بين يدي كتاب ونحن نبني حضارتنا

بِناء حضارة! لا شك أنه بناء ليس كمثله كل بناء! ضخامةً، وتركيبًا، واتّساعًا، وشمولاً، واستيعابًا، وامتدادًا، وأهمّية وخطورة.

فالحضارة، تشيؤ وظيفي يتم عبر الزمن، لعناصر التراب، بفعل الناس، ووفق النُّظم التي يتواضع عليها الناس… والحضارة، شهودٌ ينتسج بحوار الإنسان -فردًا واجتماعًا- مع مرجعيته، ليستخلص منها قبلته ووجهاته إليها… والحضارة، شهودٌ ينصاغ بجهد الإنسان وبحواره مع الكون، ليمتح منه قدرته على الفعل والتسخير، كل بحسب سهمه في الأيدي والأبصار.

ومن هنا، فإن نون النسبة في “حضارتنا”، التي بها ألحق الأستاذ الجليل فتح الله كولن الحضارة بأناسها المعنيين، بـ”نا”… هذه النون، جاءت بائحة بكل ما سلف، وأشجانًا.

بناء حضارة! وفق أي مثال؟ وبأي نفس؟ وبأي مناهج؟ وبأي أناس؟ وبأي تمكين؟ ووفق أي تشريع؟ وبأي تنظيم؟ وبأي نكهة؟ هذه كلها أسئلة أطّرت بجلاء، بل بنتوء هذا القول الثقيل المكنون في هذا السفر المُغني عن جملة الأسفار في بابه، وعن رَهقة الأسفار دون لُبابه.

إنه لم ينبر -عبر تاريخ أمتنا- للكدح في هذا الورش اللاحب إلا أحد خمسة: قوي عالم راشد مأذون أمين، أو ناصِحٌ عارف محبّ حكيم، أو جندي مخلص صادق مكين، أو انتهازي عتلٍّ بعد ذلك زنيم، أو روَيبضة،(1) والروَيبضة أدهى وأمرّ.

بِناء حضارة! لا شك أنه بناء ليس كمثله كل بناء! ضخامةً، وتركيبًا، واتّساعًا، وشمولاً، واستيعابًا، وامتدادًا، وأهمّية وخطورة.

والأستاذ فتح الله كولن هو كل الثلاثة الأوائل الأصفياء، وهو ممّا دون ذلك منـزّه براء، فقد خصه الجليل سبحانه وتعالى بخصال من الفضل ليس من أقلّها إكرامه جل وعز إيّاه، بذوق ثمرات البذل، والكدح، والمكابدة، في خاصة نفسه، وفي محيطه، حيث تدرّج -حفظه الله- عبر مدارج بناء الذات مقامًا مقامًا، ومهارة مهارة، وخُلقًا خلقًا، ومعلومة معلومة، على عين الله سبحانه، فكان من المصطنعين: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾(طه:41)، ثم تيمّم -حفظه الله- شطر الفَلاح مُتَسَرْبلاً بطُهر الصلاح، ومشمّرًا دون لواء الرّباح، لا يثنيه عن ذلك شيء، أخذًا من مشكاة قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾(الشمس:9).

ثم اتّبع سببًا… فأكنَّ وَقْدة حُبّ الله في فؤاده فأضحى ناشدًا محابّه لينيط بها، ووجد أن من أولى ما يناط به نفع عياله، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: “الخَلْق كلُّهم عِيالُ الله، فأحبُّ الخَلْق إلى الله أنفعهم لعياله”.(2)

ثم أتبع سببًا…. فرأى أن أحرى ما يُنفع به الإنسان، إعانته على استرداد كرامته، وأول مدارج الكرامة استعادة القدرة على قول “لا” للشهوات والنـزوات والنـزغات والرّغبات والرهبات والكبوات والعثرات والنعرات والفترات… فشدّ حيازيمه ولم يملك كل من لامسَتْه لوعة أخذ الكتاب بقوّة، إلا أن يفعل مثل ذلك فيجتاز المسالك أو يلزم المهالك!

ثم أتبع سببًا… فطفق في نقش المحاضن، وإعداد المساكن، وبث الجواشن،(3) وصقل المحاسن، ورَفْع المآذن بدفع الهمّة وصوغ اللّمّة وجمع الأمة.

ثم أتبع سببًا… فانتقل إلى البوح بعد الكتم، وإلى التجلية بعد التحلية.

ثم أتبع سببًا… فانتقل إلى ترميم الجذور، وتلقيح البذور، ومدّ الجسور، وإشاعة البرور، مصطفًّا خلف المصطفى صلى الله عليه وسلم، صافًّا كلّ من أقبل، وراء ناصية الربح، وداعي النُّجح، عليه الصلاة والسلام.

فجاء هذا الكتاب ممهدًا طريق الإيمان بالديان، واتباع العدنان، والإناطة بالأركان، وبناء الإنسان، وتطهير الوجدان وصقل الجنان، والسباحة في الأكوان، والاستغناء عن الترجمان، وتجاوز الأوثان، واستثمار الأزمان، وإقامة العمران، والشوق إلى الرحمان.

فجاء هذا الكتاب ممهدًا طريق الإيمان بالديان، واتباع العدنان، والإناطة بالأركان، وبناء الإنسان، وتطهير الوجدان وصقل الجنان، والسباحة في الأكوان، والاستغناء عن الترجمان، وتجاوز الأوثان، واستثمار الأزمان، وإقامة العمران، والشوق إلى الرحمان.

فجاء كتاب “ونحن نبني حضارتنا” بفضل الله، صالحًا لأن يسمّى “كيف نبني حضارتنا؟!”، لأن اليراعة التي خطّته، حرّكتها أنامل الخِرِّيت ذي الخُبر، الذي جاءنا من الكتاب الهادي للّتِي هي أقْوم، وسنة نبِي الله الأكرم صلى الله عليه وسلم، برسم المهيع اليَبَس الناهج وسط بحر الفتَن والغفلات المائج.

فكان هذا السفر النفيس، لتَضَمُّخِه بمسك كل هذه الخصال، بمثابة البُراق المنهاجي الذي يحمل طالبه على صهوة متنه، يطوي به المراحل، ويفكّ له المسائل، لانسياب حقائقه سلسبيلاً، حيث إنها وصف لما يُحَسُّ ويُشَاهَد، وليست استظهارًا لما حُفِظَ فيعاوَد.

وقد شرفتُ أيما تشريف بترشيحي لتقديم هذا العلق المبارك، وما أصْدق مقال الشاعر عن هذا المقام إذ قال:

قالوا يزورك فيصلٌ وتزوره***قلت المكارم لا تفارق منزله

إن زارني فبِفضله، أو زرتُه***فلِفضله، فالفضل في الحالَين له

أسأل الله ذا الجلال والإكرام والفضل والإنعام، أن يجزل مثوبة الأستاذ فتح الله كولن “هُوجا أفَندي” بخير ما جزى به هاديًا، ناصحًا، حدوبًا، حريصًا، رؤوفًا، رحيمًا، عن أمّته.

آمين آمين، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــ

الهوامش:

(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنها ستأْتي على الناس سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يصدَّق فيها الكاذبُ، ويكذَّب فيها الصادقُ، ويؤْتَمن فيها الخائنُ، ويُخوَّن فيها الأمينُ، وينْطِق فيها الرُّوَيْبِضَةُ”، قِيل: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ يا رسول الله؟ قَالَ: “السَّفِيهُ يتكلَّم في أمْر العامة” (مسند أحمد بن حنبل، حديث رقم:7713).

(2) المعجم الكبير للطبراني، رقم الحديث:9897.

(3) جمع جوشن، وهو كتاب الأدعية المعروف.