يرتبط فتح الله كولن بمظاهر الماضي الروحيّة والمعنويّة والأخلاقيّة، ويتحدّث في مقالاته عن طبيعة المستقبل الذي يحلُم به، ويستخدم تعبير “العودة إلى الذات” مثل أغلب المفكّرين المسلمين في سبيل إنشاء هذا المستقبل.

العودة إلى الذات تعني: عودة الشخص إلى جذور شخصيّته وثقافته وروحه الخاصّة به، وتجنّبه مظاهر التقليد التي من شأنها أن تخدش شخصيّته الملّيّة، وحماية الأعراف والعادات ورعايتها بحساسيّةٍ فائقة.

العودة إلى الذات تعني: عودة الشخص إلى جذور شخصيّته وثقافته وروحه الخاصّة به، ولا يمكن أن يتحقّق هذا إلا بحياة الفرد والمجتمع بفكره وإرادته الخاصّة، وتغذّيه بعناصر ثقافته الأساسيّة ونموّه بها، وتجنّبه مظاهر التقليد التي من شأنها أن تخدش شخصيّته الملّيّة، وحماية الأمور التي انصهرت في أعماق ذاته منذ عصورٍ مديدةٍ مثل: الأعراف والعادات والسمات الملّيّة ورعايتها بحساسيّةٍ فائقة.

الأصالة والمعاصرة

يقف فتح الله كُولَنْ على ما لا يُعتبر”عودةً إلى الذات”؛ فيرى أنه لا ينبغي أن تُفهم “العودة إلى الذات” على أنها تصرُّفٌ عرقيٌّ، وتحرُّكٌ وفقًا لرابطة الدم، أو انغلاقٌ تامٌّ دون العالَم الخارجيّ وتقوقعٌ في النموذج الشخصي، بل إن العودة إلى الذات تعني الجمع بين الماضي والحاضر، وبين الحاضر والمستقبل أيضًا، وإخراج ما يجب إخراجه من ذلك باستخدام موشور الثقافة المتوارثة عبر العصور وطرحه جانبًا، ومن ثمّ التخلص منه، والتمسك التامّ بالنافع المتبقّي.

من مصائب العالم الإسلامي عدمُ فهم الغرب وتقييمه كما يجب، والعجزُ عن الاستفادة من العناصر التي ترفعه وتفيده.

ضرورة فهم الغرب

لا يعارض فتح الله كُولَنْ في موضوع “العودة إلى الذات” الاتّصالَ بالغرب والاستفادةَ منه، ولكنَّ ما يعارضه هو الأخطاء الثانوية في النظرة إلى الغرب وفي تقييمه والاتصال به، إنه يرى أن من أهمّ أسبابِ المصائب التي يتعرّض لها العالَمُ الإسلامي الآن: هو عدمُ فهم الغرب وتقييمه كما يجب، والعجزُ عن الاستفادة من العناصر التي ترفعه وتفيده، ويدافعُ كُولَنْ عن فهم الحقائق، وإخضاع كلّ شيءٍ لمصفاة العقل والمنطق والمقايسة الذهنيّة، والتحرّك بقدر ما يسمح به نسيج المجتمع.

التدقيق لا التقليد

كما يرى كُولَنْ أن التاريخ شهد على امتداده حضارات كانت لها نشاطاتها وعناصرها الرئيسة الخاصّة بها فحسب، وكانت الحضارة الغربيّة الحديثة أيضًا واحدةً من بينها؛ لها عناصرها الأصليّة التي صاغتها بنفسها، وليس من الممكن أن تأتي حضارةٌ أو عائلةٌ ثقافيّةٌ أخرى فتأخذ تلك العناصر بعينها وتطبّقها؛ إذ يستحيل أن تتحوّل الحضارات إلى بعضها، إلا أن في كلّ حضارةٍ عناصر يمكنها أن تحقق “التوافق النسيجيّ” مع الحضارات الأخرى، المهمّ هو القدرة على تحديد تلك العناصر وتطعيم البنية بها وغرسها في الجسد، من هذه الزاوية ينظر كُولَنْ إلى الغرب وإلى علاقاتنا التي يجب أن تقام معه، ويؤكّد على أن الانغلاق تمامًا دون الغرب بأسلوبٍ عدائيٍّ تصرّفٌ سلبيٌّ جدًّا؛ مثلُهُ في ذلك مثلُ تقليد الغرب دون وعيٍ ولا معرفة.

 

المصدر: من كتاب (فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري)