يبدو التشابه مع أفكار سارتر واضحًا حتى ونحن نقر بأن كولن وسارتر يستقيان أفكارهما وأعمالهما من أطر فلسفية مختلفة كليًا، لدرجة أنه تبدو لأول وهلة استحالة وجود أي اتفاق بينهما. غير أن الواضح هو أن كلاً منهما -من منظوره الخاص ومنطلقاته شديدة التباين عن الآخر-يطرح رؤى متوازية عن الحياة الإنسانية فيما يتعلق بالمسؤولية الإنسانية عن هذا العالم. ويوجه كلٌّ من كولن وسارتر كل طاقته الفكرية لإبراز الحاجة الملحة في هذه الحياة إلى أن يتحمل الناس مسؤولية العالم، والتأكيد على أن العالم سيظل دائمًا وأبدًا هو ما نصنعه بأيدينا. إذن فقد كان يمكن لأيٍّ من الفيلسوفين -كولن وسارتر-أن يكتب هذا الكلام الذي جاء في كتاب “ونحن نقيم صرح الروح”.

المسؤولية الفردية الجادة

يرى كولن أنه ينبغي على كل واحد أن يقول لنفسه بمسؤولية فردية جادة: “اليوم يوم الفعال. فإن لم أنهض للعمل، فمن المحتمل بقوةٍ أنه لن ينهض غيري أيضا” ‏ثم يَهْمِز فرسه ليندفع إلى مقدمة الصفوف لرفع الراية.

فنحن يجب أن نعتمد على أنفسنا وعلى قدراتنا نحن بغض النظر عما إذا كنا نعتقد أن تلك القدرات قد جاءتنا من الله -كما يؤمن كولن-أو لا -مثل سارتر-وأن نرفض أن ننتظر من أي شيء أو أي أحد غيرنا أن يقوم بعملنا بدلاً منا. فإلقاء مسؤوليتنا على عاتق الآخرين يعني الحياة “بسوء نية” على حد تعبير سارتر، الذي يتشابه -بشكل مثير للدهشة-مع تقويم كولن لمن لديهم إيمان ولكنهم يرفضون المسؤولية، بأنهم يعيشون “بسوء نية”.

الحياة الحقيقية هي حياة المسؤولية، ومن يعيشون تلك الحياة يعانون مما فيها من اليأس والألم ولكنهم أيضًا الكائنات التي تستحق فعلاً أن يطلق عليها وصف “البشر”.

نحو عالم ممتلئ بالخير

ونختم بفقرة أخيرة لكولن تلخص رؤيته للحياة والازدهار الإنساني الحقيقي وتُلقي الضوء على ما ينبغي أن يتم بالضبط إذا أردنا أن نحيا في عالم يمتلئ بالخير والحق والحرية لكل شخص والدورِ الذي يلعبه الناس في إيجاد مثل هذا العالم. مرة ثانية، نجد أن روح النص تتشابه مع أحاسيس سارتر وإن اختلف التعبير. يقول كولن:

“والصحيح هو أننا في هذه الجغرافية الكبيرة -بدلا من الأرواح اليتيمة والأفكار الضئيلة التي لا تقيم وزنا للشعور بالمسؤولية والقيم الإنسانية والعلم والأخلاق والفضيلة، ولا تعير اهتماما إلى الفن- بحاجة إلى إرادات فولاذية وأدمغة أصيلة تحتضن الوجود بكل أعماقه، والإنسانَ برحابه الدنيوية والأخروية، وتفسرهما، بل وتتدخل في الأشياء بعنوان خلافة الله في الأرض”[24]

ينبغي على كل واحد أن يقول لنفسه بمسؤولية فردية جادة: “اليوم يوم الفعال. فإن لم أنهض للعمل، فمن المحتمل بقوةٍ أنه لن ينهض غيري أيضا”.

شجاعة المسؤولية

إن الروح العميقة هنا هي الشجاعة، شجاعة المسؤولية. فنحن بالجبن وسوء النية نهرب من تحمل المسؤولية عن حياتنا الخاصة وعن العالم، ونحن بهذه الروح الجبانة الهزيلة نختلق الأعذار لأنفسنا، ونلقي باللائمة لما يحدث في العالم على الآخرين أو على القدر أو على الظروف. كل هذا في حين أن مسؤولية هذا العالم تقع على أكتافنا، سواء اعترفنا بذلك أم لم نعترف، وسواء تحملنا تلك المسؤولية أم لم نتحملها. فالعالم مازال يقع على عاتقنا، حتى عندما نختار الموت والجمود والحياة مثل قطعة طحلب أو كرسي أو حصاة، حياةً أقل بكثير مما أراده لنا الله أو الطبيعة أو الوجود. فالحياة الحقيقية عند الله -أو عند الحياة نفسها-هي حياة المسؤولية، ومن يعيشون تلك الحياة يعانون مما فيها من اليأس والألم ولكنهم أيضًا الكائنات التي تستحق فعلاً أن يطلق عليها وصف “البشر”، لأن لديهم إرادة حديدية وقلوبًا شجاعة تدفعهم إلى الأمام وسط الألم والضيق إلى آفاق أوسع وأكثر رحابة من المسؤولية عن كل أحد وعن كل شيء. وهؤلاء الأفراد هم الأبطال الحقيقيون للإنسانية وعلى عاتقهم يبنى العالم، وكما يؤكد سارتر وكولن فإن المجتمع الإنساني كان وسيظل دائمًا هو ما نصنعه نحن البشر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: د. جيل كارول، محاورات حضارية (حوارات نصية بين فتح الله كولن وفلاسفة الفكر الإنساني)، دار النيل، مصر، 2011، صـ135.

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر