الفكر الديني عند الأستاذ فتح الله عميق الغور، واسع الرؤية، دقيق الاتصال بالأصول إلى درجة كبيرة.. بل إن الفكر الديني بصورة عامة وليد هذه الأصول ووليد ميراث الذات الثقافي، أو هو ميراث الثقافة الذاتية كما يطلق الأستاذ فتح الله عليها.. ولهذا فإن تناول الجانب العقدي في فكر الأستاذ ينبغي ربطه في كل المراحل بخصوصية المشروع الحضاري الذي ينطلق في ضوئه الأستاذ فتح الله.

الفكر الديني عند الأستاذ فتح الله عميق الغور، واسع الرؤية، دقيق الاتصال بالأصول إلى درجة كبيرة

الفكر السلوكي التطبيقي

إن الأساس الذي يحرك “الخدمة” ويحرك الدعوة بصورة عامة هو الدين وأفكاره المتقدمة. ولن نبالغ إذا قلنا بأن سر ذلك هو الفهم العميق والدقيق لمقاصد الدين، بالإضافة إلى دراية بسبل ومسالك تفعيل هذا الفكر الديني واقعيا. فالفكر الديني لا ينبغي أن يظل مجرد أفكار، ومجرد رؤى وتصورات وأفكار حبيسة في دائرة النظر، بل ينبغي أن تتحول إلى سلوك.. بل يمكن القول إن أهم ما أضافه الأستاذ فتح الله باعتباره مفكرا إصلاحيا وباعتباره رجلا حركيا هو تمكنه من نقل الفكر الديني من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي. وأهم ما يتم التركيز عليه في هذا الإطار هو جانب العقيدة. وتناوُلُ الأستاذ فتح الله من هذه الزاوية يعتبر أمرا دقيقا جدا، وموضوعا متسعا باتساع القضايا التي تطرق لها طيلة حياة التبليغ المستمرة منذ أكثر من خمسين سنة، ارتباطا بمجريات الواقع وتشعب مستوياته.

العقيدة وتوجيه الفعل

فقد كانت العقيدة من أهم قضايا التي تعرض لها فتح الله في أغلب خطبه وفي محاضراته وفي كتبه نظرا لأهميتها عنده، فلا مجال للحركية دون عنصر العقيدة التي تقوم بمهمة توجيه الفعل والحركية. فالعقيدة هي التي تحافظ على توازن علاقة الإنسان بواقعه ووجوده كله، ومن السهل إدراك العوامل التي تجعل الأستاذ فتح الله يهتم بموضوع العقيدة والفكر الديني كل هذا الاهتمام، وذلك بإنعام النظر في خصوصية “حركة الخدمة” التي تلحّ على إلغاء الأنانية الفردية والجماعية وإرجاع كل فضل وكل توفيق إلى الله تبارك وتعالى.. إذ ليس هناك أدنى مجال لمجرد الظن بأن النجاح والتوفيق هو من البشر ومن نجاعة المناهج والخطط المتبعة في تنزيل الأفكار والرؤى. والمتأمل في كتاب “القدر في ضوء الكتاب والسنة” سيدرك الأبعاد العقدية التي تأسست عليها رؤية الأستاذ فتح الله كولن، خاصة عندما يتناول موضوع الإرادة في علاقتها بالقضاء والقدر، إذ تظهر صعوبة تناول القضية العقدية نظرا للعوامل الآتية:

العامل الأول: هو تعدد مستويات الفكر الديني بصفة عامة عند الأستاذ فتح الله والفكر العقدي على وجه الخصوص عما ذكر سالفا.

العامل الثاني: تداخل فكر الأستاذ فتح الله وارتباطه بروح الدين، لأن منطلق أفكار الأستاذ وحلوله وتحليلاته من الإسلام. فكل مشاريع الخدمة المختومة بروح العصر والحداثة، توجهها الفكرة الدينية أو الرؤية الدينية. ولذلك فإن الفصل بين مستويات هذا الفكر مجرد فصل إجرائي أو صوري، لأن الأفكار في ظل منظومة الأستاذ فتح الله الإصلاحية لا تدرك كل مراميها إلا في دائرة مظاهر تنزيلها وتطبيقها.

كل مشاريع الخدمة المختومة بروح العصر والحداثة، توجهها الفكرة الدينية أو الرؤية الدينية

العامل الثالث: حاجة الأستاذ فتح الله في كل ما كتب إلى استحضار روح العقيدة السليمة في كل ميادين الحياة، وخاصة في مجال شحذ الهمم وترغيب الناس في الفعل والعمل. ولذلك فإن العقيدة حاضره في عموم رؤية الأستاذ، بل نستطيع القول إن كل رؤية وتصور وموقف وسلوك صدر من الأستاذ متصلة بخيط ناظم هو العقيدة الصحيحة المتسامية، والتي يعاد ضبطها وتقويتها في كل وقت وحين في عالم المعنى الذي تبدو ارتباطات الأستاذ به أكثر قوة من ارتباطه بالعالم المادي.

كولن وعقيدته الصافية

يخبر جميع من عاشر الأستاذ أنه يعيش حالات روحانية قلّ نظيرها، تقوم على مجاهدة النفس وتصفية الروح والابتعاد بهما عن كل ما يكدر صفاءهما من هموم الدنيا والأهواء… وذلك بإلزام نفسه بضروب من العبادة لا يستطيعها الآخرون، فهو يعتبر العبادة بكل مظاهرها والإكثار منها من خلال النوعية والكمية هي مفتاح التوفيق والنجاح. فالأستاذ فتح الله كولن -كما يذكر ذلك تلامذته المقربون منه- كثيرا ما تنتابه حالات حزن شديد يخرج بعدها وقد امتلأت روحه. ودخول الأستاذ في مثل هذه الأحوال مرتبط بحالات استشعار قصوى باقتراب أزمات الواقع.

لا شك أن هذه الرياضة الروحية تحتاج إلى عقيدة قوية وإلى ضرورة تجديد معانيها في القلب والروح، فلا يقدم أمرًا، ولا يوجه الناس أو ينصحهم أو يحثهم على عمل وإنجاز دون أن يكون للعقيدة أثر في ذلك، بعد أن تختمر وتنضج في معمل الروح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المصدر: من كتاب “أشواق الأمل”