجية المسلحة بالذات الحصينة، مع الاستفادة من الآخر، وتطوير ثمرات حضارته في سياق قيمي خاص “نموذج اليابان”، “إن ما فعلناه في تاريخنا القريب هو الكدح في بناء الحضارة فوق إنجازاتها السابقة وأنعمها وثمراتها، أما اليابان وأمثالها من البلاد المتقدمة، فقد أقامت كل شيء على أسس الفكر الحضاري والمفاهيم والسلوكات الحضارية… فبينما كنا نكافح نحن في استكشاف طرق سهلة ورخيصة للحصول على نعم الحضارة ووسائل تقدمها، أقامت الشعوب المتقدمة بناءَ كلِّ شيء على الإنسان والأخلاق والتعليم والثقافة.. ” ص: 20. “إن تخلف عالمنا عن اللحاق بما بلغته الدول المعاصرة… قُصورٌ عن فهم كنه التحديث ونقص في الفكر والاكتفاءِ بالقوالب الفكرية النمطية كبديل عن حب العلم وعشق الحقيقة” ص: 18 بتصرف.
  • قانون الحضانة الحضارية: وهو لبنة أساسية في صرح التفسير الإسلامي للتاريخ، باعتباره يعالج “فجر” الحضارة المرتبط بولادتها من “رحم شرعي” تنشأ فيه، وتصدر عنه حاملة خصائص نموها الوراثية تبعًا لظروف ونوعية النمو، فعلى قدر سلامة هذا الرحم الحضاري “الزمكاني” و”العقدي” الذي نشأت فيه بسلامة التصورات والمفاهيم التي تشرَّبتْها الحضارة في مهدها، تنشأ سليمة، وتحمل قابلية التجدد والنهوض كلما أدركها العثار، “إن تلك الحضارات التي كانت تُذهِل العقولَ وتبهر العيون بغناها الثقافي، لم تظهر في روما وأثينا ومصر أو بابل فجأة من غير مقدمات؛ إن الثقافة في كل مكان إنما وُلدت بعد حضانة طويلة في عالم المشاعر والأفكار للأفراد، وفي السفوح الخصيبة للوجدان العام، واستقت من المناهل الداخلية بشكل مباشر، ومن الخارجية بعد الترشيح والتصفية، فترعرعت حتى صارت بعد زمانٍ عمقًا مهمًّا لطبائع الشعوب، ولونًا ظاهرًا لحياتها… فهيمنت على حياتها في المعبد والمدرسة والشارع والبيت والمقاهي وغرف النوم…” ص: 24.
  • قانون الإصلاح الحضاري: وهو الذي يتجاوز “القشور” المدنية إلى “الجذور” الروحية المشكِّلة “للرحم الشرعي” لولادة الحضارة ونموها بخصائصها الوراثية. فالإصلاح يجب أن يتم “عمقيًّا” للقضاء على جميع الأعراض الخارجية، “إن اختزال أسباب المعضلات السياسية والاقتصادية والإدارية لأي بلد وحصرها في السياسة والاقتصاد والإدارة وإنْ صحَّ من وجهٍ معين، ولكنه معلول بنواقص من أوجه كثيرة… إذ ينبغي على الأمة ألا تغضَّّ البصر عن جذورها المعنوية في جميع فعالياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية…” ص: 25/26.
  • قانون الاعتبار الحضاري: وهو مصطلح قرآني أصيل يمثل “حكمة” القصص القرآني الخالد، و”زبدة النظر” في مسيرة التاريخ الإنساني الحافل، خصوصًا في تجنب “مصائر” الأمم الهالكة بفعل خطاياها وأخطائها، “إن حوادث التاريخ لا تعيد نفسها مهما تشابهت فيما بينها، فاللازم أن نعتبر بعبرها، لا أن نتلقى دروسًا منها، ومن تم نوجه الأسئلة عن الماضي إلى أنفسنا في الحاضر، فنقول: إن الذين سبقونا قد انقرضوا لما انحرفوا عن الغاية والهدف من وجودهم، ونحن اليوم في الموقف عينه، فالأصوب إذن أن نقاضي أخطاءنا بدلا عن الانشغال بأخطائهم. وإن سلمنا بوقوعها.” ص: 26.

إن حوادث التاريخ لا تعيد نفسها مهما تشابهت فيما بينها، فاللازم أن نعتبر بعبرها، لا أن نتلقى دروسًا منها.

قانون المثل الأعلى الحضاري: وهو المنطلق الأول والأساس لبناء المحتوى الداخلي لأية جماعة أو حضارة، فهو تجسيد لرؤية وعقيدة خاصة، وتحديد للغايات التفصيلية التي تحرك التاريخ من خلال طاقات روحية تُبلِّغ الإنسانَ الحضاريَ إلى هدفه المنشود، لما يمثل شرطًا أساسيًّا لاستدامة التقدم الحضاري في طريقه الإيجابي اللاحب، “كذلك المجتمعات التي لا توجد لها أهداف سامية ومُثُل عليا، أو وُجِدت ولم تَمتلك معها جاهزيةً ذهنيةً تناسبهما، فإنك تجدها تتحرك باستمرار لكنها لا تقطع شوطًا، لأن قطع الأشواط يتطلب -منذ البداية- تعيين هدف سام يوقره الوجدان، ويرغب فيه الانسياق الداخلي في نشوة كنشوة العبادة.” ص: 41.

  • قانون الانفصام والتشظي الداخلي: وهو يمثل جوهر أزمة الغرب النفسية الذي فصل العلم عن الدين، ففصل به العقلَ عن القلب، فعاش شقاءً موجعًا لا شفاءَ منه إلا بالرجوع إلى التوحد الذاتي القيمي ضمن معادلة “القلب العاقل” و”العلم المؤمن” “والمؤلم أن فلسفة العلم في أوروبا… قد أوقعت الغرب كله في صراع دائم بين العلم والدين لأمور وأوضاع خصوصية، فخلَّف ذلك انفصامًا بين العقل والقلب، هذا هو السبب الرئيس للمعضلات المتشابهة منذ عصور في النُّظُم الغربية كلها” ص: 54.
  • قانون الخصوصية الثقافية الحضارية: وهو يعتبر الثقافةَ أساسَ الحضارة باعتبار أن الثقافة ليست “معارف” جاهزة تُنقل وتُستورد، وإنما هي مفاهيم وعقائد ومشاعر وأحاسيس متلبسة بإنسان الحضارة منذ ميلادها إلى سقوطها. “فأية أمة أُرسيت قواعدُها بهذه المثابة على أساس ثقافي بهذه الرصانة، فإنها بمرور الوقت ستصل إلى مستوى من النضج، بحيث يكون من الطبيعي لها أن تتخطى كل العقبات التي تعترض طريقها كالجهل والفقر والتشرذم والتسيب والضغوط الخارجية.” ص: 25.

والقلب في نظر المؤلف جزء أساسي من مكونات النظام الفكري الحضاري، “إن العقل والقلب والفكر وأحاسيس الإنسان وكذا الوحي بكل ثمراتها، لها جميعًا في نظامنا الفكري أهمية بالغة وكأنها وجوه متنوعة لشيء واحد.” ص: 106.

إن مفهوم الأستاذ كولن لحضارية الثقافة لَيتوغل عموديًّا لِيربطها بالسياق القيمي الخاص بكل أمة انطلاقًا من الأبعاد المعرفية “لفقه القلب” في حمولته الشمولية، “والثقافة هي مجموع الأحوال التي تعبر بها أمة من الأمم… عن قيمها الأخلاقية، وملاحظاتها المذهبية (العقدية)، وأفكارها ورؤاها حول الوجود والكائنات والإنسان، وعن سلوكياتها الاجتماعية والسياسية وأصول تصرفاتها…، وأنها المجموع العام للأمور التي تُكتسب في سياق التاريخ في إطار الالتزام بالتفكير والإحسان “الذاتي” من أمثال الفكر والفن والعرف والعادة والعمل” ص: 77.

كما أشار إلى المكونات الرئيسية “التصورية الذاتية” الخاصة بالثقافة –أساسًا– والمتمثلة في ثلاثية “الإنسان والكائنات والله” والتي لها علاقة واضحة بالمحتوى الداخلي للإنسان “القلب”، “إن العلاقة بين الإنسان والكائنات والله… من أهم الأسس في نظامنا الثقافي، وجميعُ فعالياتنا الذهنية والفكرية والعملية مرتبطة بهذه العلاقة… ونحن في نظامنا الفكري نعتبر الإنسان والكائنات وسائط تحملنا إلى أفقٍ عرفاني معين، وبها نتوجه إلى الصانع الجليل الأجل ونطلبه ونقصده.” ص: 77/78 بتصرف.

الختام

خلاصة هذه الجولة المعرفية في ثنايا هذا الكتاب القيم، هي أن رؤية الكاتب الكبير “فتح الله كولن” استجمعت رؤى هرمه الفكري الحضاري بحلقاتها الثلاث، انطلاقًا من “فقه القلب” الذي لمسنا تواشجه مع جميع طروحاته الحركية الدعوية والحضارية العمرانية، مما يعد مفتاحًا رئيسيًّا لفهم شخصية الكاتب الفكرية/ الدعوية، والتي مزجت بين “شخصية المربي، وشخصية الداعية، وشخصية المفكر المصلح”.

  • شخصية المربي في بعده التزكوي “فقه القلب”.
  • شخصية الداعية في بعده الحركي “فقه الدعوة”.
  • شخصية المفكر المصلح في بعده الحضاري “فقه العمران”، أو البعد التمكيني.

نختم هذه المقاربة بنصوص دالة على التواشج بين قطبي “التكوين” و”التمكين” في “فكره الحياتي” و”حياته الفكرية” المحلِّقة بجناحَي “الكتاب والسنة” في فضاء العرفان الإلهي الفسيح.

“إن انبعاثنا مجددًا بثقافتنا الذاتية يتطلب رجالَ قلوبٍ متحفزين بالإيمان، ومهندسي فكرٍ سائحين في الغد بأفقهم الفكري، وعباقرةً يحتضنون الوجود والأحداث بتصوراتهم الفنية، ويتعرفون بتحسساتهم وتفحصاتهم الدقيقة على آفاق جديدة أبعدَ من الآفاق التي نحن فيها.” ص: 36.

“إن الإيمان -بمقدار انكشافه وعمقه- مُولِّد الطاقة الأساس لهذا الإنسان الحركي، والعبادة سنده ومحرُّكه الواقي، والأخلاق ومجموع العلاقات الإنسانية علامته الفارقة وفيصله المميز، والثقافة غدت سجيةً من سجاياه، والفن بدا انعكاسًا لاستطلاعه وتفحصه وحدسه الداخلي ومشاهداته الباطنة.” ص: 54.

 

الهوامش

(1) التضوء مصطلح علمي يعني: نفاذ الضوء خلال أنسجة الجسم كنفاذه خلال الأصابع حيث يتجلى بوهج أحمر. (المحرر)

(2) جميع أرقام الصفحات الواردة في هذا المقال مطابقة للطبعة الثانية من كتاب “ونحن نبني حضارتنا” للأستاذ محمد فتح الله كولن عام 1433هـ – 2011م، دار النيل للطباعة والنشر. (المحرر)