معروفٌ أنَّ “حقوق الإنسان” مصطلحٌ بدأ استخدامه في الساحة العالميِّةِ عقبَ الحربِ العالمية الثانية، وقضيّةُ مَن الذي أدخل هذا المصطلح في قواميسنا القانونية والأخلاقية؟ وهل هناك حقًّا دولةٌ في العالم تُقدِّرُ حقوق الإنسان؟ قضيَّةٌ يطول الحديث فيها، ومع هذا فإنَّه يُمكن اعتبارُ الحديث عن حقوق الإنسان في العالم مرحلةً من مراحل الإنسانية، ولو كان ذلك بشكلٍ نظرىٍّ وكمصطلح فحسب، وفي مقابل هذا نجد الإسلام ضَمِنَ بممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم وبالتطبيقات القرآنية ذاتِها الأمورَ المتعارفَ عليها اليوم باسم حقوق الإنسان الأساسية، حتى إنَّ العلماء توصَّلوا إلى أنَّ الفقه الإسلامي موجَّهٌ لحماية خمسة حقوق أساسية هي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وهي ما تسمى في علم الأصول بالكليات الخمس أو الضروريات. وهكذا يتناول فتح الله كولن قضيَّةَ حقوق الإنسان من هذه الزاوية فيقول:

“الإسلام دينٌ عالميٌّ حمى جميعَ الحقوق وضَمِنَها؛ إذ إنَّ منظورَ الإسلام ووجهةَ نظرِهِ الواسعة في موضوع الحقوق تكفلُ لكلِّ البَشَرِ بل والحيوانات حقوقهم على أتمِّ وجهٍ.

فالقرآن الكريم يَعُدُّ قتلَ الإنسان جريمةً ضدَّ الإنسانية جمعاء، إذ القرآن يقول: “مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا” (سورة المائدة: 32)، وليس من الممكن العثور على مثل هذا النوع من الحساسية والدِّقَّةِ في هذا الشأن في دينٍ آخر غير الإسلام، ولا في نظامٍ قانوني على الإطلاق، وكما بيَّنَ سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحيحة يكون الإنسان شهيدًا إنْ مات دفاعًا عن نفسِهِ ومالِهِ وعِرضِهِ ودينِهِ وعقلِهِ، وقد عُدّ النضالُ في سبيل هذه الحقوق جهادًا.

كولن: الإسلام دينٌ عالميٌّ حمى جميعَ الحقوق وضَمِنَها؛ إذ إنَّ منظورَ الإسلام ووجهةَ نظرِهِ الواسعة في موضوع الحقوق تكفلُ لكلِّ البَشَرِ بل والحيوانات حقوقهم على أتمِّ وجهٍ.

وينظرُ الإسلام إلى حقوق من نافذة هذه المبادئ الأساسية، ويُكلِّفُ كلَّ فردٍ بالحفاظ عليها والدفاع عنها، فضلاً عن أن الإنسان حَظِي في الدين الإسلامي بِلَقَبِ “خليفة الله في الأرض”، وقد أُذِنَ له في ظلِّ هذه المرتبة السامية الموهوبة له- بالتدخُّل في الأشياء ومُنِحَت له قدرةٌ على ذلك، أضف إلى ذلك أن الإنسان شُرِّفَ بحُرِّيَّاتٍ كحرِّيَّة حماية نفسه ونوعِهِ وحُرِّيَّة العمل والمبادرة والمحاولة؛ لدرجة أنَّه تستحيل معارضة الإسلام بما أتت به الأنظمة الأخرى من مبادئ في هذا الشأن، كما يستحيل العثور على أي جانبٍ سلبيٍّ فيما جاء به”.

إن فتح الله كولن إذ ينظرُ إلى حقوق الإنسان من منظورٍ إسلاميٍّ على هذا النحوِ يتناولُ فلسفةَ حبِّ الإنسانية-التي تُشكِّلُ أحدَ المواضيع الأكثر طرحًا حول العالم منذ قرن من الزمان-أكثر ما يتناوله في إطار حبِّ الإنسان، وبينما يُبيِّنُ أن احترام الإنسان دُرِسَ دراسات عاديِّةً مبتذلَةً في يومنا؛ يلفِتُ الانتباه إلى أن بعض القوى استغلَّت هذا المصطلح واستفادت منه لِصالِحِ أفكارهما ومعتقداتها ومصالحِها القومية الخاصة بها، وعندما يتطرَّق إلى حبِّ الإنسان ارتباطًا باحترام الإنسان يقول:

“الحبُّ هو الوردة النَّضِرَةُ في عالمنا القائم على الإيمان والقلب، وقد نسجَ الحقُّ تعالى الكونَ كشريطة زينةٍ على أوشِحَةِ المحبة، والحب هو الموسيقى الأكثر ترنُّمًا وتغنِّيًا يتردد في صدر الوجود بأداءٍ ساحرٍ أخّاذٍ على نحو دائمٍ، وعلاقة المحبة هي أقوى العلائق بين الأفراد الذين يُشكِّلون الأُسَرَ والمجتمعات والأمم، ويتجلَّى الحبُّ في صورة الرحمة والشفقة من الأبوين إلى الأولاد، وفي صورة الاحترامِ من الأولاد إلى الوالدين، أما الحبُّ العالميُّ فيكشف عن نفسه في صورة التعاون والتعاضد من قِبَلِ الوجود أجمع لصالح كلِّ جزءٍ وذرَّةٍ في الوجود.

الإنسان ينبغي له أن ينمي بَذرَة المحبة الكامنة في فطرته وطبيعته، ويقضي حياته في ظلالها؛ فينأى بهذا الشكل عن مشاعرَ كالحقد والغضب والحسد،

وفي مقابل سيطرة نوعٍ من الحبِّ اللاإرادي- المستمد مصدرَه من محبة الخالق للمخلوق- على عالم الوجود كله، باستثناء المجال الإنساني؛ يشترك الإنسان بإرادته الخاصة في سيمفونية الحب الكامنة في الوجود هذه، أي إنَّ الإنسان ينبغي له أن ينمي بَذرَة المحبة الكامنة في فطرته وطبيعته، ويقضي حياته في ظلالها؛ فينأى بهذا الشكل عن مشاعرَ كالحقد والغضب والحسد، وفي هذا الموضوع يذكر كولن أمثلة من التضحيات الملحمية التي بذلها المسلمون- في تلك الفترات التي فُهم فيها الإسلام حقَّ الفهم- كي ينعَمَ الآخرون بالسعادة والراحة الأبدية ولا سيما النجاة في الآخرة.

ويؤكد فتح الله كولن على مدى عمق فكرة وملاحظة الحب في إطار مبادئ الإسلام العالمية، وهي فكرة متوازنة جدًّا، أي إن الإسلام مع وقوفه التامّ إلى جانب المظلوم يدعو إلى الرحمة بالظالم أيضًا وهي تتمثل في خلاصه من الظلم كما ورد في أحد الأحاديث النبوية الشريفة ([1]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] ) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ. (رواه البخاري: 2444).

المصدر: علي أونال، فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2015م، صـ315/ 316/ 317.