تمر تركيا بمرحلة حاسمة في تاريخها؛ فهي على أبواب تعديلات دستورية، تقوي كثيرًا من سلطة الرئيس، في حين تُضعف من بقية مؤسسات المجتمع، وتكاد تهدر قيمة الفصل بين السلطات. وفى هذه الحالة فإنها تهدد المجتمع بمخاطر عدة،…فليس هناك ما يضمن ألا تُوظَّف تلك التعديلات لإقامة نظام ديكتاتوري مستبد”. هذا هو المعنى الذي أشار إليه الكاتب الكبير فهمي هويدي في مقاله: “عن تركيا وصداها”، الذي نشر على موقع الشروق يوم الإثنين الموافق 20 مارس 2017. وفهمي هويدي هو واحد من الذين قدَّروا الرئيس التركي أردوغان، وتضامنوا معه وتفاءلوا به “على حد تعبيره” في المقال، ولكنه اليوم وفي هذا المقال تحديدًا يعلن عن تحوله في مشاعره إزاءه، بسبب نزوعه إلى الحكم الفردي الذي أصبح يهدد النظام الديمقراطي، ومن ثم يعرض مستقبل المجتمع التركي لمخاطر جمة.

فهمي هويدي يعلن عن تحوله في مشاعره إزاء (أردوغان) بسبب نزوعه إلى الحكم الفردي الذي أصبح يهدد النظام الديمقراطي، ومن ثم يعرض مستقبل المجتمع التركي لمخاطر جمة.

ونحن نقول للأستاذ فهمي هويدي -وهو الكاتب الشجاع الذي ظل محافظًا حتى الآن على استقلالية قلمه رغم الظروف العاتية التي تمر بها المنطقة عمومًا-: إنه لو كان كاتبًا تركيًا وأراد أن ينشر هذا المقال في صحيفة تركية كان سيجد صعوبات كثيرة، وربما كان سيتعرض للطرد من الصحيفة التي يعمل بها، هذا إذا لم يُعتقل ويُودع في غياهب السجون، وتُسلط ضده أقلام مرتزقة الصحفيين الموالين لأردوغان، وكتائب الجيوش الإلكترونية، لتنال من سمعته وتحط من قيمته وقدره في أوساط الرأي العام المحلي. والشاهد على ذلك عشرات الصحفيين المستقلين القابعين الآن في سجون النظام التركي الحالي، على خلفية الانقلاب المسرحي الذي بدأت التقارير المخابراتية العالمية تصرح بأنه كان انقلابًا مسيطرًا عليه، سمح أردوغان بتهيئة الأجواء لحدوثه، لاستغلاله فيما بعد لمصلحته الشخصية أفضل استغلال. ومن هؤلاء الصحفيين المعتقلين رجال كان لهم دور كبير في التنظير للفكر الإسلامي السياسي التركي بشكل عام، وبعضهم عمل مستشارًا لأردوغان شخصيًّا في أثناء توليه منصب عمدة إسطنبول، كالكاتب المستقل الكبير الأستاذ علي بولاج الشهير بالكتابة في الفكر السياسي الإسلامي، وكذلك الكاتب الكبير الأستاذ علي أونال الذي يحظى بمكانة كبيرة بين كافة التيارات والحركات الإسلامية، بالإضافة إلى الكاتبة المستقلة الليبرالية نازلي إليجاك التي تخطت السبعين من العمر، ومع ذلك لم يشفع لها عملها في الكتابة الصحفية قرابة الأربعين عامًا ولا سنها المتقدم أو جنسها في المنع من الاعتقال، وكذلك الصحفي اليساري أحمد ألطان، وغيره من عشرات الصحفيين والكتاب من مختلف الاتجاهات والأعمار الذين لا ذنب لهم سوى إعلانهم عن مثل ما قاله الأستاذ هويدي بكل صراحة.

بدأتُ بهذه المقدمة الطويلة لأبين أن النوايا الحقيقية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي تنزع إلى التسلط والاستبداد بدأت تظهر للعيان، وبدأ العالم وعلى رأسه المتعاطفون مع القيادة التركية الحالية يرون الوجه الحقيقي لهذه القيادة، ويكتشفون متأخرًا مقدار الخداع الذي تعرضوا له من خلال اللعب على المشاعر الدينية، واستغلال قضايا “الأمة الكبرى” لتحقيق طموحات شخصية، ومنافع عائلية لا علاقة للأمة بها من قريب ولا بعيد.

وقد تنبهتِ “الخدمة” وعلى رأسها الأستاذ فتح الله كولن مبكرًا لهذا الخداع، وحذروا أردوغان وحزب العدالة والتنمية من مغبة المضي في هذا الطريق التسلطي الذي يؤدي إلى ما يتخوف منه الأستاذ فهمي هويدي الآن، فما كان من أردوغان وحكومته إلا إعلان الحرب الشعواء على الخدمة والأستاذ كولن، ونالوا منهما بكل الطرق والوسائل. وآخر ذلك اتهامهم بما هم أبعد منه على الإطلاق، وهو الإرهاب والعمل على إحداث فوضى في البلاد من خلال الوقوف وراء محاولة الانقلاب، بل والأنكت من ذلك طلبهم على قوائم الإنتربول الدولي بحجة انتمائهم للدواعش، وكأني بهم يطبقون المثل القائل: “رمتني بدائها وانسلت”.

واليوم وبعد أن بدأت حقيقة هذا النظام الفاشي تتكشف للعالم شيئًا فشيئًا، وبدأت مؤشرات السقوط في الفوضى تبدو للعيان مالم يتدارك هذه الأمة عناية الله وفضله، وبدأت كل علامات التحذير التي حذر منها الأستاذ كولن تتوالى في الظهور، فإنَّ أخشى ما أخشاه أن يتناسى الناس -وخاصة المتعاطفين منهم مع أردوغان تمسكا بالأمل الأخير في المنطقة “على حد زعمهم”- كل هذه النداءات التي وجهها الأستاذ كولن لهذه القيادة، وكل التحذيرات التي حذر منها، وكل الدعوات التي دعاهم إليها للحيلولة دون وقوع البلاد في هذا المستنقع الآسن، ويحملوا  الخدمة فاتورة الفشل وجر البلاد إلى هذا المصير.

تنبهتِ “الخدمة” وعلى رأسها الأستاذ فتح الله كولن مبكرًا لهذا الخداع، وحذروا أردوغان وحزب العدالة والتنمية من مغبة المضي في هذا الطريق التسلطي الذي يؤدي إلى ما يتخوف منه الأستاذ فهمي هويدي الآن

من أجل ذلك كله أعد فريق من الباحثين العرب والأتراك دراسة بعنوان: “خطاب الأستاذ كولن إبان الأزمة” قام فيها بتحليل خطاب الأستاذ كولن خلال أزمة اضطهاد الحكومة الحالية بقيادة أردوغان لحركة الخدمة، ابتداء من تاريخ عمليات القبض على متورطين حكوميين وآخرين مقربين من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقضايا فساد في 17/25 من ديسمبر 2013، وقبلها بقليل إبان إصدار الحكومة قرارها المخالف للدستور بإغلاق مراكز التأهيل الجامعي الخاصة الذي تدير الخدمة قطاعًا كبيرًا منه؛ حيث يعتبر بعض المراقبين أن هذه القرارات كانت الشرارة الأولى لاستهداف حركة الخدمة، إذ بدأ بعدها استهداف مؤسساتها العاملة في الحقل الاجتماعي المدني بالمصادرة والإغلاق ثم انتهى الحال إلى اعتقال مجموعات كبيرة بشكل غير قانوني وفصل الآلاف من وظائفهم، ووضع عدد كبير جدا على قوائم الإنتربول الدولي بقضايا ملفقة بلا أي سند أو دليل، وعلى رأسهم الأستاذ كولن الذي اتهمه أردوغان في اللحظات الأولى من حدوث انقلاب يوليو/تموز 2016 بأنه من يقف وراءه.

وتسعى هذه الدراسة إلى توثيق الوقائع الحادثة إبان هذه الفترة من خلال خطاب الأستاذ كولن ذاته، وذلك بهدف إلقاء نظرة كلية شاملة على الأحداث تختلف عن  النظرة التجزيئية التي تعالج تلك الأحداث بشكل يومي أو بشكل آني حسب الظروف والملابسات المحيطة.

وتهدف الدراسة إلى إطلاع الباحثين والدارسين والقراء عموما على طريقة إدارة الأستاذ كولن لهذه الأزمة من خلال أهم التوجيهات التي وجهها لأبناء الخدمة، وكيفية التعامل مع الإجراءات التي تمارسها الحكومة ضد الخدمة أفرادًا ومؤسسات. كما ترصد أهم النداءات والتحذيرات التي وجهها الأستاذ للحكومة التركية الحالية، والردود التي أجاب بها على الافتراءات والاتهامات التي ادعتها الأخيرة عليه.

وتتضمن الدراسة أيضا مراجعات الأستاذ كولن الذاتية والأخطاء التي أشار إليها باعتبارها أسبابا أدت بالطرفين إلى الوصول إلى هذه المرحلة، إلى غير ذلك مما تناولته الدراسة مما سنعرض له بالتفصيل في سلسلة مقالاتنا التالية. وللحديث بقية…