أود في البداية أن أتناول بالشرح تعامل كولن مع القضية المتمثلة في طبيعة الحقائق الدينية والعلمية، وكذلك إمكانية حدوث صراع أو علاقة مفهومية منسجمة بين هذين النوعين من الحقائق. وقبل أن نستعرض بالمناقشة آراء كولن حول العلاقة المحددة التي ينبغي أن تقوم بين الحقائق الدينية والعلمية، فمن الأجدر بنا أن نبدأ أولًا في توضيح فهمه لكلمة “حقيقة”.

مفهوم الحقيقة

يرى كولن أن “الحقيقة” ليست شيئًا من نتاج العقل البشري؛ إذ إن الحقيقة مستقلة عن ذات الإنسان، ومهمة الإنسان هي السعي للحصول عليها. وبهذا فإن كولن يؤمن بفكرة الحقائق الموضوعية التي طالما أكد عليها العلماء والفلاسفة على نطاق واسع. ولا يؤثر قصور الخبرات البشرية الفردية الذاتية على تلك الحقائق الموضوعية، ولكنها تنتظر من يكشف النقاب عنها.

يقسم كولن الحقائق إلى نوعين: الحقائق المطلقة والحقائق النسبية، وهو يعني بالحقائق المطلقة الحقائق التي “لا تتغير”، والتي “تكمن في العالم الأسمى من العالم المحسوس”، وذلك لأنها تتعلق بالحقائق الثابتة والدائمة[1]. وتتعلق الحقائق المطلقة بجوهر الوجود الذي يمثل الميدان الذي يعجز العلم عن إدراك طبيعته، وذلك بسبب أوجه قصوره المنهجية.

ويؤكد كولن على أن “المدخل العلمي الحديث يبعد تمام البعد عن القدرة على اكتشاف الحقيقة المتمثلة من وراء هذا الوجود وعلى تقديم تفسير لها”[2]. كما يعتقد كولن أن الحقائق المذكورة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية هي حقائق مطلقة في طبيعتها[3].

وفي مقابل ذلك حقائق نسبية تتصف بالتغير وعدم الدوام والاطراد وبأنها ذات طبيعة مترددة. ويؤكد كولن على أن الحقائق العلمية تنتمي إلى هذا النوع من الحقائق النسبية. ويستخدم كولن مصطلح “الحقائق العلمية” للإشارة إلى الوقائع أو الحقائق التي يكتشفها العلم أو يضع أسسًا لها، إلا أنه يقول:

“إن العلوم تشهد تطورًا مستمرًّا، وإن ما يُنظَر إليه اليوم على أنه صحيح ربما يتضح خطؤه في الغد، وعلى العكس، فإن ما تراه اليوم خطأ ربما يثبت صوابه في المستقبل”[4].

وفي شرحه لحتمية كون الحقائق العلمية ذات طبيعة نسبية يشير كولن إلى اعتماد العلم على المعطيات التجريبية وتفسيراتها المنطقية في معرفته للأشياء التي تدرسها.

يرى كولن أن “الحقيقة” ليست من نتاج العقل البشري. إن الحقيقة مستقلة عن ذات الإنسان، ومهمة الإنسان هي السعي للحصول عليها.

تناقض أم توافق؟

في تأكيده على أن الحقائق الواردة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية هي حقائق مطلقة، وأن الحقائق العلمية ذات طبيعة نسبية، يقدم كولن المقدمة المنطقية الفلسفية التي يعتمد عليها في التعبير عن الأنماط المناسبة للعلاقات التي يتعين تواجدها بين الحقائق الدينية والعلمية.

وثمة سؤال يكثر طرحه، وهو سؤال يتعلق بما إذا كان هناك بالضرورة تناقض بين الحقائق الدينية والحقائق العلمية، أم أنه يمكن التوفيق بينهما، أم أن هناك انسجامًا بينهما. يرى كولن من حيث المبدأ أن هذين النوعين من الحقائق لا تناقض بينهما مطلقًا. ويتعين هنا الاستطراد في توضيح ما يعنيه كولن بأنه:

“ليس هناك تناقض من حيث المبدأ”، فطبقًا لوجهة نظره فإن “الكون، الذي هو موضوع دراسة جميع العلوم، يمثل العالم الذي تتجلى فيه أسماء الله الحسنى، ولهذا فإن هذا الكون يتمتع بنوع من القداسة. وكل شيء في هذا الكون يمثل رسالة من الله يدعونا من خلالها إلى دراسة هذا الشيء كي نحصل على قدرٍ من معرفته. وبهذا فإن هذا الكون يمثل مجموعة من الرسائل، أو كما يقول حكماء المسلمين إنه كتاب الله في الخليقة الصادر بشكل أساس من الصفتين الإلهيتين: الإرادة والقدرة. ولهذا يُعتبر القرآن الصادر من صفة الكلام لله نظيرًا لهذا الكون، ولكن على شكل كلمات ملفوظة. فكما أنه لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين قصرٍ ما وبين الأوراق المكتوبة وصفًا له، فلا يمكن كذلك أن يكون هناك تعارض بين الكون وبين القرآن الكريم؛ إذ إن كليهما تعبيران عن نفس الحقيقة”[5].

تعرض هذه الفقرة المقتبسة من كلام كولن، بوضوح، إيمانه الراسخ بأنه لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين الحقائق العلمية وتلك الدينية، وذلك لأنهما تنبعان من مصدر أساسي واحد، ألا وهو المصدر الإلهي. وهذا ما يؤمن به فعلًا معظم المسلمين.

الحقائق المطلقة هي الحقائق التي “لا تتغير”، والتي “تكمن في العالم الأسمى من العالم المحسوس”، لأنها تتعلق بالحقائق الثابتة والدائمة.

حقيقة أم نظرية؟

أما إذا برز موقف ما يظهر فيه أن هناك تناقضًا بين “حقيقة علمية” وحقائق دينية راسخة، وأنه قد فشلت جميع محاولات التوفيق بين هذين النوعين من الحقائق، فإن كولن يحث المسلمين في هذه الحالة أن يرفضوا مثل هذه الحقيقة العلمية تأييدًا للحقائق الدينية، وهو بموقفه هذا يتوافق مع اعتقاده “الفلسفي” بشأن القيمة النهائية للحقائق العلمية، فإن الحقائق العلمية عنده هي في الأساس مجرد نظريات؛ فلو كانت “حقيقة” بالفعل، لما كان هناك تعارض بين العلم والدين بخصوصها.

إن حقائق الوحي المطلقة هي التي لها القول الفصل عند تحديد مصير الحقائق العلمية؛ ولهذا فإنه يتعين الإيمان بأنه إذا كانت هناك حقيقة علمية يقرها الوسط العلمي على نطاق واسع في الوقت الحاضر، ولكن وُجد أنها تتعارض مع الحقائق الدينية، فلا بد أن العلم نفسه سيثبت بطلانها عاجلًا أم آجلًا. ويصر كولن على أنه يتعين أن تكون الحقائق النسبية تابعة للحقائق المطلقة. وهذا الدور التابع يحتاج إلى شيء من التأكيد حتى تكتسب الحقائق النسبية تسويغًا من الحقائق المطلقة.

يؤكد كولن إيمانه الراسخ بأنه لا تعارض بين الحقائق العلمية والدينية، لأنهما تنبعان من مصدر واحد، هو المصدر الإلهي.

بين خادم ومخدوم

وفي ضوء هذه العلاقة بين الحقائق المطلقة والنسبية يؤكد كولن على دور الحقائق العلمية في خدمة قضايا الحقائق الدينية، ولهذا فإذا كان رجال الدين التقليديون قد نظروا إلى الفلسفة باعتبارها خادمة للعلوم الدينية، فإن كولن في عصرنا الحالي يرى أن الذي يجب أن يتولى دور الخادم للعلوم الدينية هو العلوم المادية.

يقول كولن: “يمكن، بل ينبغي، استغلال العلم والحقائق التي يقدمها في شرح الحقائق الإسلامية”[6]. ثم يستطرد قائلًا إنه: “ينبغي أن يكون هدفنا الأساس عند تقديم العلم والحقائق العلمية هو الفوز برضا الله تعالى”[7].

ويبدو أن كولن ينتقد بشدة الميل إلى النـزعة العلمية (أي: تطبيق المنهج العلمي المستخدم في العلوم الطبيعية في كل مجالات الأبحاث) بين المسلمين المعاصرين، حيث تدعو هذه النزعة إلى “إثبات الدين أو التأكيد على مصداقيته من خلال الحقائق العلمية الحديثة”. وردًّا على مثل هذه النزعات التي تعتبر العلم المادي يفوق الدين بشكل ما، يواصل كولن بهذا التأكيد القوي قائلًا:

“يجب أن يكون موقفنا واضحًا، وهذا الموقف هو أن القرآن الكريم والسنة النبوية هما حقيقتان مطلقتان، أما بالنسبة إلى العلم المادي والحقائق العلمية، فإنهما صحيحان طالما أنهما يتوافقان مع القرآن والسنة النبوية، وهما خاطئان إذا ما اختلفا أو ابتعدا عن حقيقة القرآن والسنة. بل إنه لا يمكن اعتبار الحقائق العلمية التي ثبتت صحتها بصورة قطعية أعمدةً تدعم حقائق الإيمان”[8].

يؤكد كولن على أن حقائق الوحي المطلقة لها القول الفصل عند تحديد مصير الحقائق العلمية.

ثلاث مجموعات معارضة

ومع وجود التوجهات الداعية إلى النزعة العلمية في أرجاء العالم الإسلامي[9] فمن الواضح تمامًا أن النقد الذي يعارض به كولن هذه النزعة موجّه في المقام الأول إلى مجتمعه التركي نفسه. ويريد كولن أن يواجه آراء ثلاث مجموعات هامة في هذا المجتمع يراها آراءً خاطئةً.

وتتكون أول مجموعة من الملحدين الذين نبذوا الدين باسم العلم. أما المجموعة الثانية فهي التي تتكون من المسلمين الذين يؤمنون بالدين والعلم معًا، ولكنهم يميلون إلى وضع الدين في مرتبة أدنى من مرتبة العلم. وتتكون المجموعة الثالثة من المسلمين الذين يعترضون على إعطاء مكانة للعلم من أجل دعم الحقائق الدينية.

وقد رفض كولن جميع وجهات النظر الثلاثة هذه باعتبارها غير مقبولة من وجهة النظر الإسلامية. وبالإشارة إلى المجموعة الأولى يصف كولن مواقف المعادين للدين والماديين تجاه الدين والعلم في البنود التالية: “أنهم يحرصون على “استغلال العلم باعتباره وسيلة لتحدي الدين، واستخدام مكانة العلم في بسط أفكارهم”، ونتيجة استغلالهم للعلم “فقد قاموا بتحريف وإفساد عقول عدد كبير من الناس”[10].

إن العلم المادي والحقائق العلمية صحيحان طالما أنهما يتوافقان مع القرآن والسنة، وخاطئان إذا ما اختلفا أو ابتعدا عن حقيقة القرآن والسنة.

وفي مواجهة هذا الاستغلال للعلم من قبل مجموعة من الناس لتكذيب الدين يدعو كولن المسلمين إلى دراسة العلوم، وذلك من أجل مواجهة هذه المجموعة بنفس براهين الحقائق العلمية التي تدعم الدين. كما يريد كولن أن يحث المؤمنين على أنه إذا قام بعض الناس بتفسير بعض الاكتشافات العلمية لإنكار الدين، فبإمكان المؤمنين أن يستخدموا نفس المواد العلمية لبيان أن العلوم والتكنولوجيا لا تتعارضان مع الإسلام. ومن المؤكد أن العلم الذي يسترشد بالدين سوف يقود الناس إلى الصراط المستقيم.

أما المجموعة الثالثة فإن كولن ينكر عليها رأيها في تجنبها لهذا الارتباط؛ حيث يعتقد أنه ليس ثمة ما يمنع هذا الارتباط من الناحية الدينية. يقول كولن: “إنني أعتقد أن العكس هو الصحيح؛ حيث أرى أنه يتعين على المؤمنين أن يكونوا على دراية تامة بمثل هذه الحقائق كي يقاوموا المادية والإلحاد”[11].

ويحاول كولن أيضًا إيضاح أن توظيف العلم لخدمة الدين يختلف عن تسويغ الدين من خلال العلم كما تفعله المجموعة الثانية، الذين ناقشنا بالفعل نزعتهم العلمية التي يؤمنون بها. ولن يرتكب المسلمون خطأ النزوع إلى العلمية طالما أنهم يتفهمون أن حقائق الدين لها من الأدلة ما يستقل عن العلم، وطالما أنهم يدركون ويحافظون على سمو الحقائق الدينية على الحقائق العلمية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]       فتح الله كولن: في ظلال الإيمان، ص. 308.

[2]       المصدر السابق، ص. 307.

[3]       المصدر السابق، ص. 335.

[4]       المصدر السابق، ص. 306.

[5]       المصدر السابق، ص. 318-319.

[6]       المصدر السابق، ص. 334.

[7]       المصدر السابق، ص. 334-335.

[8]       المصدر السابق، ص. 335.

[9]  يعتبر أبرز الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بالنزعة العلمية في العالم الإسلامي المعاصر هو عالم الطب الراحل “موريس بوكاي” (Maurice Bucaille)، فرنسي المولد، والذي نُقل أنه اعتنق الإسلام. وقد تم ترجمة أعماله، التي تركزت على قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، تمت ترجمتها إلى العديد من لغات العالم الإسلامي، ويعتبر أكثر كتبه انتشارًا وشهرة هو الكتاب المقدس والقرآن والعلم (The Bible, The Qur’an and Science) (باريس: سيجرز، 1978م). ولمزيد من الأعمال النقدية لعلمية موريس بوكاي، انظر كتاب ليف ستينبريج بعنوان ” The Islamization of Science: Four Muslim Positions/أسلمة العلم: أربعة مواقف إسلامية تطور الحداثة الإسلامية”، دراسات لند في تاريخ الأديان، المجلد السادس، لعام 1996م.

[10]      فتح الله كولن: في ظلال الإيمان، ص. 333.

[11]      المصدر السابق، ص. 334.

المصدر: زكي ساري توبراك وآخرون، السلام والتسامح في فكر كولن، دار النيل للطباعة والنشر، ٢٠١٤، الطبعة الأولى، القاهرة، صـ٧٠-٧٧.

ملاحظة: عنوان المقال وعناوينه الجانبية من تصرف المحرر.

About The Author

عثمان بكار، أستاذ الدراسات الإسلامية بماليزيا، وكذلك باحث في مركز التفاهم الإسلامي المسيحي، جامعة جورج تاون، واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية

Related Posts