بقلم: محمد عبيد الله

أنقرة (الزمان التركية) في الوقت الذي كانت أحداث الانقلاب الفاشل الذي شهدته تركيا في 15 من تموز / يوليو لعام 2016 ساخنة، خرج الرئيس رجب طيب أردوغان على الشارع المحلي والدولي معلنا فتح الله غولن “العقل المدبر” لهذا الانقلاب، ليطلق في صبيحة تلك الليلة حركة تطهير غير مسبوقة في أجهزة الدولة كافة، بل شملت القطاعات الخاصة أيضا.

أساس اتهامات أردوغان ضد الخدمة

تلت ذلك الوثائق التي نشرها ما يسمى بـ”الإعلام الموالي” ونسبها إلى جهاز المخابرات التركي حول محتويات المراسلات والمكالمات السرية التي زعم أنها جرت بين الانقلابيين عبر تطبيق “بايلوك”، الوثائق التي قدمها أردوغان دليلا على وقوف حركة الخدمة وراء هذا الانقلاب. ورغم أنه كان مجرد تطبيق للتواصل مثل نظيراته من عشرات التطبيقات للمحادثات “واتس آب” و”فيبر” و”لاين” و”وي تشات” و”سكايب” و”إيمو” و”بي بي إم” وغيرها، إلا أنه كان أحد الدليلين الرئيسيين اللذين اعتمد عليهما أردوغان في اتهامه لحركة الخدمة بتدبير المحاولة الانقلابية.

ثم ظهر العسكريون المتهمون بالمشاركة في الانقلاب على الشاشات التلفزيونية بعد إفشال الانقلاب وإلقاء القبض عليهم، بادية على وجوههم وأجسامهم علامات التعذيب، لينقل إعلام “السلطة” عن أفواههم اعترافاتهم بجريمتهم وانتسابهم إلى حركة الخدمة! بمعنى أن أدلة الرئيس أردوغان على وقوف الخدمة وراء الانقلاب اقتصرت على عنصرين أساسين لا غير وهما: مراسلات ومكالمات الانقلابيين على تطبيق بايلوك واعترافات المتهمين. لكن هؤلاء المتهمين أعلنوا في أول مثول لهم أمام المحكمة خلال الشهر المنصرم انتسابهم إلى “التيار القومي الأتاتوركي”، وأنهم لاعلاقة لهم مع حركة الخدمة، مؤكدين أن رئيس الأركان خلوصي أكار كان رأس المجلس العسكري الانقلابي، وأنهم لم يفعلوا شيئًا سوى تنفيذ الأوامر الصادرة من رئاسة هيئة الأركان العامة.

رأي غولن في الانقلاب وتحديه أردوغان

أما المتهم فتح الله غولن فكان أول من استنكر محاولة الانقلاب في تلك الليلة بعبارات واضحة نفى فيها كل الاتهامات الموجهة إليه قائلا: “أشيد بالشعب التركي لوقوفه بكل أطيافه صفا واحدا إلى جانب الديمقراطية ضد محاولة الانقلاب، إيمانا منه بأن زمن التدخلات العسكرية قد ولى دونما رجعة. لا شك أن فشل المحاولة الانقلابية حدث تاريخي عظيم، حيث استطاع الشعب أن يحبط عملية غير ديمقراطية استهدفت الإطاحة بحكومة منتخبة. غير أن النجاح في إجهاض الانقلاب لا يكفي لإنجاح الديمقراطية. الديمقراطية الحقة ليست هيمنة أقلية أو هيمنة أغلبية ترى من حقها سحق الأقلية، ولا هي استبداد بيد منتخبين. فلا يمكن الحديث عن الديمقراطية دون الالتزام بحقوق الإنسان وضمان حرياته الأساسية، وفي مقدمتها سيادة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات وحرية التعبير. ومن غير الممكن الحديث عن انتصار للديمقرطية في تركيا من دون إحياء هذه القيم الأساسية مجددا”.

ولم يكتف بتكذيب مزاعم أردوغان، بل تحداه مطالبا بتشكيل لجنة دولية لتتولى التحقيق في ملابسات الانقلاب من أجل الكشف عن المنفذين له والمحرضين عليه ومعاقبتهم، معلنا أنه مستعد للعودة إلى تركيا والقتل شنقا إذا ما أثبتت هذه اللجنة أيا من الادعاءات والاتهامات المذكورة، الدعوة التي لم تلق صدى إيجابيا لدى أردوغان.

تقرير المخابرات البريطانية حول الانقلاب

وإذ كانت حركة التصفية والاعتقالات طالت أكثر من مائة ألف شخص، الأغلبية الساحقة منهم مواطنون مدنيون، وقليل منهم عسكريون، نشرت مجلة “فوكس” الألمانية المرموقة مقالا صادما للجميع بعد أسبوع واحد من الانقلاب تحت عنوان “السلطة.. الهذيان.. أردوغان”، أفردت فيه مساحة كبيرة لتقرير أعدته المخابرات البريطانية، وتشير إلى أنها حصلت على مكالمات هاتفية وبريدية مشفرة تعود لمسؤولي الحكومة التركية أثناء حدوث الانقلاب الفاشل، تكشف أنهم خططوا لإلصاق الجريمة بحركة الخدمة حتى يختلقوا ذريعة لإطلاق حملة تصفية موسعة في أجهزة الدولة بعد إحداث جريمة “الانتماء إلى حركة الخدمة”. واللافت أن المجلة حصلت على جائزة من إحدى المؤسسات الدولية بسبب هذا المقال التحليلي.

ومضت الأيام والشهور وبدأت وطأة الصدمة تهدأ رويدا رويدا، ويذهب الغبار الذي أحدثه الانقلاب الفاشل، لتتعالى أصوات، سواء من الأحزاب المعارضة أو حزب العدالة والتنمية الحاكم، تقول بوقوع مظالم فظيعة، واختلاط الحابل بالنابل، في عمليات الفصل والاعتقال العشوائية، بحيث شكلت الأحزاب المعارضة، وكذلك الحكومة، لجانا لتقصي الحقائق والاستماع لشكاوى الضحايا. حتى إن زعيم المعارضة كمال كليتشدار أوغلو هو الآخر بدأ يتهم علنا أردوغان بتدبير انقلاب تحت سيطرته وتصميمه على الفشل لخلق ذريعة من أجل تنفيذ انقلابه المدني المضاد، إلى أن سيطرت هذه الفكرة على شريحة كبيرة من الأحزاب السياسية والشعب التركي.

تقرير المخابرت التركية حول بايلوك

ومع أن أردوغان زعم أن تطبيق بايلوك كان “الوسيلة السرية لتواصل الانقلابيين”، و”لا يستخدمه إلا المنتمون إلى حركة الخدمة”، و”لا يمكن تحميله إلا من خلال واصلة أو بولوتوث”، وكل عمليات الاعتقال والفصل تجري بتهمة استخدام هذا التطبيق وإن لم تكن مشاركة فعلية في محاولة الانقلاب، إلا أن صحيفة “حريت” التركية نشرت في شهر أكتوبر / تشرين الأول الماضي حوارا في افتتاحيتها أجرته مع ديفيد كينز؛ صاحب برنامج وتطبيق بايلوك، حيث أكد أن التطبيق توقف تداوله وطرحه في كل من Google Play وAppstore منذ شهر يناير / كانون الثاني من عام 2016، أي قبل ستة أشهر من وقوع الانقلاب الفاشل، وأن التطبيق نزله حوالي 600 ألف شخص، وهو مفتوح للجميع، وليس مقتصرا على المنتمين إلى حركة الخدمة، كما زعم أردوغان.

ولما جاء يوم 17 من شهر يناير المنصرم نشرت معظم الصحف التركية تقريرا أعدته المخابرات التركية يتناقض مع أطروحات أردوغان حول تطبيق بايلوك. ومع أن التقرير أعد أصلا من أجل الدعاية السوداء ضد الخدمة، وتقديم أدلة جديدة تساند نظرية وقوفها وراء الانقلاب الفاشل، إلا أن “قراءة ما بين السطور” تكشف أن المخابرات التركية تعترف بشكل صارخ بأن التطبيق يمكن أن يحمله أي شخص من Google Play المفتوح للجميع. بمعنى أنها نفت مزاعمها السابقة التي ادعت فيها أنه لا يمكن تحميله إلا من خلال واصلة أو بولوتوث، وأنه خاص بأفراد حركة الخدمة، كما أقرت بأن هذا التطبيق قد بدأ عرضه على المستخدمين عبر Google Play منذ بداية عام 2014 حتى مطلع عام 2016، أي انتهى عرضه قبل 6 أشهر من الانقلاب الفاشل، التقرير الذي أيد تصريحات صاحب التطبيق وأسقط مزاعم أردوغان.

وحتى لو افترضنا صحة مزاعم أردوغان حول تطبيق بايلوك، فإن جميع عمليات الاعتقال بتهمة استخدامه تعسفية وغير قانونية، ذلك أن هذه المزاعم مصدرها المخابرات التركية التي سبق أن أعلنت بشكل رسمي “أن الوثائق والتقارير الاستخباراتية التي نقدمها لمؤسسات الدولة الأخرى، والتي نعدها بعد تقييم وتفسير الوثائق والمعلومات التي تأتي إلى جهازنا من مصادر مختلفة، لا يمكن استخدامها كأدلة قانونية”.

تقرير المخابرات الأوروبية

وفي منتصف شباط/فبراير الماضي (2017) نشرت مجلة “تايمز” البريطانية تقريرا آخر أعده مركز الاستخابرات في الاتحاد الأوروبي في 24 أغسطس 2016، جاء مؤكدا لما توصلت إليه المخابرات البريطانية بعد أسبوع واحد من الانقلاب. وقال التقرير بشكل شبه صريح إن أردوغان هو من دبر هذه المحاولة الانقلابية وصممها على الفشل لكي يتمكن من الحصول على ذريعة تصفية معارضيه، مؤكدا أنه كان ينوي القيام بعملية “تطهير” شاملة ضد قوى معارضة في المؤسسة العسكرية قبل محاولة الانقلاب في يوليو 2016. أما كون فتح الله غولن “العقل المدبر” الذي يقف وراء الانقلاب فوصفه بـ”الاحتمال البعيد”، معللا بأن هذا الادعاء يتعارض مع تقارير الدولة التركية والمعطيات الأوروبية حول قوة ونفوذ هذه الحركة في المؤسسة العسكرية؛ آخر معاقل العلمانية بصفة خاصة، وأجهزة الأمن بصفة عامة، بعد عمليات التصفية والتطهير التي تستمر منذ نهاية عام 2013، حيث انطلقت تحقيقات الفساد والرشوة التي اعتبرها أردوغان محاولة انقلاب أيضا. ورجح التقرير أن تكون مجموعة عسكرية تضم “معارضين للحزب الحاكم” و”علمانيين” و”انتهازيين” ومن سماهم التقرير بـ”متعاطفين مع غولن” هي من دبرت هذه المحاولة، ذلك تخوفا واستباقا لحملة وشيكة لأردوغان توقعوا أن تستهدفهم، مستبعدا صدور أي أمر من الأستاذ غولن في هذا الصدد. ولفت إلى أن محاولة الانقلاب باتت محفزة لأردوغان لكي ينفذ عملية تطهير سبق أن خطط لها في كل أجهزة الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.

رأي الناتو حول انقلاب تركيا

بعد هذا التقرير الأوروبي الذي أحدث صدمة كبيرة في الداخل التركي والشارع الدولي، جاءت تقارير جديدة أيدت ما توصل إليه، حيث أعلنت مصادر بارزة في حلف شمال الأطلسي لموقع aldirmer.no النرويجي الشهير أن قادة الحلف يؤمنون بأن أردوغان هو من دبر انقلابا عليه. ونقل الموقع عن مسؤول في الناتو قوله “إن ضباطا مخضرمين في الحلف يحملون ثلاث وأربع نجوم، ويتعاملون مع تركيا منذ 30-40 عاما، ويشرفون على تدريب الضباط الأتراك منذ 4 و 5 سنوات، لا يرون أن ما حدث في تركيا كان انقلابا. وأوضح المسؤول الحلفي أن القوات المسلحة التركية من المؤكد أنها كانت ستنجح لو رغبت فعليا في تنفيذ انقلاب، نظرا لأن الانقلابات تقليد وعادة متجذرة في المؤسسة العسكرية التركية. والجنود الأتراك الذين لا يزالون على اتصال بالحلف يرون أن أردوغان وضع خطة منذ عام لتنفيذ الانقلاب، وأنه كان يمتلك قائمة بأسماء الأشخاص الذين خطط لتصفيتهم، ونفذ خطته هذه في صبيحة الانقلاب الفاشل. أنا لم أصادف شخصا يرى أن ما حدث هو انقلاب حقيقي”.

حسنا، فهل هذه التصريحات تعكس الرؤية الرسمية للناتو لما حدث في تركيا أم لا؟ إذا ضممنا هذه التصريحات إلى التصريحات الصادمة التي أدلى بها برونو كال؛ رئيس الاستخبارات الخارجية في ألمانيا العضو في الحلف، وهي إحدى أهم الاستخبارات في العالم، لصحيفة “بيلد” الألمانية يوم السبت الفائت، وكذلك التصريحات التي أدلى بها رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي ديفين نونيس يوم الأحد الماضي، فإنه يتبين أنها رأي الناتو ككل وإن لم يعلن ذلك رسميا لاعتبارات شتى.

تصريحات رئيس الاستخبارات الألمانية

قال برونو كال في تلك التصريحات: “إن الحكومة التركية حاولت على مستويات مختلفة إقناعنا بأن حركة غولن هى التي دبرت محاولة الانقلاب، لكنها فشلت في تقديم أي دليل مقنع في هذا الصدد. هذه المحاولة لم تكن عملا منظما شارك فيه كل أجهزة الدولة. الحكومة التركية كانت قد أطلقت حملة تصفية كبيرة حتى قبل هذه المحاولة الانقلابية، وتوقعت بعض المجموعات في المؤسسة العسكرية أن تطالهم هذه التصفيات أيضا، فرأت ضرورة المسارعة إلى إحداث انقلاب لإنقاذ أنفسهم. لكنهم تأخروا وحصدتهم تلك التصفيات التي بدأت بعد إفشال الانقلاب. حتى لو لم تقع هذه المحاولة فإن هذه التصفيات كانت ستجرى وإن لم تكن بهذه الشدة والعمق والتوسع. فمحاولة الانقلاب باتت ذريعة مرحبة بها. لكن حركة غولن ليست منظمة إرهابية بل هى حركة مدنية دينية تعليمية”. (ولعله يشير بعبارة “مرحبة” إلى وصف أردوغان لمحاولة الانقلاب بالهدية الإلهية!)

تصريحات رئيس لجنة الاستخبارات البرلمانية الأمريكية

وعضد رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي ديفين نونيس ما قاله برونو كال في الانقلاب التركي: “ليس هناك أي دليل يشير إلى تدبير فتح الله غولن لمحاولة الانقلاب في تركيا. إدارة الرئيس أردوغان تتجه يوما بيوم إلى مزيد من الاستبداد والسلطوية، لذلك تعاني العلاقات الثنائية بين البلدين من توتر”، وذلك في إطار رده على سؤال قناة “فوكس” الأمريكية حول المزاعم التي تسوقها السلطات التركية عن استعداد الولايات المتحدة لإعادة الأستاذ غولن إلى تركيا. وتوقع أن العلاقات بين تركيا وأمريكا ستواجه مزيدا من الصعوبات بالتوازي مع زيادة الجهود المبذولة في سبيل تطهير كل من سوريا والعراق من عناصر تنظيم داعش.

ومن الممكن أن نجزم بأن هذه التصريحات بمثابة التعبير عن النظرة الرسمية للسلطات الأمريكية إلى الرئيس أردوغان والحكومة التركية، نظرا لأن ديفين نونيس المنتمي إلى الحزب الجمهوري من أقوى حلفاء الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، ويتمتع بعلاقات وطيدة مع كل الأجهزة الاستخباراتية في البلاد.

دلالات التصريحات الأوروبية والأمريكية

وفي هذا السياق ينبغي أن نتذكر أن رئيس المخابرات التركي هاكان فيدان كان قد أجرى في منتصف شباط/فبراير الماضي زيارة إلى ألمانيا تلبية للدعوة التي وجهها له نظيره الألماني برونو كال، بعد الزيارة التي أجرتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى تركيا في الثاني من الشهر ذاته (شباط). وتشير المصادر إلى أن “متابعة أنشطة حركة الخدمة في ألمانيا عن كثب، وإعادة المطلوبين من المنتمين لها إلى تركيا” كان بين المواضيع التي بحثها كل من هاكان فيدان برونو كال.

وإذا أردنا قراءة تصريحات برونو كال في ضوء هذه الخلفية فإنه يكون قد قال: “زارني هاكان فيدان في الشهر المنصرم، وحاول إقناعي بوقوف غولن وراء الانقلاب لكنه لم ينجح في ذلك. ونحن كنا على علم بموجة التصفية الكبيرة التي خططوا لها قبل الانقلاب. ولأن العسكريين هم كذلك كانوا يعلمون خطتهم هذه بادروا إلى الانقلاب عليهم معتبرين هذا الأمر مسألة حياة أو موت”.

الجيش التركي ساحة لصراع المحورين الغربي والشرقي

لما أعلن أردوغان الحرب على حركة الخدمة، خاصة بعد بدء تحقيقات الفساد والرشوة في 2013، بادر إلى تعيين الضباط المرتبطين بالمعسكر الشرقي الأوراسي (روسيا + الصين)، أي مجموعة “أرجنكون” والمتهمون في إطار قضية “باليوز/المطرقة” الانقلابية، في مواقع حساسة بالمؤسسة العسكرية مجددا، وفتح المجال أمامهم ليقوموا بتصفية الضباط المتحالفين مع المعسكر الغربي (أمركيا + أوروبا). فهؤلاء من أعدوا قبل الانقلاب قوائم الأسماء الواجب تصفيتها، كما اعترف بذلك زعيم حزب الوطن دوغو بارينتشاك الداعم للمعسكر الأوراسي، وأدرجوا فيها كل الضباط المعينين في أماكنهم بعد اعتقالهم وإيداعهم السجن في إطار قضية أرجنكون المعروفة، سواء كانوا متعاطفين مع حركة الخدمة أو لم يكن لهم أي علاقة معها. وبأغلب الاحتمال، كان رئيس الأركان خلوصي أكار مع قادته الآخرين ضمن هذه الأسماء المقررة تصفيتها، بل إنه كان رأس المجلس العسكري الذي كان سيسيطر على الحكم في حال نجاح الانقلاب وفق تصريحات المتهمين بالانقلاب في المحكمة، وهذا ما جعل الانقلابيين يطمئنون إليه ويبادرون إلى الانقلاب. لكن يبدو أن هاكان فيدان ومجموعة أرجنكون نجحوا في شراء ذمة أكار أو أقنعوه بخطتهم، وهو الأمر الذي أفشل الانقلاب؛ نظرا لأن هاكان فيدان أجرى معه لقاءين، أحدهما سري كشفت عنه صحيفة “أيدينلك”، والآخر يعرفه الجميع، السري كان قبل يوم واحد من الانقلاب ودام ست ساعات، والمعلن كان قبل ساعات قليلة من اندلاع أحداث الانقلاب.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن التصريحات والتقارير الغربية تأتي في الوقت الذي وصل فيه القلق الأمريكي الأوروبي حول موقف أردوغان من الناتو إلى أوجه، خاصة بعد أن أعلن أنه يعتزم شراء منظومة دفاع وصواريخ جديدة من الصين وروسيا، كما نشرته قبل نحو أسبوع وكالة سبوتنك الروسية، فإنه من الممكن أن نستخلص أن تلك التقارير الأمريكية والأوروبية تقول للرئيس أردوغان “لا تحاول خداعنا والعالم! فنحن نعلم أنك قمت بتصفية الجنرالات والضباط الموالين للناتو قبل الانقلاب وبعده، من خلال استغلال ضباط المعسكر الأوراسي (الروسي الصيني). لا يمكنك أن تقنعنا بتدبير حركة الخدمة هذه المحاولة الانقلابية، فنحن نعلم جيدا أنك تبذل كل ما في وسعك من جهد للابتعاد والانفصال عن الناتو. لكن لا بد أن تكون لهذه الرغبة نتائج سترضى بها”.

لافتة جريمة الانتماء إلى حركة الخدمة

يذكر أن أردوغان لما كشفته أجهزة الأمن والقضاء التي تضم موظفين من كل الانتماءات متلبسًا بجريمة “الفساد” في عام 2013، شعر بالحاجة إلى “لافتة جاهزة” ليصم بها الكاشفين عن فساده، من أجل إنقاذ نفسه ورجاله. واختار حركةَ الخدمة لتكون كبش فداء، وذلك لأنها الوحيدة “القابلة” لحملها هذا الحجم من “الاتهامات” كالانقلاب والسيطرة على كل العالم، نظرا لأنها تتمتع بقوة ونفوذ ليس في تركيا فقط بل في جميع أرجاء العالم من خلال مؤسساتها التعليمية. فاستحدث جريمة نمطية تحت مسمى “الانتماء إلى حركة الخدمة” لإلصاقها إلى كل من يريد تصفيته.

ومثلما أن أردوغان أحدث “انقلابا مضادا” في اليوم التالي من بدء تحقيقات الفساد والرشوة، ونسف جهازي الأمن والقضاء من ألفه إلى يائه، بفضل لافتة “جريمة الانتماء لحركة الخدمة”، ثم أنشأ جهازي أمن وقضاء من أنصاره وجماعة “أرجنكون” المتحالفين معهم، وذلك من أجل التستر على جرائم الطرفين معا، كذلك أقدم على “انقلاب مضاد” في صبيحة ليلة الانقلاب المصمم مسبقا على الفشل أطاح بكل القادة في المؤسسة العسكرية التي هي العلمانية والكمالية في جوهرها، وأعضاء القضاء الأعلى المنتمين إلى تيارات مختلفة، بفضل اللافتة ذاتها، سواء شاركوا في الأحداث أم لم يشاركوا، وكانوا منتمين إلى حركة الخدمة أو لم يكونوا على أي صلة بها، وذلك من أجل التغطية على جريمة استعانته بالتنظيمات الإرهابية في تنفيذ مشاريعه في الداخل والخارج، مثل تنظيمي داعش وحزب العمال الكردستاني، والتي كشفها الجيش التركي عبر حادثة استيقاف شاحنات المخابرات التركية المحملة بالأسلحة المرسلة إلى داعش في سوريا. بمعنى أن أردوغان انتقم من جهازي الأمن والقضاء السابقين من خلال توظيف تحقيقات الفساد، والمؤسسة العسكرية بذريعة محاولة الانقلاب الفاشلة، ثم شرع في وضع اللمسات الأخيرة لنظامه الشخصي، مدعيا أن حركة الخدمة هي من تقف وراء الحادثتين، مع أنه وكل العالم يعلم أن هذه الحركة براء عن كل هذه الاتهامات بشهادة سيرتها الذاتية الناصعة.

أردوغان كان يكيل كل المدح للأستاذ كولن، ولم يوجه له أي اتهام، حتى ظهور فساده.. ثم انقلب الرجل عليه.. وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم “العمر” الذي قضاه قبل النبوة دليلاً على صدقه وردًا على تهم الكذب المسندة إليه – حاشا وكلا – من أهل مكة امتثالاً لقول الله عز وجل (قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)، حيث هم من وصفوه بالأمين والصادق، كذلك فإن التاريخ الناصع له وللخدمة قبل تحقيقات الفساد دليل نظري وعملي على براءتهما من التهم المنسوبة إليهما.

Print Friendly