مع أن فتح الله كُولَنْ صرّحَ بوضوحٍ في مُعظم كتاباته ولقاءاته بأن كلَّ ما يهدف إليه ويبتغيه هو الفوز برضا الله عبر تحقيقِ العبودية لله تعالى؛ إلا أن بعضَ الآراءِ والنظريَّات المُغرِضة قد نُسجت داخلَ تركيا وخارجها حول ما يهدف إليه، وماذا يريد فعله، وإلى أين يريد أن يَصِلَ؟ إنه يرى:

“الإنسانَ سائحًا، والكونَ مَعارضَ متباينة الألوان أُعدَّت كي يشاهد الإنسان ما فيها، وكتبًا زاخرةً مطروحة لنظر الإنسان وتأمُّله وإرشادِ سياحته، وقد أُرسل هذا السائحُ إلى هذا العالَم كي يقرأ هذه الكُتب ويزيد من معرفته؛ فيسمو ويترقى إلى الإنسانية الحقة”.

ومن ثم فإن هدف فتح الله كُولَنْ هو السياحة التي ينبغي أن تكون هدفَ كل إنسان؛ سياحة في سبيل “من لا تراه العيون ولكنه يدلُّنا على نفسِه بواسطة آثاره ومخلوقاته”، وغايتها الوصول إليه تعالى، ويُعلِّلُ ذلك كُولَنْ بقوله:

“كيف لا! ولم نأتِ نحن وكلّ شيءٍ إلى هذا العالَم إلا لكي نعْرِفه ونُعَرّف به! ولا نعرف وظيفةً أسمى وأجلّ من هذه الوظيفة، فوجودنا نحن جميعًا ظلٌّ من ظِلالِ وجودِهِ جلا وعلا، أما هو فمصدرُ كلِّ شيءٍ ومنبعُهُ وإليه مرجعه”.

هدف فتح الله كُولَنْ هو السياحة التي ينبغي أن تكون هدفَ كل إنسان؛ سياحة في سبيل “من لا تراه العيون ولكنه يدلُّنا على نفسِه بواسطة آثاره ومخلوقاته”.

وهذه السياحة -وفقًا لفتح الله كُولَنْ- هي العبوديّة، فمعرفةُ الناسِ اللهَ وعبادتُهم إياه فحسب هي غايةُ إرسالِ الرسل، أي هي الغاية من الدِّين، ويذكر الله تعالى هذه الحقيقة في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذَّارِيَاتِ: 51/56).

وإن رؤية العالَـمِ الذي ينشده فتح الله كُولَنْ والمستقبلِ الكامن في خياله؛ يمكن أن يعطينا معلومةً واضحةً بشأن الهدف الكامن في حركتِهِ وعملِهِ، وهو يكتب في هذا الموضوع قائلًا:

“عندما أغمض عيني أشعر وكأنني أشاهد المستقبلَ في الإطار الذي رَسَمَهُ وحدَّدَهُ إيماني وأملي وخيالاتي، وقد قَوِيتْ فيه القيمُ الإنسانيّةُ وتعمَّقت، وتسامت المشاعر والأحاسيس حتى بَلَغَت الذروةَ، ونال البَدَنُ نصيبَه أيضًا من القِيَمِ الروحيّة نفسها، وأُبصرُ بعينَيْ قلبي عصرًا ذهبيًّا هو الأنفَسُ والأروعُ في زمانٍ تُشكِّلُه أندرُ وأغلى قِطَعِ “الجنة المفقودة” التي ما زلنا نبحث عنها منذ زمن في عالمنا الروحيّ تتجاوز تصوُّرَنا لها، وتتوالى وارداتها وتنسلُّ إلى أحلامي وَرُؤَايَ…

حتى إنني في هذا الربيع المنسوج في عالم إيماني ورجائي أعانقُ الوجودَ كلّه، وأُحَيّي الأحياء بشفقةٍ وعطفٍ، وأضمّهم إلى صدري، وأقول لنفسي: “لا بدَّ وأنَّ هذه هي غاية الخالق من خَلْقِ الموجودات”.

أجل، لا خشونةَ ولا فظاظةَ ولا طمعَ ولا طول أمل ولا مناقشة ولا كذب ولا غدر ولا ظلم ولا إجرام ولا اختلاس في تلك الدنيا، وإنما فيها المروءة واللُّطْفُ والعزمُ على الانبعاث وحبُّ الحياة والملائمة والحوارُ واحترامُ الحقوق والشعورُ بالأمانة والشعورُ بالوفاء وروحُ الصدق وفكرةُ العدل والاستقامة، وإنَّ أهل هذه الدنيا قد طهّروا قواميسَهم اللغويّة من معاني الحقدِ والكرهِ والنزاعِ تمامًا، وأسَّسُوا حيواتهم على المحبة واللين وحسن العلاقة مع الناس”.

المصدر: من كتاب “فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري”