يتناول فتح الله كُولَنْ الحركة والفكر معًا، غير أنه ربما يعطي “الحركةَ” الأولويّةَ على نحو مختلفٍ عن كثيرين، فهو يرى:

“أن السبيلَ إلى الوجود الحقيقيّ يمرّ من الحركة والفكر؛ من حركةٍ وفكرٍ قادرٍ على تغيير ذاته والآخرين”.

ويقول كُولَنْ أيضًا:

“وإنّ أهمّ شيءٍ وأشـدّه ضرورةً في حياتنا هو الحركيّة، فمن الضروريّ أن نتحرّك على الدوام في ظروفٍ قاهرةٍ نضع أنفسنا تحت ثقلها بإرادتنا، لنحمل فوق ظهورنا واجباتٍ ونفتح صدورنا أمام معضلات، الحركيّة المستمرّة والفكر المستمرّ، ومهما ضحّينا في هذا السبيل، فإن لم نتحرّك نحن، فسندخل في تأثير الدوّامات الفكريّة والبرنامجية لأمواج هجمات الآخرين وأعمالهم الحركيّة، ونضطر إلى تَمَثُّلِ فصول -أي تقليد- حركاتهم”.

الخدمة حركة ذاتية

وفكرة كولن هذه مهمّةٌ لأقصى درجةٍ، لأنه يُنظرُ إلى الإسلام في عصرنا الحالي من زاوية السياسة والأيديولوجيا، ومن يؤسسون حركاتهم وأفكارهم على هذا الأساس غالبًا ما يعجزون عن التخلّص من أن تكون حركاتهم وأنشطتهم مجرّد ردّ فعل، ومن ثمّ فإنهم اضطروا للقبول بالوضع القائم، وبالتالي فقد استركضوا الإسلامَ خلف الوضع الذي هم عليه دائمًا، وكما أن الانهزاميّة والإخفاقات التي تسبّبت فيها ردّة الفعل هذه تُمهّدُ السبيل إلى إجرائهم تعديلًا دائمًا في وجهات نظرهم؛ فقد أدت إلى إساءة فهم الإسلام وإساءة معرفته، في حين أن الحركة والفكر أساسٌ في فكر فتح الله كُولَنْ، وهذا يعني أن نعمل في إطار “ذاتيّتنا”، أي التحرّك بعيدًا عن السياسة الراهنة ودون اختزال الدِّين في أيديولوجيات، وقد حدّدنا طريقنا، وأقمنا فكرنا بناءً على أرضيّةٍ سليمةٍ قويّة.

الحركية وفاء للغاية من الخلق

ويتقدّم كُولَنْ خطوةً أخرى فيرى أن الحركة والعمل هي عملية الوفاء بالغاية من الخلق، والحركة والفكر بهذا المعنى تُشبه -وفقًا له- حياة الإنسان كلّها، والفكرُ باعتباره حركةً داخليةً وبعدٌ من أبعادِ هذه الحياة:

يرى كولن أن السبيل إلى الوجود الحقيقيّ يمرّ من الحركة والفكر القادرين على تغيير الذات والآخرين.

“إن الحركية هـي احتضان الإنسان للوجود كلّه بأصدق وأخلص القرارات، والتدقيق فيه، والسير من خلال معابره إلى اللانهاية، ثم إحلال عالمه الخاص في الفلك الحقيقيّ الذي هو غاية الخلق الحقيقيّة مستخدمًا الطاقة الكلّيّة لذكائه وإرادته بالسرّ والقوّة التي اكتسبهما من اللامتناهي، إن الفكرَ عملٌ حركيٌّ داخلي، فالفكر المنظّم والهادف هو التساؤل من الكائنات بذاتها عن المجاهيل التي تجابهها في وتيرة الوجود، والاسـتماع إلى جوابها عنها، أو بتصريح آخر: فعالية الشعور الباحث عن الحقيقة في لسان كلّ شيءٍ وفي كلّ مكانٍ، بتأسيس قَرابةٍ بين ذاته والوجود كلّه، إن روح الإنسان يلتف ويتآلف مع العالم بالفكر وفي ظل الفكر، فيتعمق باستمرارٍ في ذاته وداخل نفْسهِ.. ويمزّق قوالب “عقل المَعاش” الضيّقة ليفيض خارجًا، ويتحرّر من الأوهـام المنسلة إلى أغوار الروح.. يتحرّر، فيوائم الحقائق التي لا تُزيغ ولا تُضلّ، وبعبارةٍ أخرى، الفكرُ هو تفريغ داخل الإنسان من أجل أن يتّسع المكان للتجارب الميتافيزيقيّة في أعماق داخله بالذات، هذا هو أوّل مدارج الفكر، وأما المدرج الأخير في ذاك السلّم فهو الفكر المتحرّك”.

الإسلام أساسًا للحركة

ويؤكّد كُولَنْ على ضرورة أن يكون الإسلامُ أساسًا ومنطلَقًا للحركة والفكر كي يستطيع الإنسان الوفاء بهذا الواجب الذي تقتضيه الحركة والفكر، ويعتبر ذلك عملًا وجهدًا في سبيل وصول الإنسان إلى جوهره وإيصاله الآخرين إلى جوهرهم، ذلك أن الإسلامَ -هذا المنهجَ الذي يسمو بالإنسان من مستوى الحياة المادّيّة والبدنيّة إلى مستوى الحياة القلبيّة والروحيّة- يضعُ الحركة والعمل في مدارها الحقيقي، ويمكن القول إن الحركة والفكر بهذا المعنى تعني ممارسة الإسلام وتطبيقه، ومثل هذا التوجّه والوصول إلى الذات يكون كفيلًا بكشف الاستعدادات والملكات الكامنة في روح الإنسان، ويضمنُ له وجوده وبقاءه.

الفكر المنظّم والهادف هو التساؤل من الكائنات بذاتها عن المجاهيل التي تجابهها في وتيرة الوجود، والاسـتماع إلى جوابها عنها.

ويؤمن كُولَنْ بأن الحركة والفكر اللذين يسيران ويحلّقان بأجنحة الدِّين والعلم والفلسفة في المجتمع بأسره يُخلّصان الأجيال من التشرّد، وأن أصحاب الفكر والفنّ والمعرفة والصنعة هم صُنّاعُ المستقبل، وبحسبه فسوف:

“تفوح الأزقة والشوارع بهواء العرفان وكأنها طرقات المدارس، وتصير السجون أوكارًا للعلم، وتُزيّنُ الخمائلُ البيوتَ كزوايا الجنة، وفي كلّ مكانٍ يسير الدِّين مع العلم يدًا بيد، وينثر احتضانُ الإيمان والعقل ثمارَه في كلِّ صوب، وينبت ويزدهي المستقبل في صدر الأمانيّ والآمال والعزم بألوانٍ وأفنان لا يضاهيها خيال “المُدُن الفاضلة”، وتنشر التلفزيونات والراديوهات والصحف والمجلّات في جوّ الفضاء الفيوضات والبركةَ والنورَ، ويرتشفُ الكوثرَ كلُّ قلبٍ سائحٍ في ربيعِ الجنةِ هذا ما خلا الذي كالرميم المتخلّف من التاريخ”.

المصدر: علي أونال، فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2015م، ص80.

ملاحظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تَصرُّف مُحرر الموقع.