الملخص:

يكشف الكاتب في قراءته لكتاب “الغرباء” للأستاذ فتح الله كولن عن الهم الذي يشغل الأستاذ كولن، والقضية التي نذر لها حياته وهي قضية الإنسان وبناءه الداخلي وتغييره من الأعماق، ورغم أن “قراءة ما كتبه الأستاذ في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية لا تعدو أن تكون إمّا ضربًا من ضروب الجنون أو لونًا من ألوان الايمان” -على حد ما جاء في مقدمته- فإن الكاتب قد ولج عالم الكتاب واستخرج من مجموع مقالاته ثلاثة محاور جعلها منطلقه في الحديث عن محتوى الكتاب وهذه المحاور الثلاثة هي: الأنين والألم، التجديد والعمل، الاستشراف والأمل.

وقد تعجب من أن هذه المحاور الثلاثة تجتمع كلها في المقال الواحد في آنٍ واحد، وفي ذات الوقت تتفرّق على المقالات، كلٌّ على حدة. ومن نظرة أخرى فإن هذه المحاور الثلاثة تعمل في محاور أخرى متداخلة ومتضمَّنة في الثلاث الأُوَل وهي: الإنسان الذي هو عنصر البناء، الطريق الذي يجب أن يسير فيه، إعادة صياغة العالم من جديد. ويرى الكاتب أن المقال ليس تحليلاً لمقالات كتاب الغرباء بقدر ما هو قراءة مساعدة لمن أراد الدخول إلى عالم الأستاذ كولن.

المقال

مقدمةٌ لا بدّ منها

ذكر أبو علي القالي في “الأمالي” أن متمم بن نويرة قدِم العراق، فأقبل لا يرى قبرًا إلا بكى عليه، فقيل له: يموت أخوك بالمَلا، وتبكي أنت على قبر بالعراق، فقال:

وقـالـوا أَتـبـكي كـلَّ قبــرٍ رأيـتَـه

لقبرٍ ثَوى بين اللِّــوى والدَّكَـادِكِ

فقلتُ لهم إنَّ الأسى يبعثُ الأسى

ذَرونـي فـهـذا كـــلُّـه قبـرُ مَالكِ

فهو يبكي على كل قبر يراه، لأنه يتخيله قبر أخيه، يكاد هذا البيت يخايلني وأنا أقرأ في فكر الأستاذ كولن، فالرجل مشغولٌ بقضيةٍ محورية يتناولها من كل جانب، ولا يترك فرصةً إلا ويؤكد عليها ويتحدّث عنها بكل وسيلة وفي كل مناسبة. إنها قضية الإنسان ذاته، هذا الإنسان الذي تمَّ تشويهه ومصادرته، يَبكيه الأستاذ حينًا ويناديه حينًا ويرشده ويوجهه في أحيان أخرى.

ولا شكّ أن قضية الإنسان وبناءه الداخلي وتغييره من الأعماق هي محور الرسالات السماوية، وقد كان الأنبياء الكرام –صلوات الله وسلامه عليهم– هم النماذج العليا في هذا المضمار، وهم أصحاب الرؤية الكونية الكاملة والشاملة في هذا السياق، تلك الرؤية التي تحدّد موقع الإنسان في منظومة هذا الكون ومكانه من الله  خالقه، ومكانته عنده كذلك.

لكن هذه الرؤية الرسالية الإنسانية تمّ تغييبها لصالح رؤىً وأيديولوجيات أخرى ترى في الإنسان وسيلةً لا غاية، وترسًا في ماكينة الحياة لا محرّكًا لها، أيديولوجيات استطاعت بمكر وخبث وعلى مدى قرون عدة أن تحول الإنسان المكرّم إلى سلعة استهلاكية أو كائن مستهلك في أفضل الأحوال ليس إلا.

يأتي الأستاذ فتح الله كولن محاولاً أن يُعيد لهذا الإنسان وعيه بذاته، وإدراكه لحقيقة وجوده وجوهر رسالته في هذه الحياة، ومن دون فهمنا لهذه الرسالة المحورية في فكر الأستاذ لا يمكننا قراءته وفهمه حقًّا.

الإنسان هو موضوع الأستاذ، ولا غرابة في هذا من رجلٍ تشرّب الخطاب القرآني ووعاه، وأدرك تمامًا أنَّ “المخاطَب في الإسلام هو قلب الإنسان الذي يَسَع السماوات والأرض بسِعته المعنوية”

ورحم الله “إقبال” حين قال متحدِّثًا عن الذات الإنسانية حين تُحرق بنار العشق:

أمرُها في الكون طُرًّا تَحكم

حينما الذات بعشقٍ تُحكَم

يدُها من قـوّة الحـق أثـر

فـإذا مـا أومأتْ شُقَّ القمر

كل الوجود يسعى إلى تجديد ذاته، وعلى الإنسان بوجهٍ خاص أن يجدد ذاته ليغدو جاهزًا لفتح العالم، وإثراء العلوم بنور البصيرة، وتزويد التكنولوجيا بقيم الإيمان

قراءة الأستاذ جنونٌ وإيمان

على أنني يجب أن أعترف أن قراءة هذا الكتاب –على وجه التحديد– تختلف عن غيرها من قراءة كتب الأستاذ، ذلك أني أزعم أن ما يخطُّه الأستاذ بيده ويعكف عليه كتابةً وتنقيحًا هو أكثر ما يعبّر عن فكره ومعاناته وألمه ومعنوياته، لاسيما في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها أمتنا، ولعل من صدَّر الكتاب وقدم له كان يعني هذا حين أكَّد أن: “قراءة ما كتبه الأستاذ في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية لا تعدو أن تكون إمّا ضربًا من ضروب الجنون أو لونًا من ألوان الايمان”.

هكذا إذنْ: جنونٌ أو إيمان، نعم جنونٌ يفكّك كل الأجزاء القديمة، ويكسر التقاليد البالية، ويهدم معابد أوثاننا وينسف حياتنا الاستهلاكية الرتيبة، وإيمانٌ يعيد تركيب هذه الأجزاء من جديد، ويبني ما تهدَّم على أسُسٍ قويمة، ويقيم عوج الحياة المعاصرة على أنوار الوحي وأشعة هدايات السماء.

وأعترف كذلك بأن جرعة هذا الكتاب كانت فوق طاقتي على التحمّل، ذلك أن القارئ بمجرد قراءته لفكرٍ ما ينبغي أن يسأل نفسه مع كل فكرة يتلقّاها: إذن ماذا؟

أعترف أني وجدتُ في ثنايا خطاب الأستاذ قدرًا هائلاً من الأنين كدتُ معه أن أتلاشى ويصيبني اليأس والإحباط، ثم ما يكاد هذا الشعور ينتابني حتى أجدني أمام نوباتٍ متتابعة من نبضات العمل والتجديد والإحياء قادرة على الانبعاث والنهضة من خلال خريطة عمل واضحة وأفكار براقة كفيلة بتبديد اليأس والإحباط، وتحويله إلى همّة ونشاط. ثم أنظر حولي فأجد الأمة التي يخاطبها الأستاذ في وادٍ آخر وعالمٍ موازٍ، لا تكاد تسمع نداءً أو تبصر طريقًا، وأجد نفسي مُحاطًا بمثبّطاتٍ، تجعلني أرى هذه النبضات من التجديد الواجب والعمل المطلوب كحلمٍ جميلٍ لا سبيل إلى تحقيقه. وقبل أن يتملّكني ذلك الشعور البائس أراني أمام أنوار متوهجة من أشعة الأمل المتدفق، والاستشراف نحو مستقبل واعد، فتحدثني نفسي الأمارة بالسوء: أخشى أن يكون حملُ هذه الأمة كاذبًا، فإذا بالأستاذ يقرعها بسياطٍ من الأدلة والبراهين الكونية والتاريخية والواقعية على أننا بإزاء ميلادٍ جديد لأمتنا، وأن إرهاصات هذا الميلاد الموعود بدَتْ بوارقه من كل جانب، وأن فرسان الأمل ركبوا صهوة العمل نحو هذا المستقبل المشرق بإذن الله تعالى.

لايمكن لقلوبٍ ميتة لم تكتوِ بأي ابتلاءٍ يومًا ما، ولا لأرواحٍ جامدة لم تذق مرارة الامتحان قط، أن ترتقي إلى أي أفُقٍ إنساني، ولا أن تمنح مجتمعها أيّ عطاءٍ إنساني.

ألمٌ وتجديدٌ وأمل

فإذا ولجنا معًا إلى كتاب “الغرباء” وجدناه يحتوي على مقالات متفرقة، نُشِرت على مدار ما يقارب 27 عامًا بداية من “كفكف دموعك يا صغيري” عام 1979 وحتى “لعلنا نبعث من جديد” عام 2006.

غير أن القارئ لمحتوى هذه المقالات ومضمونها يجد أنها في مجملها تدور حول محاور ثلاثة:

– الأنين والألم

– التجديد والعمل

– الاستشراف والأمل

والعجيب حقًّا أن هذه المحاور الثلاثة تجتمع كلها في المقال الواحد في آنٍ واحد، وفي ذات الوقت تتفرّق على المقالات، كلٌّ على حدة؛ فأنت تقرأ مقالاً قد تغلب عليه نبرة الأنين، لكنه لا يخلو من برنامج عملي واستشراف نحو مستقبل أفضل، وقد تقرأ مقالاً آخر يبشّر بأجيالٍ جديدة، لكنه لا يخلو من التذكير بواقعٍ أليم ينبغي أن يتغير، وهكذا.

ومن نظرة أخرى فإن هذه المحاور الثلاثة تعمل في محاور أخرى متداخلة ومتضمَّنة في الثلاث الأُوَل وهي:

– الإنسان الذي هو عنصر البناء

– الطريق الذي يجب أن يسير فيه

– إعادة صياغة العالم من جديد

الفاعلية عند الأستاذ ليست إلا نبعًا ينساب من عالم الإنسان الفكري وعمقه الوجداني، والقوة التي شحنت أمثال صلاح الدين ومحمد الفاتح وألب أرسلان ليست إلا قوة الروح.

أولاً: الأنين والألم

البكاء والأنين هو وسيلة الأستاذ كولن إلى إحياء القلوب، وتحفيز المشاعر، وترقية الهمم، والشعور بالهمّ. وإذا كان سادتُنا الصوفية قد جعلوا اليقظة والانتباه من رقدة الغافلين من أولى منازل السائرين، فإن الألم الذي يشعر به الأستاذ ويبثّه في ثنايا كتاباته ودروسه ومواعظه هو الزلزال الذي يجعل جدران الروح المنيعة تتصدّع ليدخل إليها النور فيحيي موات القلوب والأرواح.

لكن ياتُرى لأيّ شيء يبكي الأستاذ؟ وعلى أيّ طللٍ يقف؟ وماذا يميّز بكاءه وألمه فيجعله حزنًا جسورًا وألمًا نبيلًا؟ ما الذي يبكيه الأستاذ؟

يبكي جفاف الروح والفكر عند إنسان هذا العصر؛ “يبكيه عندما أطفأوا عقله، وأطعموا قلبه لمعدته، فصار كائنًا استهلاكيا فجًّا.. يبكيه عندما صار ضحيّة لنظُمٍ اجتماعية وسياسية تعلّقت بعظمه ولحمه وأغفلت فؤاده ووجدانه.. يبكي قحط الرجال الذي أصاب مجتمعنا، والأنكى منه أنه لم تكن لدينا الشجاعة للاعتراف بهذا القحط.” يبكي غياب “الإنسان المُعانِي” الذي ينسى متعة ذاته ليمنح الحياة للآخرين. يبحث الأستاذ باكيًا عن فارس القلب وعاشق الحقيقة الذي يفتّش عن حلول لجميع الألغاز، فيسأل كلّ جزء من أجزاء الوجود ليصبح شمسًا بعد أن كان ذرّة، ويصير بحرًا بعد أن كان قطرة.

يبكي طريقًا زائفًا، مَشينا فيه باختيارنا: “طريق التقليد الأعمى للغرب الذي فقد البوصلة منذ زمن، فالغربي الذي حسبنا أن لديه مصباح حياتنا كان قد تمدّد في نعشه قبلنا بكثير.. يتألّم من أجل الخداع الذي وقعنا فيه حينما وضعنا ثقتنا في غير موضعها، فكم من مرّةٍ تبدّى لنا في الأفق خيالٌ توهمناه هذا الإنسان المرتقَب فحسبنا البغاث نسرًا، وظننّا المقعدين المشلولين الإسكندر الأكبر، ويتأوّه الأستاذ ألمًا من هؤلاء المشعوذين المحتالين، ويتحسّر أسفًا على تلك الحشود المضلّلة المخدوعة، ويحذرنا أشدَّ التحذير من فنّاني الحناجر الذين يرفعون عقائرهم بالكلمات المقدّسة، لكنها كلمات جوفاء لاأثر للروح فيها.

يبحث الأستاذ باكيًا عن فارس القلب وعاشق الحقيقة الذي يفتّش عن حلول لجميع الألغاز، فيسأل كلّ جزء من أجزاء الوجود ليصبح شمسًا بعد أن كان ذرّة، ويصير بحرًا بعد أن كان قطرة.

ثانيًا: التجديد والعمل

يطول بكاء الأستاذ ويشتدُّ نحيبه حتى تظن أن البكاء هو كل ما نملكه، فتستكين نفسك لهذا البكاء ظانًّا أن قد قمت بالواجب وأدّيت ما عليك، فإذا به يفجؤك بمهمّةٍ تنوء بحملها الجبال، إنها مهمة التجديد الدائم والعمل الدؤوب، فإذا كان سؤال البكاء والأنين هو: ماذا جرى لأمتنا وإنساننا؟ فإن سؤال العمل والتجديد هو: إذن ماذا؟ وتتجلّى ملامح هذا التجديد وذاك العمل من خلال مجموعة مقالات كتاب “الغرباء” فيما يلي:

1- أن يدرك الإنسانُ –بدايةً– أنه في مهمة مقدّسة، وذلك يتأتى من خلال:

أ- الفاعلية: استنهاض الفاعلية أو مايسميه الأستاذ (الروح الباعثة)، فالفاعلية -عنده- ليست إلا نبعًا ينساب من عالم الإنسان الفكري وعمقه الوجداني، والقوة التي شحنت أمثال صلاح الدين ومحمد الفاتح وألب أرسلان هي قوة الروح، تلك القوة هي التي ميّزت دخول الفاتح إسطنبول عن دخول قيصر روما.

بـ- تحديد المهمة: والمهمة –هنا– هي مساعدة الأجيال الجديدة لكي تعرف ذاتها وتتوحّد مع روحها وتلك هي “المهمة السامية” التي يكتشف الإنسان من خلالها ذاته.

جـ- اكتشاف الذات (العذاب المقدّس): فالإنسان في هذا الحياة في رحلة شاقة من أجل أن يكتشف ذاته ويعرف حقيقته، ولا يبلغ الإنسان الخلود الروحي إلا حين يتقلَّب بين أهوال الموت والحياة خمسين ألف مرّة طول سني عمره، حين يتخلَّص من ضغوط الـ “الأنا” هنا يكتشف الإنسان أن السعادة ليست في الضحك والسرور والمتع والملذات، بل السعادة الحقة في المعاناة من أجل هذا الاكتشاف وهو ما يسميه الأستاذ “العذاب المقدّس”، ذلكم هو “بلاء الهم” الذي لم يسلم منه عباد الله الأرفع شأنًا من أمثال الإمام أبي حنيفة وابن حنبل والسرخسي وغيرهم كثير. وهنا يؤكد الأستاذ على أنك لم تأت إلى هذه الدنيا للمتعة واللهو –وهو المفهوم السائد في الحضارة الحديثة– بل سوف تُصهَرين –يا نفسُ– في بوتقةٍ بعد أخرى، وتعرضين على النار مرة بعد مرة، وتتعرضين لأشد أنواع المحن سنين وسنين لكي تتفتّق مواهبك الإنسانية.

د- البحث عن الحقيقة: فالإنسان المثالي –عند الأستاذ– هو الذي يستثمر مواهبه العليا كدحًا إلى الله  تحت أنوار الوحي، هو الذي يموج عقله –في إطار بحثه الدائب– بألف سؤال وسؤال، ويواصل التنقيب عن الحقيقة بنهمٍ عجيب؛ يبحث عن أجوبة للأسئلة الكونية الكبرى، الدنيا عنده (دار خدمة) وليست (دار مكافأة)، وبالتالي فسقف طموحاته في الدنيا محدود، وسقف تطلعاته إلى الآخرة لامتناهي، وتلك أحد معاني “الغربة”، فالغرباء هم عشاق حقيقة سامية وناشرو رسالة نبيلة.

أعترف بأن جرعة كتاب “الغرباء” كانت فوق طاقتي على التحمّل، ذلك أن القارئ بمجرد قراءته لفكرٍ ما ينبغي أن يسأل نفسه مع كل فكرة يتلقّاها: إذن ماذا؟

2– أن يُدرِك الإنسان طبيعة الطريق الذي يسلكه؛ فالطرق إلى الله  بعدد أنفاس الخلق، والطريق الحقيقي ظهر مع الإنسان، كما أن اللاطريق ظهر معه أيضا، “وهديناه النَّجدين”. ويضع الأستاذ شرطين أساسيين لسلوك هذا الطريق الحق وهما: المبادرة إلى السلوك فعلاً دونما تسويف أو إبطاء، والعشق والاشتياق. فلكل طريق لذته، وله كذلك وعثاؤه ومحنته، لاسيما هذا الطريق.

فالسالكون هذا الدرب بعشق واشتياق تذوب الجبال لهم قيعانًا مستوية، وينطفئ فيحُ جهنّم إذا مرّوا بها. وهذه طبيعة الطريق كما يراها الأستاذ؛ المحنة مصاحبةٌ له، فإنما تنمو النعمة في طرق تغدو فيها المحن وتروح، وتتأتّى السعادة بعد سيل من صنوف الحرمان، وتلك طبيعة الأشياء، فالإنسان خُلِق للمحن، وهو ابن سبيلٍ مكابد، ولا مناص للعشّاق المتيّمين سالكي الطريق من البلايا والمحن، فذلك أساسٌ في طريقهم.

والحياة –عنده– سلسلةٌ من الامتحانات، وأقسى هذه الامتحانات امتحان الإقصاء والتهميش جرَّاء ما تحمله من رؤى إنسانية نبيلة، والأقسى منه أن يكون هذا الإقصاء على يد خلّانٍ لا نصيب لهم من الوفاء، فيتصدّى لك من كنتَ معه في المسار ذاته، فيخذلك ويؤذيك، ومن هنا يؤكِّد الأستاذ كولن على ضرورة توطين النفس على طبيعة الطريق تلك، لاسيما وسط هذا العالَم الذي يعتبر الخديعة ذكاءً، والتزمّت ولاءً، والتعصب الأعمى التزامًا، فنسلّم أنفسنا إلى صبرٍ جميلٍ، ونردد مع الشاعر قوله:

إن جاءني جفاءٌ من جلالك

أو وفاءٌ من جمالك

فهما للقلب سواء

فلطفك حلوٌ وقهرك حلو.

ولكن ما ضرورة هذا الامتحان؟ وهل هو جزءٌ من طبيعة الطريق لا يتجزّأ عنه؟ وما فائدته؟

يرى الأستاذ كولن أن هذا الامتحان ضرورة لابد منها في مدرسة الإنسانية، إذ بواسطته يتصفَّى الإنسان ويعود إلى جوهره الفطري، ولا يمكن لقلوبٍ ميتة لم تكتوِ بأي ابتلاءٍ يومًا ما، ولا لأرواحٍ جامدة لم تذق مرارة الامتحان قط، أن ترتقي إلى أي أفُقٍ إنساني، ولا أن تمنح مجتمعها أيّ عطاءٍ إنساني.

ومن هنا فإن فائدة هذا الامتحان تتجلّى عند هؤلاء الغرباء الذين يدركون طبيعة الطريق، فيصير الامتحان سوطًا يلهب عزيمتهم، وإكسيرًا يشحذ إرادتهم، فمع كل امتحانٍ يتلألأون كالبلور، فمع أنهم تلفحهم عشرات المخاطر كل يوم، ومع كونهم أصحاب أنين متواصل وتأوّهاتٍ ممتدة، لكن تفانيهم في همِّ الغير، يزيل غربتهم، فيفيضون بِشرًا وسرورًا.

يؤكد الأستاذ كولن من خلال مقالات هذا الكتاب على حقيقة أن الأيام دُوَل، فمن سعد في عهد وعز، شقي في آخر وذلَّ، ومن ذلَّ في عهد وتدنَّى، عزَّ في غيره وسما.

3– نحو تجديدٍ للذات والأمة معًا

وفق الأستاذ فإن تجديد الذات هو الشرط الأول للبقاء، فكل الوجود يسعى إلى تجديد ذاته، وعلى الإنسان بوجهٍ خاص أن يجدد ذاته ليغدو جاهزًا لفتح العالم، وإثراء العلوم بنور البصيرة، وتزويد التكنولوجيا بقيم الإيمان، لكنّ التجديد المقصود ليس مجرد الهيام بكل محدث جديد، أو الشغف بكل تقليعة مبهرة.

ويحدد الأستاذ مفهوم تجديد الذات بأنه: حركة تسري في خط ميتافيزيقي وانبعاث في أفق روحي، وأن نمرّر الأكوان كلها من موشور الروح عدّة مرات في كل لحظة.

وتجديدٌ بهذا المفهوم ووفق هذا الأفق السامق لابد أن يكون له أثرٌ واضح على الفرد والامة معًا وفي آنٍ واحد، فالفرد يصبح ركنًا أساسيًّا من أركان المجتمع لا يذبل ولا يفنى، والمجتمع يرقى ليصبح جزءًا مهمًّا في المعادلات الدُّوَلية.

مجالات التجديد: والتجديد عند الأستاذ ليس خبط عشواء بل هو تجديد محدد ومراجعة دقيقة لكل من:

– الإيمان: لتصبح معرفة الحقيقة من خلال احتضان الروح للوجود بأكمله، واستيعابها للكائنات كافة.

– المحبة: بنقل تلك المعرفة إلى الحياة من خلال نشر أنفاس المحبة في كل أصقاع الأرض.

– الأخلاق: والتي يعتبرها الأستاذ جوهر الدين وأساسه، وحلمُنا ان نتجاوز الدُّنى بأخلاقنا

– الرؤية الميتافيزيقية: بانفتاح العقل على الوجود كله، والسعي إلى فهمه واستيعابه من خلال الرؤية الكونية للقرآن الكريم.

– العشق: وهو الشعور بالحب إزاء جميع الكائنات، وذلك من خلال تربية روحية عميقة.

4– خارطة الطريق (الوعي الجمعي)

يؤكد الأستاذ كولن أن أمتنا تمر بفترة تغيرات اجتماعية شبيهة إلى حد كبير بالتحولات البيولوجية عند الأحياء، وإزاء هذه التغيرات الاجتماعية أو الملتقيات القدرية، فإن الأمة تحمل في طياتها عوامل النهوض والازدهار، أو أسباب التدهور والانحدار. ذلك أن أفراد الأمة في هذه الحالات أمام أحد نمطين:

النمط الاول: أن يرتدوا قميص “سيكولوجية الجماهير” ويصبحوا جزءًا من حشود لاعقل لها، ولا يفكرون إلا بعقل الحشد، فيصيرون كيانًا جماهيريًّا منقادين لأمر الحشود، منصاعين لتوجيهاتها.

النمط الثاني: هو نمط “الوعي الجمعي” الذي ينبني على التعقُّل والتمحيص وملاحظة الحاضر والمستقبل معا، ومعاينة الجزء مع الكل في آنٍ واحد.

والوعي الجمعي –بهذا المفهوم– يحمل في أعماقه أسباب وجودنا وبقائنا كأمة، وهو يستقي مادته من ثقافتنا الدينية وهويتنا الذاتية. ولكن كيف يعمل الوعي الجمعي في تحريك الأمة؟

يرى الأستاذ كولن أن الوعي الجمعي يستطيع تحريك جموع الأمة إذا نجح أصحاب المشاريع الكبرى والمبادرات السامية في تقديم العقل على العاطفة، والتجربة على السلوك الحماسي، وإحاطة مشاعرهم بأنوار الرسالة الربانية؛ حينها سوف تدخل الحشود المندفعة بالعاطفة تحت تأثير تلك الحركة الحكيمة المتوازنة، وهؤلاء هم أرباب المستوى.

الأستاذ كولن مشغولٌ بقضيةٍ محورية يتناولها من كل جانب ولايترك فرصةً إلا ويؤكد عليها ويتحدّث عنها بكل وسيلة وفي كل مناسبة، إنها قضية الإنسان ذاته.

ثالثًا: الاستشراف والأمل

يؤكد الأستاذ كولن من خلال مقالات هذا الكتاب على حقيقة أن الأيام دُوَل، فمن سعد في عهد وعز، شقي في آخر وذلَّ، ومن ذلَّ في عهد وتدنَّى، عزَّ في غيره وسما. فحين كان سكان نينوى وبابل والكرنك يتفيّؤون ظلال أروع الحضارات الإنسانية، لم تكن الجامعات الكبرى أمثال السوربون وأكسفورد وكمبردج قد دخلت عالم الرؤى والأحلام بعد، وحين كان العالم الغربي يعيش في عصور الظلام في القرون الوسطى، كان العالم الإسلامي يعيش عهد انبعاثه الفريد عبر الأندلس وبغداد وبخارى وأمثالها.

وفي عصرنا الحالي، ها هي اليابان التي دُمّر بنيانها تدميرًا، قد نهضت اليوم لتصفِّي حساباتها مع العالم أجمع، وتلك ألمانيا التي كُسِرت بالأمس سواعدها وقُصّت أجنحتها، قد أصبحت كابوسًا مروِّعا لمن أذاقها الذل والهوان.

ويرى الأستاذ كولن أن عالمنا الإسلامي –على رغم كل جراحاته– قد دخل وتيرة رأب الصدع وجمع الشمل، وأن الطرف الآخر يهوي في حفرة موته خطوة خطوة، وهو غارق في خضم المفاسد والمخازي.

ويرى الأستاذ أنه على الرغم من السلبيات الكبيرة التي يعاني منها إنساننا، إلا أنه لايزال حيًّا بكل أجزائه، ميمِّمًا وجهه شطر المستقبل، واعيًا بذاته، واعيا بـ “من يكون” و”ماذا يريد أن يكون”.

لكن أستاذنا –كعادته– لا يتركنا أمام عباراتٍ فضفاضة دون أن يرسم لنا الطريق الذي نسير فيه، ويحدّد لنا المعالم التي نسعى إليها، فيؤكد لنا أنه لكي نسير بخطوات واثقة إلى هذا المستقبل المشرق الذي نؤمِّل، فلابد لنا من الانتباه إلى عدة قضايا مهمة نوليها اهتمامنا ونجعلها في بؤرة أولوياتنا:

– علاقتنا بتاريخنا؛ ينبغي على الأمة جميعًا وبالأخص على النخب والمثقفين أن يوسّسوا سلامًا بينهم وبين تاريخهم.

– التخطيط الدائم؛ ينبغي أن يتم التخطيط لكل حركة تجديدية وُضعت من أجل إنشاء المستقبل بناء على مقوماتنا التاريخية وجذورنا الروحية.

– التجرّد عن المطامع السياسية والشخصية؛ فينبغي ألاَّ تشوه قضيتنا بأغراض سياسية، وألّا تُلوَّن بمطامع فردية أو مصالح فئوية.

– الاحتماء بالصبر والتحلّي بالحكمة؛ وذلك بعدم إتاحة الفرصة لعواطف طفولية طائشة أو تصرفات غير مسئولة قد تهدم ما نحاول بناءه، بل لابد من كبح جماح العاطفة، وإحكام السيطرة على الانفعالات إكرامًا لغايتنا السامية.

– وضوح نموذج البنيان الجديد؛ لابد أن يكون البنيان الجديد الذي نصبو إليه واضحًا في أذهاننا غاية الوضوح، حاضرًا أمام أعيننا فلا نبدأ بهدِّ بنيان ما قبل أن نكون قد حسمنا قرارنا حول ما سيُبنَى مكانه، والأستاذ قبل كل هذ وبعده على يقين تام بأن أمتنا ستأخذ موقعها الباهر في الموازنات الدّوَلية مرة أخرى، ولن تستطيع أيُّ قوة أن تمنع وقوع هذه النتيجة بعون الله عز وجل.

About The Author

محمد ياسين عبد الحميد أحمد من مواليد الجيزة -مصر، بكالوريوس الهندسة المدنية، جامعة الأزهر 2004م، وليسانس أصول الدين والدعوة، قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، جامعة الأزهر 2008م. وماجستير في الدعوة الإسلامية عام 2017م عن أطروحة بعنوان "تجربة الشيخ فتح الله كولن الدعوية دراسة نموذج لنهضة المجتمع والأمة من خلال العمل الدعوى". خطيبٌ ومحاضرٌ حرٌّ في مجال الفكر الإسلامي، ومدرب حر في مجال التطوير والتنمية الذاتية والإدارية، وباحث في فكر النهضة من منطلق قرآني وإنساني.

Related Posts