يتصدَّر اسم “محمد فتح الله كولن” عناوين الأخبار في الصحافة العالمية عن الأحداث الجارية في تركيا. ويأتي اسمه مقرونًا باسم “رجب طيب أردوغان” رئيس الجمهورية التركية. فمَن هو محمد فتح الله كولن؟ هل يقود حركة عابرة للقارات كما تصفه الصحافة؟ وهل هو زعيم سياسيّ، أم هو مفكّر إسلامي وعالِم دين وداعية مصلح يعمل لنشر الإسلام ولتصحيح العقيدة وللتمكين للثقافة الإسلامية؟ وهل حركة محمد فتح الله كولن حركة إسلامية تربوية ثقافية اجتماعية إصلاحية، أم هي حركة سياسية تسعى إلى الحكم في تركيا؟ هل محمد فتح الله كولن يظهر للناس على حقيقته، أم أنه يتظاهر بغير حقيقته؟

تلك هي الأسئلة التي تتردد في الإعلام الغربي بصورة عامة، كما تتردد بأساليب مختلفة في الإعلام العربي ومن زوايا متعددة، وغالبًا ما يتم ذلك بدون فهم حقيقي لما يجري في تركيا من أحداث يبدو أنها لن تهدأ في المدى القريب.

من هو فتح الله كولن؟

محمد فتح الله كولن (بالكاف وليس بالغين، ومعناها البسّام، الضحاك) شخصية فريدة من نوعها، حقيقةً لا مجازًا. لا يوجد له نظير في العالم العربي بل في العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم. هو نمط فريد من بين المفكرين الذين يؤمنون بالقيم الإسلامية ويسعون إلى تفعيلها في المجتمع. فهو مفكر ذو رؤية إسلامية وصاحب رسالة إنسانية، عرف دينه وعصره وحاجة مجتمعه إليه، فانطلق يعمل في بيئة لم تكن مواتية، ولكنه وُفّق -بذكائه وفطنته وبصدقه وبتفانيه- في تذليل الصعاب، وفي إقناع الناس المحيطين به بأفكاره البنّاءة.

المبدأ الذي تتبنّاه “الخدمة” هو التزام العملِ الإيجابي البنّاء بعيدًا كل البعد عن جميع أنواع العنف والشدة، والتحركِ في إطار الحقوق والقوانين.

التربية والتعليم وسيلة الإصلاح

كان يتطلع كولن إلى إصلاح المحيط الذي يعيش فيه من خلال وسائل التربية والتعليم.. وساعده في ذلك نفر ممن كانوا يثِقون في إخلاصه وصدقه من مختلف الفئات. فنشأت الحركة البانية للمجتمع، المنقذة من الجهل، الهادية إلى الإيمان، الداعية إلى الفضيلة، الحاثة على الإخلاص في العمل لمصلحة المجتمع. نشأت هذه الحركة بوسائل بسيطة وبإمكانات متواضعة. وعرفت هذه الحركة بـ”الخدمة”. يقول مصطفى يَشِيل (رئيس وقْف الصحافيّين والكتاب في تركيا): “الخدمة مشروع مدَني، تضع الإنسان في محور نشاطها، وتستهدف خدمة الإنسان، ولا تبتغي من وراء ذلك إلا مرضاة الله تعالى. وهي تؤمن بالتنوّع والتعدد الثقافي، ولا تنظر إلى الاختلاف الثقافي والديني على أنه مثار صراع وصدام”.

السياسة ليست وسيلة تمكين

لم يكن للخدمة أيّ هدف سياسي ، ولم تضع في برنامجها حتى اليوم خطة لتأسيس حزب سياسي والصعود إلى السلطة، وهي تقف على مسافة واحدة من الأحزاب السياسية كافة دون تفضيل أحد على آخر كما يؤكد كولن وتلاميذه.

كما أن “الخدمة” لا تنحاز إلى أي حزب من الأحزاب السياسية بصورة جماعية، كذلك لا توجّه أي فرد من أفرادها إلى حزب بعينه، ولا يقدم لأحد أي اقتراح أو توجيه في هذا الصدد. ذلك أن الذين ملَؤوا قلوبهم بحبّ هذه الخدمة، قد تكون لديهم ميول ونزوع إلى أحزاب مختلفة. ولبّ القول إن الخدمة تركت موضوع التصويت في الانتخابات لإرادة المنتخبين الحرة.

لم تجمع حركة الخدمة في أي وقت من الأوقات “مصلحة مادية” بحزب العدالة والتنمية. ولهذا فمن الخطأ الحديث عن منفعة مشتركة بين الجانبين

الخدمة والتزام العمل الإيجابي

إن الأسلوب أو المبدأ الذي تتبنّاه “الخدمة” وتتبعه في تعاملها مع المجموعات البشرية والقضايا الإنسانية، طوال حوالي 60 عامًا من ظهورها إلى العلن، هو التزام العملِ الإيجابي البنّاء بعيدًا كل البعد عن جميع أنواع العنف والشدة، والتحركِ في إطار الحقوق والقوانين. ولم تقف “الخدمة” في يوم من الأيام إلى جانب الصراع، بل آمنت بإمكانية حل القضايا والمشاكل كافة -في أي مجال أو بقعة كانت- عن طريق الحوار والتصالح والاتفاق.

الخدمة واستقلالية الإرادة

يؤكد فتح الله كولن وتلاميذه أن “الخدمة” لم تكن في يوم من الأيام تابعة لإرادة أي بلد في الخارج، كذلك هي لا تتبع لإرادة أي مؤسسة أو منظمة في الداخل. فهي حركة تتميز باستقلاليتها التامة من كل النواحي، من حيث مواردها ومنهجها في الفكر والعمل ومسيرتها في هذا الدرب، ومن حيث برامجها ومشاريعها المختلفة. وتلك الاستقلالية الشاملة هي أهم ميزة تتميز بها الخدمة.

حركة الخدمة وحزب العدالة والتنمية

يؤكد كولن وتلاميذه أن “حركة “الخدمة” لم تجمعها في أي وقت من الأوقات “مصلحة مادية” بحزب العدالة والتنمية. ولهذا فمن الخطأ الحديث عن منفعة مشتركة بين الجانبين. كما أنه ليس لحركة “الخدمة” أيّ حسابات أو أهداف تتعلق بنصيب لها من السلطة. إن كل ما تنتظره “الخدمة” من الحكومة أيّ حكومة هو الارتقاء بالبلد، وترسيخ قواعد الديمقراطية ودعائمها، وتحقيق النهضة والاستقرار للشعب، وزيادة حقوق المواطنين وحرّياتهم. وقد حصل حزب العدالة والتنمية على دعم القاعدة العريضة من محبي “الخدمة” حينما سعى لتحقيق مطالب الشعب. ولكن في الوقت الذي حدث فيه انخفاض في تحقيق نسبة هذه المطالب، وفرض قيود على حقوق المواطنين وحرياتهم، وتحول الحكومة من مؤسسة تحتضن الجميع إلى مؤسسة تنظر إلى كل شيء من وجهة نظرها الضيقة وتقصي من حولها؛ فقد أفضت هذه التطورات إلى نشوب مشاكل كبيرة بين الطرفين كما عليه الحال الآن.