ترتكز الرؤية التربوية عند الأستاذ فتح الله كولن على ثلاثة مرتكزات هي: غرس القيم، وتلقين العلوم والمعارف، ثم الانضباط الفردي. على أن لكل هذه العناصر ارتباط متين بعنصر أمتن وهو نيل رضا الله تبارك وتعالى.

إن محيط الأستاذ فتح الله اليوم محيط جامعي، أو بالأحرى فتح كولن جامعة للتربية العليا وليس للتعليم العالي.

الشعور بالمسؤولية

فالتربية التي يريد الأستاذ والتي اجتهد وعمل من أجلها تتغيا إيجاد إنسان له شعور بالمسؤولية تجاه ذاته والآخرين وواقعه. ودليل ذلك هو استعداده للتضحية من أجل الآخرين، أي أن ينفي ذاته من أجل الآخرين، لأن من شأن هذه القيمة أن تصنع إنسانا زاهدا فيما عند الآخرين حيث يطمع أن ينال رضى الله تبارك وتعالى.

ولذلك فهذا الإنسان لا يركض خلف ما يركض خلفه الذين تشبّعوا بقيم من أجل أهداف أيديولوجية. فهذا النموذج الإنساني لا يمكن أن ينخدع بشعارات السياسة والسياسيين، لأن السياسة حسب منظور الأستاذ كولن سياسات، وأخطر ما فيها هو أنها تفرق وتصنع العداوة، حيث يقول: “السياسة موجودة في كل أمر. أما سياسة الذين يهيّئون لإيقاظ الأمة وبعثها من جديد فهي إيثار أمر الأمة على كل شيء وتقديمها على كل شيء وعدم التفكير في أي مصلحة شخصية واستفراغ الجهد في مصالح الأمة”.

ترتكز الرؤية التربوية عند كولن على ثلاثة مرتكزات هي: غرس القيم، وتلقين العلوم والمعارف، والانضباط الفردي.

محيط جامعي

ما يزال الأستاذ إلى اليوم وهو في أمريكا يقوم بدور المربي والموجه في إعداد الأطر المهيأة أفضل تهيئ للقيام بالمهام العامة للخدمة. ولذلك فإن محيط الأستاذ فتح الله اليوم محيط جامعي، أو بالأحرى لقد فتح كولن جامعة للتربية العليا وليس للتعليم العالي، وهي جامعة لا يدخلها سوى من توفرت فيه شروطٌ أهمُّها الاستعداد المعنوي والروحي لاستقبال الواردات العرفانية، بالإضافة إلى الاستعداد الذهني والفكري والمعرفي الذي يؤهّل لأن يكون الإنسان على استعداد للتجاوب معرفيا وعلميا مع أفق الأستاذ.

وما يزال إلى اليوم يقوم بدور الأستاذ المربّي وفق نمط تقليدي متجدد، إذ يتحلق حوله طلبته ويطلب إليهم واجبات محددة هي عبارة عن قراءات دقيقة في أمّهات الكتب والمصادر يُتوّجُها الأستاذ بتعليقات وإضافات. والمتأمل فيما درّسه الأستاذ من مصادر في مجالات مختلفة من العلوم الشرعية، يرى أنه يرمي إلى هدف محدد، وهو بناء رجال على دراية دقيقة بالعلم الأصيل. علما بأن جامعة الأستاذ هذه لا يلتحق بها سوى المتفوّقين من خرّيجي الجامعات، فالقضية تتعلق ببناء مجتهدين قادرين على ربط روح الشريعة بما سيلحقون به من حيثيات الحياة العامة.

ظلت جهود الأستاذ كولن لعقود تتبلور في هدوء تام دون أن تثير حولها الضجيج عكس ما كانت تفعله حركات التوجه الأيديولوجي والسياسي.

الطابع السلمي

ظلت جهود الأستاذ فتح الله لعقود تتبلور تحت نار هادئة، في هدوء تام دون أن تثير حولها الضجيج عكس ما كانت تفعل العديد من الحركات الإسلامية ذات التوجه الأيديولوجي والسياسي. ورغم محاولات التضييق على حركة فتح الله ورغبة جهات معينة من داخل دواليب الحكم والمجتمع المدني جر فتح الله كولن والحركة إلى ميدان الصراع والتطاحن، فقد أبى فتح الله والذين تربّوا في مدرسته إلا أن يحافظوا على الظهور بمظهر الحركة المسالمة التي تريد مصلحة الوطن دون أن تكون لها مطامع وتطلعات سياسية.

لقد كانت هذه المرحلة مرحلة حاسمة في تاريخ الحركة، لأنها هي التي مكّنت الأستاذ من أن يمدّ خيوط الثقة بين حركة الخدمة وبين مختلف فئات المجتمع، لأن الأستاذ فتح الله كولن يؤمن بأنه لكي يكون للأفكار صدى ولكي يكون لأي مقترح استجابة، ينبغي جعل الناس يثقون فيما يفكر فيه وفيما ينجزه من أفعال على أساس الفكر والعلم والبحث عن مصلحة الوطن والأمة، بل ومصلحة الإنسانية كلها.

كانت هذه المرحلة مرحلة حاسمة في تاريخ المشروع الإصلاحي ومشروع البعث والنهضة، وبعبارة أخرى لقد كان الأستاذ فتح الله يهيئ الكادر البشري “الجيل الذهبي” وينتظر الفرصة المواتية لكي ينطلق في المجال الحيوي الذي هو التعليم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: د. محمد جكيب، أشواق النهضة والانبعاث، قراءات في مشروع الأستاذ فتح الله كولن، ص: ٢٩٨-٣٠٠، دار النيل للطباعة والنشر، ٢٠١٣، الطبعة الأولى، القاهرة

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.