كما هو معلوم فإن مفهوم المّدّنيَّة واحدٌ من أكثر المواضيع تناولاً ودرسًا منذ عصرّين من الزمان، وقد تَنَاوله البعضُ مع “الحداثة”، حتى إنهم جعلوهما شيئًا واحدًا، بينما البعض فرَّق بينهما تفريقًا مهمًّا، ويمكن القول إن فتح الله كولن واحدٌ ضمن المجموعة الثانية هذه؛ وكما هو ديدنُه وشأنُهُ؛ فقد تجنَّب الدخول في نقاشات نظريَّة أو متضاربةٍ حول هذا المفهوم، وسعى أن يُحَمِّلَ هذا المفهوم ــ الذي صار جزءًا من معاجم الإنسانية جمعاء، بل من حياتها اليومية ــ المحتوى والمعنى الواجبَ أن يُحَمَّلَهُ.

التَّمدُّن فطرة في الإنسان

يرى كولن أن الإنسان مخلوق مدنيٌّ في الأساس بحسب ما تقتضيه فطرته؛ أي إنَّه خُلِق ملائمًا للتَّمَدُّن بالنظر إلى ماهيته، وقد استطاع منذ أن جاء الوجودَ وحتى الآن أن يكون مدنيًّا بقدرٍ ما، أو أنه بَحَثَ عن الطُّرُقِ الموصلة إلى ذلك؛ فالرغبة في المساواة بين التَّمَدُّنِ والتقنية والتكنولوجيا والصناعة، كلّ ذلك وسيلةٌ وأداةٌ في عمليَّة “تحديث” الحياة، والمدنية ما هي إلا مناخ وجوٌّ ملائمٌ لتطوُّر ملكات الإنسان ومواهبِه وتناميها، أما الإنسان المدنيّ فهو المنفتحُ المتطوِّرُ في هذا المناخ مشاعريًّا وفكريًّا، المُنصَاع لأمر المجتمع بما طوَّره من مشاعر سامية، ولذا فينبغي ألا يُبحَث عن الثراء في عناصر الازدهار المادية كالقصور والعمائر الفخمة، ولا في أودية المشاعر الجسدية كالإنتاج والاستهلاك باعتباره أمرًا روحيًّا وذهنيًا، بل ربما يجب البحث عنه في الظواهر المعنوية الذهنية كوجهة النظرِ والرُّؤَى المتعدِّدَةِ والنظامِ الفكريِّ ورحاب الروح.

المدنية عند كولن ليست غنًى ماديًّا ولا إشباعًا للرغبات الجسدية ولا انغماسًا في الشهوات والسفاهات، بل غنًى في القلب ورقَّةٌ في الروح، وعمقٌ في النظرة إلى الأمور، واعترافٌ بحقِّ الآخرين في الحياة، وتقبُّلُهم وعدم التضييق عليهم.

التَّمدُّن إثراء لملكات الإنسان

المدنية عند كولن ليست غنًى ماديًّا ولا إشباعًا للرغبات الجسدية ولا انغماسًا في الشهوات والسفاهات، بل إنها غنًى في القلب ورقَّةٌ في الروح، وعمقٌ في النظرة إلى الأمور، واعترافٌ بحقِّ الآخرين في الحياة، وتقبُّلُهم وعدم التضييق عليهم أيضًا، ولقد تحققَّت المدنيَّة الحقَّةُ في تلك المناخات والبيئات التي سار فيها العلم مع الأخلاق جنبًا إلى جنب؛ لذا فإن المدنية التي لا تستند إلى الفضيلة والأخلاق، ول تتغذَّى من منابع العقلِ والضميرِ، لا يمكن أن تكون وسيلةً لسعادة الإنسانية، وكلُّ ما تستطيعه مثلُ هذه المدنية هو أن تخدم بعض الأغنياء وأرباب الأهواء برهةً من الزمن لا أكثر؛ ولكي يصبح الأفراد مدنيِّين يلزم البحث عن الطريق الموصلة إلى اكتسابهم فطرةً ثانيةً عبر تنمية بذور الأمور الطيبة الخيِّرة الكامنة  في جواهرهم.

يرى كولن أن حضارة المستقبل سوف تنمو وتتطوَّر وتترعرع بعد أن تَتَبَرْعَمَ فلسفةُ الشرق الإيمانية والأخلاقية، وتتمازجَ بعلومِ الغربِ وصنائعه.

كيف نصل إلى الأفق المدني؟

يتطرق فتح الله كولن إلى تكوّن المدنيَّات؛ فيعتقد أن كلَّ مدنيَّةٍ جديدة إنما ظهرت وتكوَّنت بفضل حملة عشقٍ وإيمانٍ جديدة تمامًا، ويرى أن الوصول إلى الأفق المدنيّ يستحيل أن يتحقَّقَ في بيئة كهذه، ولا سيما في مجتمع يفتقرُ إلى هذا الإيمان والحماس، حتى وإن اخْتُرِقَت السماوات في ظلِّ العديد من أفرُع العلم، ويُسجل أن: “المدنيَّةَ التي حَسِبَت كلَّ شيءٍ محصورًا في العلم ظلَّت مدنيَّة مشلولةً، أما المدنيَّات الشرقيَّةُ التي انْعَزلَتْ عن العلم، وتقوقَعَتْ على نفسها فهي بالنَّظَرِ إلى موقفها ووضعها الراهن بعيدةٌ كل البُعدِ عن أن تُكوِّنَ مدنيَّةً مناسبة للحاضر والمستقبل”[1].

ومن هذه الناحية يرى كولن أن حضارة المستقبل سوف تنمو وتتطوَّر وتترعرع بعد أن تَتَبَرْعَمَ فلسفةُ الشرق الإيمانية والأخلاقية، وتتمازجَ بعلومِ الغربِ وصنائعه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] ) فتح الله كولن، الموازين أو أضواء على الطريق، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2015، صـ97 ــ98.

المصدر: علي أونال، ترجمة عبد الرازق أحمد محمد، فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2015، صـ340ــ 341 ــ 342.

ملاحظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تصرف محرر الموقع.