الزمر.. مقاولات هندسة الأفكار

من فيض مشاعر رسالة الأستاذ فتح الله أيقظتني فاطمة نور، فأدركت أنني نمت فوق رسالتي التي وجدتُها مبللة بالدموع.. توجهت كطفلة فرحة بهدية العيد لغرفتي، فاستلقيت فوق سريري، ولم أستفق إلا صباح اليوم التالي، حيث الموعد مع الزمر.

لم أكن أعلم شيئًا عن الزمر إلا ما تلوته من الذكر الحكيم عن مصطلح “الزمر”. كنت أحاول التحكم في سير قدمي، حتى لا أسبق بخطواتي السيد مدير مدارس النجاح المتأني في مشيه، وأحاول استدراك ما يقول:

الزمرة تعني “مجموعة” مشتركة في المنطلق والأهداف، لتحريك وتفعيل هندسة مشاريع الأفكار في كافة التخصصات.

– أستاذة مريم، الحديث عن حل المشكلات التعليمية في مدارسنا لا ينطلق من استيراد مقررات معلبة جاهزة للاستهلاك، وإنما ينبثق من معاني آيات قرآنية؛ فـ”منهج الزمر” سيدتي، مستلهم من مفهوم قرآني، وفي الرياضيات والجبر التجريدي، هناك نظرية الزمر الإنجليزية (Group Theory) وهي فرع من الرياضيات يهتم بدراسة الزمر وخواصها. الزمرة أستاذة، تعني “مجموعة” أو “جماعة مشتركة في صفة أو عدة صفات”. ولكي تشكل مجموعة ما زمرةً يجب تحقق عدة شروط: الاشتراك في المنطلق والأهداف، لتحريك وتفعيل هندسة مشاريع الأفكار في كافة التخصصات.. لجان هيئة الزمرة تجتمع أسبوعيًّا، للبحث في المشكلات التعليمية، وتنجز الخطط والبرامج الضرورية الكفيلة بتنمية مهارات وكفايات الطلاب.

كنت أنظر إلى إشارات حركات السيد المدير، وهو يشرح برامج أعلام أهل الخبرة والاختصاص في فنّ هندسة البرامج التعليمية، وتأثيث فضاءات مناهج وطرق التدريس، وأنا أقرأ بسرعة أوراق تاريخ أرباب القلم، من أعلام علماء الإسلام الذين خلّدوا بمداد مخطوطاتهم، تنوعا في دائرة مناهج العلوم، وحل المعضلات الفكرية والاقتصادية لمجتمعاتهم.

إن دنيا رجل الفكر في عالم الزمرة، لا بداية لها ولا نهاية لها.. شعارها التميز والتفرد. تميز بأصدق القرارات وأخلص التوجيهات، لتكتمل المكتسبات عبر جسور الاحتضان الأسري والتبنّي التربوي، في قوالب العقل المنظم لسير المنهج.

المدير:

دنيا رجل الفكر في عالم الزمرة، لا بداية لها ولا نهاية لها.. شعارها التميز والتفرد.

– إن التعليم في منهجنا -سيدتي- هو واجب خدماتي.. فالفكر المنظم لبرامجنا هو فكر ينطلق من فرضيات التساؤل عن مشروع بناء الإنسان الهادف الإيجابي وتفعيل إحساس قيمة شعوره بمسؤولية البحث عن حقيقة ثلاثية العلاقة بين “الذات” و”الله” و”المجتمع”، في لسان كل شيء، وفي كل مكان. فالفكر -يا أستاذتي الكريمة- وكما استلهمناه من أستاذنا، هو ما يتآلف مع العالم، ويمزق قوالب العقل الضيقة ليفيض بمخرجاته خارج حدود الزمان والمكان.. يتحرر من الأوهام المنسلة إلى أغوار الروح، فيوائم الحقائق التي لا تزيغ ولا تضل.. الفكر -كما أوضح الأستاذ فتح الله- هو تفريغ داخل الإنسان من أجل أن يتسع المكان للتجارب الميتافيزيقية في أعماق داخله، ليرتقي نحو مدارج الفكر المتحرك الفعال.. هذا هو منهجنا ودربنا وسر تميزنا. نحن لا نجثوا أمام برامج موهومة، ولا نجدد العهد مع مناهج تعليمية مزيفة مستوردة جاهزة للاستعمال!.

نعم سيدي، الحقّ معك.. أقولها وأنا أردد مع نفسي: “هذا هو سبيل دعاة تبليغ الرسالة.. ترك المقامات والمناصب الدنيوية.. الاستغناء عن المآرب الذاتية.. استبدال الأوراق المالية بقطع ماسات تربوية.. البعد عن بيع الوهم في دكاكين صنع المناهج التعليمية”