الوعي بقيم الاستقلال الحضاري عند المفكر فتح الله كولن

المتأمل في مسرح تطور الفكر النهضوي في العالم الإسلامي، يجد أن سعة مساحة التخلف التي عاناها العالم الإسلامي بفعل آفات التجهيل والتغريب والتخلف الموروثة من عهود الاستعمار والاستبداد والانحطاط، قد عمّقت الشعور بالقلق الحضاري، وتنامت معها الأسئلة القلقة لدى رواد الفكر الإصلاحي الحالمين بالمشروع الحضاري الجديد. وإذا كان هذا القلق أمام ظواهر التجهيل والتغريب والاستبداد والاستعمار قد نوَّع من أشكال وعيهم، حتى ليخيل لنا أنهم تخصصوا في كل ميدان رأوه كفيلاً بتقدم العالم الإسلامي، فكان الرجل الحضاري جمال الدين الأفغاني، والرجل الديني محمد عبده، والرجل السياسي عبد الرحمن الكواكبي ..إلخ، إلا أن الألفية الثالثة، بما حملته من تحديات مهددة للهويات الحضارية، ومستجدات علمية وتكنولوجية وأيديولوجية مشككة في القيم الحضارية، قد تعاظم معها القلق القيمي أكثر، حتى أصبحنا نسمع ما يُسمى بالحرب الحضارية الجديدة، والحرب القيمية كما نجد عند “طوني بلير” الذي قال: “لقد فضلنا معركة القيم على معركة الأمن”.

الإسلام اليوم ينقصه المسلمون المفعّلون لتعاليمه السامية وقيمه الحضارية ومبادئه الإنسانية.

وتنامى هذا القلق لدى رموز مضيئة ممن تناغم في فكرهم الإصلاحي الوعيُ التاريخي الداعي إلى حماية الهوية الحضارية، والذاتية الثقافية، في غير انغلاق بالوعي الحضاري المنفتح على العصر وعطاءاته الحضارية في غير ذوبان.

ويعتبر المفكر محمد فتح الله كولن من هذا الرعيل الذي جمع في معالجته بين الأدب والغضب معًا، وبين أشكال الوعي المختلفة: الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، حتى يصح أن يقال فيه “إنه جمعٌ بصيغة المفرد”.

ركائز الفكر الإصلاحي عند كولن

وبقراءة عجلى لمنظومة الفكر النهضوي عند المفكر محمد فتح الله كولن، يمكن القول -اختصارًا- إنه “مهندس البناء الحضاري للعالم الإسلامي بامتياز”، وأن مادة فكره الإصلاحي ترتكز على ثلاثة أشكال من الوعي، هي الوعي بالخصوصيات، والوعي بالتحديات، والوعي بالاحتياجات.

1- الوعي بالخصوصيات

لقد شكّل الوعي بخصوصية الإسلام وتميزه، وبهويته الحضارية وذاتيته الثقافية، المركز الرئيس في فكره الإصلاحي، باعتباره نظامًا شموليًّا وواقعيًّا متميزًا في رؤيته للإنسان والكون والحياة. وبهذا لا يمكن وسمه بالاشتراكية والرأسمالية والمثالية وغيرها من الأيديولوجيات الوضعية بمعانيها الغريبة؛ فهو كما يقول تحت عنوان “الطابع الإسلامي للتصور الإصلاحي”، نظام فريد واسع العناية بكل شيء، وهو بذلك حاضن لأرقى القيم الإنسانية التي يعتقد البعض أنها منتج غربي؛ كالحرية، والمساواة، والعدالة، وحقوق الإنسان.. وليست هذه المبادئ كالديمقراطية في الحضارة الغربية إلا وسيلة للهيمنة والاستعلاء، بينما هي في الإسلام مبادئ “لرضا الله وسعادة البشر”، ويعني هذا في المنظومة القيمية الإسلامية، دعوة إلى تعزيز “قوة الحق” و”قوة المحبة”، وليست دعوة إلى “حق القوة” و”محبة القوة” كما نجد في التوجهات الحضارية الجديدة. وإذا كان الإسلام رسالة قيمية، فإنه يدعو إلى “إعمار الحياة الدنيا التي قد تبدو محتقرة لدى البعض” كما يقول. وبذلك يكون الإسلام دعوة لإقامة ما هو ذو قيمة بالنسبة للوجود الإنساني، مصححًا المفهوم العبثي للوجود، والفعل البشري اللامعقول، استنادًا إلى قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وبهذا التوجه القيمي السامي للإسلام، كان صلاح الإنسان وعمارة الكون وتناغم الكائنات -في المنظور الإصلاحي عند كولن- وتعزيزًا لفكرة الريادة الحضارية للإسلام.. يمضي “كولن” كاشفًا عن إسهامات علماء الإسلام التي أضاءت دروب التقدم والإبداع عند الغربيين -كالرياضيات عند الخوارزمي، والبصريات عند ابن الهيثم، والاجتماعيات عند ابن خلدون، والطب عند ابن سينا، والكيمياء عند جابر بن حيان- لافتًا النظر إلى العلّيّة، أو المعقولية التي كانت مصدرًا لهذا البناء الحضاري عند المسلمين.

وإذا كان البابا “بنيدكت السادس” اتهم في محاضرته بالجامعة الألمانية عدم اهتمام الإسلام بالنظر العقلي، فإننا نجد كولن في بحثه “المعقولية ووجهان للعقل” يميز بين نوعين من العقل، داعيًا إلى العقل السماوي الضابط للشهوات والانحرافات قائلاً: “إن العقل هو العنصر الأساسي للتفكير، والجوهر الأول للمحاكمة المنطقية”.

وفي هذا المنحى الداعي إلى إعمال العقل، يلتقي مع الشيخ محمد عبده الذي يقول: “فقد أمر الكتاب بالنظر واستعمال العقل فيما بين أيدينا من ظواهر الكون”، ولكن أيّ عقل يدعو إلى اتباعه كولن؟ باعتباره ممثلاً للفكر التنويري الإسلامي، فقد اختلف مع حركة التنوير الأوروبي، التي ظهرت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر عند ديكارت، وفولتير، ممن جعلوا سلطة العقل فوق سلطة الكنيسة، ونزْع وصفة القداسة عن الدين، يقول: “إن فلسفة العلم في أوروبا أوقعت الغرب كله في صراع دائم بين العلم والدين فخلّف ذلك انفصامًا بين العقل والقلب”. فالعقل عنده وإن مال إلى اعتبار أن المدركات الجوانية القلبية لها شأنها في معرفة الحقيقة، التقاء مع قول الشاعر:

قلوب العارفين لها عيون *** ترى ما لا يراه الناظرون

فإنه أكد التصالح والتفاعل بين العقل والعلم، بين العلم والدين؛ حتى يمكن اعتباره من دعاة “العقل العالم” و”العلم العاقل”.

ومن أبرز سمات الوعي بالخصوصيات عنده ما يلي:

أ- تحديد المنطلقات والعلاقات والغايات في أي مشروع حضاري منتظر: فهو يرى أن الأمة التي لا تعرف من أين تنطلق وأين تنتهي وكيف تسير؛ لا يستقيم سيرها الحضاري، فيقول: “إن الأمم التي لا توجد لها أهداف سامية ومثُل عليا، لا تقطع شوطًا بعيدًا”.

بـ- تكامل الحضارات: في رأيه؛ الحضارات نتاج تفاعل بين مختلف العبقريات، ومن ثم فهي “أخذ وعطاء، وتأثير وتأثر دائم”.. من هنا نرى أنه كان يؤمن بحتمية التلاقح والتفاعل بين الحضارات مبطلاً بذلك نظرية “هنتغتون” الذي قال بحتمية صدام الحضارات، وبما قاله قبله الشاعر البريطاني “كيبنلج”: “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا”.

لقد عرَف العالم الإسلامي بمطلع الألفية الثالثة، تحديات متعاظمة ومتغيرات متسارعة وتيارات فكرية وأيديولوجية متنوعة، هددت مخاطرُها قيمَ المجتمعات وأمنَها.

جـ- استقلال الهوية الحضارية والذاتية للمجتمعات الإسلامية: فتح الله كولن يعتبر الثقافة من الطاقات المتجددة التي تمد الأمم بقوتها ومناعتها، فيدعو إلى ثقافة “متحررة من الأفكار الماسخة والغريبة”، والمحافظة على نفسها، والتي تمد الإنسان بالحياة كالهواء والماء.. وإذا كان يدعو إلى ثقافة منفتحة تتبادل التأثير المتبادل كما يقول، فإنها يجب أن تحافظ على قامتها من السقوط أمام الرياح الماسخة، وفي ذلك يلتقي مع “غاندي” الذي يقول: “أريد أن تهبّ بجوار بيتي كل رياح العالم، لكنني أرفض أن أسقط أمامها”. وبذلك يدعو إلى “الثقافة الأصيلة والمعاصرة التي تنبع من جذورها وتتفاعل مع الثقافات العالمية”.

ومن ثم فإنه دعا إلى ثقافة تتميز بالسمات التالية:

• سلطة الثقافة لا ثقافة السلطة المنحنية أمام الضغوط الخارجية والرسمية.
• ثقافة البناء التي تبني بالمقدس لا بالمدنس حياة الإنسان وعمارة الوجود.
• ثقافة قيمية تتناغم فيها الأبعاد الأخلاقية والعلمية والحماية.
• ثقافة الانتماء التي ترتبط بمقومات مجتمعها وجذور حضارتها.

2- الوعي بالتحديات

لقد عرَف العالم الإسلامي بمطلع الألفية الثالثة، تحديات متعاظمة ومتغيرات متسارعة وتيارات فكرية وأيديولوجية متنوعة، هددت مخاطرُها قيمَ المجتمعات وأمنَها، فتعاظمت معها آفات الحروب والإساءات للحضارات، وظواهر التطرف، وهجرة العقول، والعولمة العابرة للقارات انعكست آثارها سلبًا على المجتمعات الإسلامية.. فكانت مادة عمل المفكر “كولن” على معالجتها وتنبيه الغافلين إلى مخاطرها ومنها:

أ- ثنائية القديم والجديد أو الأصالة والمعاصرة: فقد أوجدت هذه الثنائية انفصامًا في شخصية المسلم الذي وقف موقفًا متناقضًا، موقفًا حائرًا في الجواب عن سؤال: كيف أبقى محافِظًا على هويتي وفي الوقت نفسه أكون معاصرًا منفتحًا على العصر ومستفيدًا من عطاءاته؟

ومن هذه المواقف المزدوجة، نجد كولن يعلن سقوط الثنائية بين القديم والجديد، ذلك أن في القديم ما يبقى جديدًا، وفي الجديد ما يبقى قديمًا.

بـ- هجرة العقول: يعرف العالم الإسلامي نزيفًا متناميًا لعقوله التي تعتبر ثروته وعدة مستقبله، وإذا كانت هناك عوامل جاذبة تغري بهجرة هذه الكفاءات، فإن “كولن” يعتبر هذه الكفاءات مهجرة يدفعها وطنها الأصلي والوطن الغربي إلى الحرمان بحثًا عن وطن يمنحهم كرامتهم وعمق وجودهم، يقول “كولن”: “إن وطن المستقبل يدفع بأبنائنا إلى الغربة والحرمان وفي أيديهم مشاعل العلم والعرفان”.

جـ- العولمة والتكنولوجيا: تعتبر أكبر التحديات التي عمّقت المسافة بين مجتمع يملكها، وبين مجتمعات تعاني فقرًا فكريًّا مدقعًا، لذلك ظل السؤال الجوهري الباسط ظلاله في كل كتاباته هو، كيف يمكن للتكنولوجيا أن تحقق الرفاهية والمعرفة معًا لجميع سكان الأرض؟ يجيب “كولن” بأنه: “لا يعد عصر التكنولوجيا والعلوم الذي نعيش فيه نورًا وضياءً للمجتمعات كلها، بل إنه عصر زاد من ظلام كثير من المجتمعات”.

د- غياب القيم المقدسة والمعاني السامية في ثقافة ما يسمى عصر “جاهلية القرن العشرين”: لقد أدت سيادة الأيديولوجيات المادية، والفلسفات العبثية، والغاية المادية للخدمات والمنتجات التي غزت أسواق العالم، إلى سيادة القيم المدنّسة في السياسة والثقافة والمجتمع على القيم المقدسة التي أضحت عند الكثير رمزًا لعصر الظلام والقِدَم، فقدت معها الحياةُ أسمى مبررات وجودها وهو المعاني السامية.

هـ- ومن التحديات التي تهدد السلم الحضاري للمجتمعات الإسلامية وتعطل إرادته وفاعليته “فقدان المناعة”: فقد فقدت المجتمعات الإسلامية بفعل اغترابها واستعمارها، وبفعل تبعيتها وتقليدها للغالب كما يقول “ابن خلدون”، مقومات هويتها، يقول مالك بن نبي: “لكي لا نكون مستعمرين، يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار”. وفي هذا المنحى يدعو “كولن” إلى الوعي بالذات وبمقوماتها، والتحرر من “القابلية للاستعمار”.

3- الوعي بالاحتياجات

في تحليله للمشهد الحضاري في العالم الإسلامي، يضع كولن يده على مكامن الداء التي تعوق مشروع النهوض الحضاري المرتقب، منها ما يلي:

• حاجة العالم الإسلامي إلى تخطيط إستراتيجي يضع المناهج والمشاريع المستجيبة للاحتياجات والأولويات، والمصوغة بعقليات متخصصة لإعداد أجيال بانية لأمة عظيمة يقول: “لأننا كأمة لا بد لنا اليوم أن نعرف البرنامج والخطط التي نسير بها في المستقبل”.

• حاجة الأمة اليوم إلى فهم واعٍ لقوة الإسلام وتأثيره وعناصر ديمومته الأبدية؛ فالإسلام اليوم ينقصه المسلمون المفعّلون لتعاليمه السامية وقيمه الحضارية ومبادئه الإنسانية، ومن ثم تبقى الحاجة ماسة إلى تحرير العقول والأفهام -سواء لدى المسلمين أو غيرهم- من سوء الفهم، ومن الصور النمطية المسيئة جهلاً أو تجاهلاً للإسلام.

• تفعيل رسالة التربية والثقافة لتحصين الذات المسلمة، وتأهيلها للإبداع والقيادة. فما دامت الثقافة والتعليم لم يصبحا كالهواء والماء في حياة المجتمعات الإسلامية؛ فإنها ستظل بعيدة عن قطار التقدم والتطور.

• الاستقلال من الذات المستلبة التي فقدت مقومات هويتها، ومن الذات الأخرى المستلبة.

ختامًا

في تأملنا لخريطة وعيه الإصلاحي؛ نجد أن فكر الأستاذ فتح الله كولن يحمل تساؤلات قلقة التقى فيها مع رواد الحركات الإصلاحية والتنويرية منها: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ ما هي شروط النهوض الغائبة في وعينا وسلوكنا؟ كيف نحافظ على ثوابتنا مع معاصرتنا؟ مستندًا في الإجابة عن هذه التساؤلات إلى المرجعية الدينية النابعة من “القرآن والسنة واجتهادات السلف الصالح” كما يقول ملتقيًا في ذلك مع محمد عبده الذي قال: “ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين، هما تحرير العقل من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة من خلال مصدرين هما القرآن والسنة قبل ظهور الخلاف”، كما يستفيد من المرجعيات الصوفية في تربية النفس على القيم الروحية، والثقافة الأنثروبولوجية المؤكدة لسعة علومه، وشمولية رؤيته لدور الثقافة والإنسان ومعنى الوجود.

وفي البحث عن هذه الحقائق ظل محمد فتح الله كولن طوال حياته وفي مناطق فكره، رحالة في أعماق النفوس والحضارات، وفي عمق الأزمة الماضوية والحاضرة والمستقبلية، يضيء الدروب المظلمة، سواء في داخل الذات أو الخارج، فهو”فارس يجيد الانطلاق في أعماق الذات المؤمنة، كما يجيد الانفتاح على كل البشرية”.

(*) المدير السابق للأمانة العامة لاتحاد جامعات العالم الإسلامي التابع لـ”إيسيسكو” / المغرب.