تأملات في كتاب “مواقف في زمن المحنة”

كتاب “مواقف في زمن المحنة”، كتاب جديد “يولد”، والولادة مخاض ومحنة، يعقبها راحة وبهجة. إنها ألم وبكاء، يعقبها أمل وصفاء. لكن هذه المحنة أتاحت الفرصة لبسط نموذج “الخدمة”، وعرض رؤية مؤسسها، وفلسفتها، ونسقها، ومنهجيتها، وأنشطتها المجتمعية. التعليمية، والتربوية، والفكرية، والإعلامية، والاقتصادية، والدعوية.

وفي عنوان الكتاب وردت كلمة “مواقف”، والناس مواقف، والحياة ابتلاءات لا ينجح فيها إلا ذوو المواقف الصادقة الصابرة، والعزائم الصلدة الراشدة، والنفوس الصالحة المُصلحة. والنظر للمواقف وقيمتها ليس أوقات الرخاء، والرفاه، واليُسر، بل تأملها -أفراداً، وجماعات، وأممًا-أيام الابتلاء والشدة والعسر.

 وفي عنوانه أيضا: “المحنة”، أي: البلاء والشدة، ومن مرادفاتها: “الامتحان/ الاختبار/ الابتلاء”، لكن يستوقفك “امتحن الفضة”: خلَّصها من شوائبها في النار، و”رُبَّ منحة تأتي من قلب محنة”. ودولنا وأمتنا الإسلامية “تـُمتحَن”، وتتوالى عليها الخطوب. زمانًا ومكانًا، لكنها -بحول الله تعالى وقوته وفضله- عصية على “الموت الرسالي والحضاري”، لتبقى فيها رسالة السماء الخاتمة والأخيرة إلى الأرض. وتبقى “خيريتها” مرهونة بحمل تلكم الرسالة، وإيصالها للناس كافة.

هذه المحنة أتاحت فرصة بسط نموذج “الخدمة”، وعرض رؤية مؤسسها، وفلسفتها، وأنشطتها المجتمعية: التعليمية والتربوية والفكرية والإعلامية، والاقتصادية، والدعوية.

محتويات الكتاب

 يحتوي هذا الكتاب الهامُّ/ الذي أعده الأستاذان: “صابر المشرفي”، و”نوزاد صواش” على:

1- تقديم.

2- نبذة مختصرة عن الأستاذ “فتح الله كولن”، وحركة “الخدمة”.

3- ستة حوارات للأستاذ “فتح الله كولن” مع وسائل إعلام عربية، وهى: جرائد “الوطن”، و”أخبار اليوم”، و”الأهرام العربي”، ووكالة “أنباء الشرق الأوسط” المصرية. وحواران مع قناتي “العربية”، و”الغد”.

4- سبعة حوارات للأستاذ “فتح الله كولن” مع وسائل إعلام عالمية، وهي: حوار مركز “ستوكهولم” للحرية، حوار مجلة “بوليتيكو” الأمريكية، وحوار قناة ZDF الألمانية، وحوار قناة UDN الصينية، وحوار قناة NRT الكردية، وحوار قناة CNN الأمريكية، ولقاء مع مجموعة وسائل الإعلام العالمية.

5- خمسة مقالات في وسائل إعلام عالمية، وعناوين تلك المقالات هى:

– “أدين بشدة أي تهديد للديموقراطية في تركيا”.

– “مُستعدّ للعودة إلى تركيا”.

– “تركيا التي لم أعد أعرفها”

– “لكيلا يكون شبابنا فريسة للتنظيمات الإرهابية”

– “مُقترحات لحل المسالة الكردية”.

مَن المستفيد من إغلاق مؤسسات تعليمية واقتصادية وإعلامية، ودور طبع ونشر للكتب والمؤلفات؟

6- سبعة بيانات صحفية، وهى:

– بيان حول إشاعات محاولة انقلاب جديدة في تركيا.

– بيان عقب العملية الإرهابية في ملهي “رينا” بإسطنبول”.

– بيان عقب العملية الإرهابية في “غازي عنتاب” بتركيا.

– بيان بعد الهجمات الإرهابية على كنائس مصر.

– بيان بعد محاولة اغتيال الشيخ “على جمعة”.

– بيان عقب العملية الإرهابية في سان بطرسبورغ الروسية.

– بيان تلفزيوني للأستاذ “فتح الله كولن” حول اغتيال السفير الروسي بتركيا.

 وقد نُشرت هذه الحوارات، والمقالات، والبيانات للأستاذ “فتح الله كولن” خلال عام كامل أعقب محاولة الانقلاب الفاشل ليلة 15 يوليو 2016، وحتى شهر يوليو 2017.

تقديم الكتاب

(عشر) صفحات موجزات بليغات وضعها ببراعة ودقةـ الأستاذ “نوزاد صواش”، وعرج فيها على معاني: ” الامتحان”، والتمحيص، و”صدق الدعوة”، و”الخلوص”، وكيف تعرضت حركة “الخدمة”، ورائدها الأستاذ “فتح الله كولن” لصنوف الامتحان والابتلاء، والمظالم والاتهامات، والطرد من الأعمال والملاحقات، والتضييق والاعتقالات، والتشريد والمصادرات، وغيرها من الانتهاكات التي مورست على خلفية محاولة الانقلاب الفاشل ليلة 15 يوليو 2016.

وعلى خلفية توترات اجتماعية وسياسة بين الحزب الحاكم، وحركة “الخدمة” استمرت منذ ديسمبر 2013 (وقضايا الفساد المالي المشهورة والمنسوبة لأبناء مسئولين ووزراء بالحزب الحاكم)، وحتى تاريخ المحاولة الفاشلة وما أعقبها من زيادة التوترات، والانتهاكات لحقوق الإنسان. فهل كان “رد الفعل السريع من الحكومة، وتوجيه الاتهام لحركة الخدمة” ثأرًا مُبيَّتًا بليل مع توجيه ضربة قاصمة لها في ظل تلك الأحداث الدامية التي زلزلت المجتمع التركي، وأثارت قلقه ومخاوفه على مستقبله؟

قضايا الكتاب

 جاء هذا الكتاب ليعالج قضيتين محوريتين:

1- قضية المظالم التي لحقت بالأبرياء: من المعلوم أن الإسلام وشرعه الحنيف حرَّم كل صور الظلم التي تطال البشر، وحتى الحيوان، والشجر، والحجر. وحدَّ حدودًا وشرع شرائع تردع المتجاوزين الظالمين للحفاظ على أمن وسلامة المجتمع المسلم والإنساني عامة. يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: “إننا مُكلَّفون بالتجمل بالصبر، والتقلد بالشكر، تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك للقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تُثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي”.

2- معضلة “العنف”: لقد أصاب هذا العنف المسلمين  أكثر من غيرهم، وشوه صورتهم، ورسالتهم السمحة، في حين أن الإسلام برئ من كل هذا وللأستاذ كولن في هذا مقولة مشهورة: “المسلم ليس إرهابيًّا، والإرهابي ليس مسلمًا”. ويتمحور حل مشكلة العنف عبر: “مشروع حضاري لاستنهاض الهمم، وإعادة بناء الإنسان، وصياغته وفق شروط الوراثة والاستخلاف والإعمار التي حددها القرآن”. وتعدّ حركة الخدمة “نموذجًا للتغيير الاجتماعي. وبناء الإنسان المسلم الصالح المُصلح”. “فهي رؤية حضارية تنشد السماء عبر الغرس والإنبات في الأرض القاحلة، والمتصحرة”.

 إن هذا الكتاب “الوثائقي” الجامع بحواراته، وبياناته، وأفكاره، ورؤاه: “عرض نموذجي لتلك الرؤية الحضارية المجتمعية الحية المتفاعلة بإصلاح مع الواقع. وليس من قبيل ردود الأفعال المتسرعة التي قد تفتقد الرؤية السليمة، والقيم الناظمة الحاكمة، والرؤى الرشيدة، والدعوات الإصلاحية الصادقة. وهو “رسالة قوية واضحة للنخب العربية”، ولكل من يهمه الشأن التركي وبخاصة في الحدث الانقلابي وتداعياته. فهو –كما عبَّر عنه معدِّاه- بيانٌ للحقيقة، وشهادة للتاريخ، وإبراء للذمة.

الثبات وعدم مقابلة الإساءة بمثلها يدل على حسن التربية ويظهر هذا جليًّا في أزمنة المحن.

هل يُمكن تصور “تركيا”، والعالم بدون حركة “الخدمة”؟

 لعله من المًمكن تصور “تركيا وأي بلد في العالم بدون حزب أو أحزاب سياسية. فهي تموت وتولد وتتغير وتتحول، وتتفرق وتتجمع، وتتعاون وتتصارع. لكن حركة الخدمة وأمثالها، لا تموت. وهل يموت من امتدت ساحة نشاطه التربوي والتعليمي واللغوي والفكري والإعلامي والاقتصادي عبر 170 دولة عبر العالم؟ هل يموت مَن غرس 3000 مدرسة من أرقي المدارس. تربية وتعليما داخل وخارج تركيا؟ هل يموت من أسس 30 جامعة من كبريات الجامعات داخل وخارج تركيا؟، هل يمكن أن تختفي تلك “الجزر الآمنة في عالم متوتر متصارع”؟ إن”مدارس الخدمة بإسهاماتها المتميزة، وبقدرتها على نشر ثقافة التسامح والتعايش، والتفاهم والتقبل، قادرة على أن تقلص حجم القبح الذي ينشأ من جراء ضخ ثقافة الإقصاء، وثقافة التهميش، وثقافة الحقد، وثقافة الكراهية”.

مَن المستفيد من إغلاق مؤسسات تعليمية واقتصادية وإعلامية، ودور طبع ونشر للكتب والمؤلفات؟ مَن المستفيد من تصاعد التوتر والتصارع وغياب التحاور والتعايش على أسس وقيم مشتركة من الحق والعدل والسلام؟ إنَّ من يرتبط ببناء الإنسان. تربية وتعليمًا، وإصلاحًا وتهذيبًا. بدنًا ونفسًا وروحًا، وعقلاً وفكرًا، وقلبًا وإيمانًا. يبقي أصله ثابت راسخ في الأرض، وتمتد آثار عمله إلى السماء.

 يقول الأستاذ كولن: “يـَظنُّ أنه بإمكانه تشتيت حركة الخدمة وتدميرها من خلال القضاء عليّ، ويعتقد أن نهايتي ستكون نهاية الخدمة!، لكنه في خطأ كبير، فنحن فانون ونموت يومًا، غير أن حركة الخدمة حركة الحبّ ونذر النفس في سبيل الإنسانية بإذن الله تعالى، والذين يستطيعون استخدام منطقهم وإرادتهم الذاتية سيحملون هذه الرسالة الكبيرة إلى المستقبل وسيواصلون السير في هذا الطريق حتى النهاية”.

إن حركة “الخدمة” (التي نشأت في تركيا عام 1966) لا تشتغل بالعمل السياسي فكما يقول عنها مؤسسها: “نحن الذين تعلقت قلوبنا بالخدمة، لم نكن يومًا ما على نفس الخط مع أية حركة سياسية، لا مع حزب العدالة والتنمية ولا مع سائر الأحزاب التي سبقته”. ولذا تعتبر الحركة أن: “التنافس على السلطة منهجًا غير مناسب لتحقيق غاياتها الكبرى، وهي: محاربة الجهل، والفقر، والصراع بمختلف أشكاله، وذلك عبر: التربية والتعليم، والأنشطة الاقتصادية والإغاثية، والحوار الدائم والشامل”. يقول الأستاذ “كولن”: “إن عدونا هو الجهل والفقر والتفرقة، وسنواجه هذه الأعداء الثلاثة بسلاح العلم والعمل والاتفاق”. ومن المعلوم أن: “النجاح أو الإنجاز صناعة جماعية؛ لا يمكن للإنسان أن يبني حضارة، أو يؤسس مدرسة، ولا هيئة إغاثية، ولا جمعية خيرية، أو أي نشاط من النشاطات بمفرده”.

كلمات واضحة، وتصريحات حاسمة للأستاذ “فتح الله كولن”

لقد احتوى هذا الكتاب على كلمات واضحة وتصريحات مهمة في كافة الشئون والقضايا نستأنس منها بما يأتي:

– “لا يمكن التسامح نهائيًا مع أي انقلاب على الديمقراطية، لم أسوّغ ذلك، ولن أسوَّغه ما حييتُ. كنت دائمًا ضد الانقلابات، ألعنها وألعن من يشارك فيها. لقد أمضيتُ حياتي كلها أعاني من الانقلابات وأتعرض لضغوطات بسببها. ما من خير يتمخض عنها، فهي تؤدي إلى تقسيم المجتمع ومعاداة الناس بعضهم بعضا كما يحدث اليوم في تركيا. “.

لا يمكن التسامح نهائيًا مع أي انقلاب على الديمقراطية، لم أسوّغ ذلك، ولن أسوَّغه ما حييتُ

– “موقفي من الديمقراطية معروف للجميع، لقد أكدت في منتصف التسعينات على أنه لا تراجع أبدًا عن المسار الديمقراطي بعد اليوم، وتحملت في سبيل قناعتي تلك ردود الأفعال التي صدرت من بعض الفئات التي كانت تَعدُّ الديمقراطية نظيرة اللادينية آنذاك.”.

-“إنني أعيش بإرادتي الذاتية حياة منزوية في قرية صغيرة بالولايات المتحدة الأمريكية منذ سبعة عشر عاما. بناءً على ذلك، فإن الزعم بأنني قمت بإقناع ثامنِ أكبر جيشٍ في العالم، وعن بُعد 10.000 كم بتنفيذ انقلاب ضد حكومة تركيا ليس سوى افتراءٍ لا يمتّ إلى العقل بصلة”.

– “لا نعرف بالتحديد ما إذا كان بين من شاركوا في مسرحية الانقلاب أحدٌ ممن يتعاطفون مع فلسفة الخدمة أم لا، ولكن أقول إن كان بين هؤلاء من يتعاطف مع فلسفة الخدمة فما فعلوه خيانة للقيم الأساسية لتلك الفلسفة.”.

– “إن أثبتت لجنة تحقيق دولية أنني متورّط في محاولة الانقلاب، فأنا على استعداد لأن أركب طائرة على نفقتي الشخصية وأتوجه إلى تركيا فورًا. وإن أصدروا قرارًا بإعدامي، فسأذهب إلى حبل المشنقة بنفسي دون أي تردد. لكنهم إن أعدموني في اليوم خمسين مرة ثم أحيوني فلن أعتذر إلى الظالم مطلقًا، سأقف غدًا بين يدي الله تعالى، ويسألني: لِم اعتذرتَ للظالمين؟ لذلك لا يمكنني أن أفعل ذلك. هذه قناعتي التي أومن بها بكل كياني ولا أتراجع عنها أبدًا.”

دروس من زمن المحنة

– التدافع بين الناس سنة ماضية إلى يوم الدين، يربح فيه من يربح، ويخسر-وبئس الخسران- من يخسر. ومن التدافع ما يلهم الحكمة عند كل مصيبة والثقة في الحكمة العليا التي قد نجهلها، ولتجديد المَعين من الصبر.

– الابتلاءات/ المحن مواسم للمحاسبة، والتضرع، والدعاء والبكاء. كما أنها تُدشن صفحة نقية في الحياة:”ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه، وولده، وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه من خطيئة” (رواه مالك والترمذي).

– ما ضُيِّق على دعاةٍ مخلصي النية، وصادقي العزم، وصالحي العمل إلا فتح الله لهم وبهم أبوابًا وأمكنة وأزمنة لم تكن بحسبانهم وقت اشتداد المحنة. ولنا في رسول الله -صلي الله عليه وسلم-الأسوة والقدوة الحسنة وقد لاقي من أهل مكة ما لاقي. سخرية وافتراءً، وظلمًا وتعذيبًا، وقتلاً وتشريدًا، وتجويعًا وحصارًا. فكانت “المدينة المنورة” حيث أشرقت الرسالة للعالمين.

– العفو والصفح والتسامح من شيم الكبار يقول الأستاذ كولن: “سامح الآخرين، أو على الأقل تغاضَى عن هفواتهم، وإن كان لا بد، فلا تُرَوِّجْها”.

– الثبات وعدم مقابلة الإساءة بمثلها يدل على حسن التربية ويظهر هذا جليًّا في أزمنة المحن، يقول الأستاذ كولن:. “بفضل الله أولا، ثم بفضل التربية التي نشأنا عليها لم نحقق مرادهم ونُستدرج إلى ما يريدون، فلم يصدر من أبناء الخدمة رد فعل على كل هذه الاستفزازات حتى ولو بوكزة”.

هذه بعض تأملاتي في هذا الكتاب المميز الذي صدر عن دار النيل للنشر في زمن دقيق أحببت أن أتقاسمها مع أعزائي القراء وأترك لحضراتكم فرصة الاطلاع على الكتاب بكامله وتحميله بصيغة بي دي إف عبر موقع نسمات من هنا.