حوار قناة الغد مع الأستاذ فتح الله كولن *

س: سيد فتح الله كولن في البداية كيف تقيّمون الوضع في تركيا الآن؟

ج: لأنني بعيد حاليًّا عن تركيا، لا يمكنني أن أقيّمها كمن يعيش في تركيا.. أتابع من خلال القنوات الفضائية، والصحف المتوفرة.. وأعتقد أن الإعلام العالميّ يتابع تركيا بشكلٍ أفضل مني.

س: ما هي رؤيتكم لوضع تركيا على الأقل؟

ج: الجميع يتابع ما يحصل في تركيا.. وما أراه من منظوري الشخصيّ فإن المجتمع التركي يتعرّض لأمور سيئة، مثل تقسيم المجتمع إلى معسكرات متناحرة، لا أدري كيف أعبر عن ذلك..

إن ما يحدث حاليًّا قد يكون شبيهًا بما حدث في حقبة الحروب الصليبية، حيث كانت الأمة التركية تحمل لواء الاسلام ولم تكن هذه الأمة متناحرة ولا تعيش حالة من العداء كما هو الحال اليوم.. إن قلبي ينزف على هذا المشهد التركي اليوم.

س: هناك حملة اعتقالات واسعة في صفوف الجيش والشرطة والقضاة والإعلاميين بلا محاكمات. هل هذا يؤدّي إلى تفاقم الأزمة وإلى مستقبل مظلم لتركيا؟

ج: إن من ينظر إلى المشهد التركي بحيادية يرى أن هذا المشهد يتطور بشكل سلبيّ، وكنت أتمنى ألا يكون الحال في بلادي كذلك، وأدعو الله في صلواتي: “اللهم اجمع شملنا وألّفْ بين قلوبنا”.. ويشهد إخوتي الذين يعيشون معي على ذلك.

وبمناسبة ما وقع في تركيا من أحداث فساد في عام (2013م) من جرائم غسيل الأموال، والعثور على كميات هائلة من أوراق البنكنوت في بيوت بعض المسؤولين الأتراك، لا أدري من قام بتسجيل تلك الجرائم وبثّها في قنوات التلفاز، هل هي المخابرات التركية نفسها! أم أن من قام بالتسجيل أجهزة استخبارات دولية؟!

وربما من قام بالتسجيل جهات لا تحب أردوغان، وعلى أيّ حال فقد طُرِحت قضايا الفساد في البرلمان التركيّ للتحقيق وأرادت المعارضة التحقيق أيضًا.

ومنذ ذلك الوقت اشتد الهجوم علينا رغم أنه لا علاقة لنا بالموضوع، وقد اختلقت السلطات التركية تعبير “الكيان الموازي”.

ولا أعرف ديكتاتورية في التاريخ استخدمت مثل هذه الأساليب، فقبل أن تثبت الادّعاءات بالمحاكم ألصقوا بنا تهمًا كثيرة، منها تهمة “الكيان الموازي”، وتُهَمٌ أخرى لا تليق برجال الدولة.

قبل المحاولة الانقلابية الأخيرة أصدر مجلس الأمن القومي التركي قرارًا باعتبارنا حركة إرهابية، وذلك دون الاستناد على حكم قضائيّ.

وأخذت السلطات التركية في شنّ حملات من التشوية الممنهج، وأغلقوا مدارسنا ومعاهدنا  التحضيرية للجامعات، وفرضوا الحراسة على مؤسساتنا.

كنت قد اقترحت بعض الحلول للمشكلة الكردية جنوب شرق تركيا؛ للحفاظ على تركيا الموحدة بكردِها وتركِها وعرَبِها وشركسِها، لكن أردوغان ضرب بكل تلك الحلول والاقتراحات عرضَ الحائط، واستمرّوا في حربهم علينا بإغلاق مدارسنا خارج تركيا من خلال توظيف السفارات التركية في الخارج لهذا الغرض.

إن ما نتعرض له اليوم لا علاقة له بالمحاولة الانقلابية وأعتقد أن المحاولة الانقلابية اتخذها أردوغان ذريعة لإكمال ما بدأه من إجراءات لتدمير حركة الخدمة.

س: كيف تخرج تركيا من هذا الوضع؟

ج: أدعو الله أن يُنقذ تركيا بعنايته كما أنقذ سيدنا موسى (عليه السلام) وسيدنا نوح (عليه السلام) لكن إذا نظرنا في إطار الأسباب الظاهرية فإن الصورة لا تبدو بكثير من التفاؤل، ونضرع إلى الله أن يشمل تركيا برحمته وعنايته.

هذه الأمة التركية التي حملت لواء الدفاع عن الاسلام قرونًا طويلة نأمل من الله ألا يخيب رجاءها ولا يفرّق شملها، هذا أولًا، أما فيما يخص الرأي العامّ العالميّ فإنه ينبغي له أن يتدخّل بالضغط على الحكومة التركيّة لوقف الانتهاكات التي تمارسها الدولة هناك، وينبغي أن يتصدى الاتحاد الأوروبيّ والمجتمع الدوليّ ومنظمة شنغهاي لتلك الانتهاكات التي تمارس كل يوم في تركيا، وحيث أن تركيا تحتلّ موقعًا جغرافيًّا في غاية الأهمية، لذا فإن استقرارها هو أمر حيويّ بالنسبة لدول آسيا الوسطى وأوروبا والشرق الأوسط.

إن العالم يرى ما يجري في تركيا، ويجب أن يتعامل مع هذا الملفّ بإنصاف، وإذا أرادَ المجتمع الدولي أن يكون عادلًا ينبغي عليه أن يقول للقيادة التركية أن تلتزمَ بمعايير شرعية دولة القانون.

فلعلّ القائمين على الأمر في “أنقرة” ينتبهون  لخطورة ما يمارسونه من إجراءات تسيء وتضر كثيرًا بمستقبل تركيا، ولعلهم يندمون ويرجعون عن أفعالهم وأخطائهم؛ لأنَّ ما يقومون به هو خطأٌ فادح.

س: لماذا يستهدفك أردوغان على وجه التحديد؟

ج: لا أعرف السبب الحقيقي وراء عداوة أردوغان لي.. لكن هناك قصة ذكرتُها لبعض الأخوة مرارًا، وسأعيدها عليكم.

كان أردوغان رئيسًا لبلدية إسطنبول وجاء لزيارتي.. كان يريد أن يؤسّس حزبًا ويتشاور مع بعض المفكرين، فجاء لزيارة العبد الضعيف، واستقبلتُه في مؤسّسة قام هو بإغلاقها في الحملة الأخيرة، وقمنا بتقديم واجب الضيافة له، هذ كان قبل عشرين عامًا تقريبًا، كان يريد أن ينشق عن زعيمه “نجم الدين أَرْبَكَانْ (Necmeddin Erbakan)”¹ ويؤسسَ حزبًا جديدًا، ونصحتُه آنذاك بالتروِّي وقدمتُ له بعض النصح.

مضى زمنٌ طويلٌ منذ ذلك اللقاء، وكان “نجم الدين أربكان” وقتئذٍ زعيمًا لحزب “الرفاه” الحاكم.

وقلت لأردوغان: إن أردتَ الانشقاق وتأسيس حزب جديد فعليك توخي الحذر والتروي؛ لأنك قد تُسبب مشاكل داخل الحزب الحاكم.

ونصحتُ أردوغان أيضًا بأن تركيا تُعاني من كثرة الانقلابات، فعليكم التعايش مع المؤسسة العسكرية حتى لا تخسروا ما حققتموه من إنجازات، وكنتُ حسنَ النية تمامًا معه.

أذكرُ أن أردوغان غادر اللقاء دون أن ينبسَ ببنت شفة.. لكنّه قال للصديق الذي جاء به إليَّ: غدًا إذا تمكنتُ من الأمور في تركيا فإن أول من سأتخلّص منهم هم هؤلاء، وكان يقصد بهؤلاء العبدَ الضعيف وتلاميذي في حركة الخدمة.

إذًا فالمسألةُ ليست متعلّقة بفضائح الفساد في (2013م)، فنيّةُ أردوغان قديمةٌ، وتعود إلى ذلك اللقاء.. لكنني لا أفهم السبب وراء كل ذلك الحقد الذي يحمله أردوغان.

أنا إنسان عادي بسيط، ولعل الله يتفضل على البسطاء بإنجازات كبيرة، وإنني أنظرُ إلى شخصي الضعيف على أنني إنسان بسيط، وهناك مدارس لحركة الخدمة في 170 دولة حول العالم. هذه المدارس تؤسّس جسورًا للمحبة والحوار بين الأمم والشعوب والثقافات المختلفة.

 ويبدو أن حكومة أردوغان التي عجزت عن مثل هذا المشروع التنويري تحمل الحقد لنا، وكما تعلمون فإن الحاسد قد يكون أكثرَ تدميرًا من الكافر، والحسنُ البصري œ يشفق على الحاسد ويشبهه بمن ظلم نفسه.²

والنبي › يقول ” إيّاكم والحسدَ، فإن الحسد يأكل الحسناتِ كما تأكل النارُ الحطبَ”³، لقد دخلت جماعة أردوغان في دوامة من الحقد والحسد، وكلما زادت أنشطة حركة الخدمة ازداد أردوغان وجماعته حقدًا وحسدًا.

 

* تم بث هذا الحوار بتاريخ 3 أغسطس/آب 2016م.

هوامش:

١. نجم الدين أربكان (29 تشرين الأول/أكتوبر 1926م – 27 شباط/فبراير 2011م) تولى رئاسة “حزب النظام القومي (MNP)” و “حزب السلامة القومي (MSP)” و”حزب الرفاه (RP)” وتولى أيضًا منصب نائب رئيس الوزراء بتكوينه حكومة ائتلافية مع “بولنت أجويت (Bülent Ecevit)”، وأسس في عام (1983م) حزب الرفاه، نجح في حصد أغلبية الأصوات في انتخابات عام (1996م) ليترأس حكومة ائتلافية (1996-1997م) مع “حزب الطريق القويم (DYP)” برئاسة السيدة ” تانصو جِللر (Tansu Çiller)”، وهو (رحمه الله) توفي في 27 شباط/فبراير (2011م) في أنقرة.

٢. وقال الحسنُ البصري “ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد: نفس (حسد) دائم، وحزن لازم، وغمّ لا ينفذ”. (ابن عبد ربه: العقد الفريد، دار الكتب العلمية – بيروت، (1404ه) 1-8، 2/170).

٣. سنن أبي داود، الأدب، 44.