حوار الأهرام مع الأستاذ فتح الله كولن، سبتمبر (٢٠١٦) *

حركة الخدمة لها محبون بالملايين في شتى أنحاء العالم وفي الوقت ذاته لها أعداء يصفونها بأنها أخطر منظمة إرهابية، بصفتكم الملهم الأول لأفكار الخدمة كيف تصفونها؟ وما هي أهدافها التي تسعى لتحقيقها؟ وما وسائلها لتحقيق تلك الأهداف؟       

اسمحو لى أن أقول إنني لم أزل منذ بداية حياتي أنظر إلى نفسي كإنسان عاديٍّ. ورأسمالي الوحيد هو أنني لم أسجد لغير الله تعالى، وأمنيتي الوحيدة هي أن يَقبلني ربي عبدا له، ومع ذلك اعتبرت وجودي كفرد في دائرة هذه المجموعة التي يعبَّر عنها في الغالب بـ “الخدمة” أو “حركة المتطوعين” من ألطاف الله تعالى.

ويمكن القول بأن مقولة الأستاذ النُّورسي هي بمثابة خارطة طريق لرجال الخدمة، حيث يقول “إن عدونا هو الجهل والفقر والتفرقة، وسنواجه هذه الأعداء الثلاثة بسلاح العلم والعمل والاتفاق”.

ستينات القرن الماضي كانت حقبةً عشنا فيها مرارة انفصام الشباب عن القيم الإيمانية. فمن أهم الدوافع التي كانت سببا في نشأة دعوة الخدمة هو الحاجة الملحة إلى تنشئة جيل مجهز بالعلوم الكونية من جانب، ومتمسك بالقيم الإيمانية من جانب آخر، جيل محترم للقيم الإنسانية، ممتلئ بالأمل والعزيمة، متحلٍّ بالفكر الإيجابي مهما اشتدت الظروف، متمتع بقدرات يستطيع من خلالها إيجاد حلول لأزمات الإنسان، بالإضافة إلى سعة أفقه واطلاعه على ما يجري حوله في العالم.

“إن عدونا هو الجهل والفقر والتفرقة، وسنواجه هذه الأعداء الثلاثة بسلاح العلم والعمل والاتفاق”

وشاء القدر الإلهي أن أكون ضمن بضعة رجال بادروا ببذل جهود مباركة محتسبين أجرهم عند الله، دون انتظار مقابل من أحد. وكنت أحاول في كل فرصة تسنح لي أن أبين للناس مدى الحاجة إلى مثل هذه الخدمات ومعقوليتها. وذلك من خلال الدروس التي كنت ألقيها في المساجد، أو في قاعات الندوات والمحاضرات التي كنت أُدْعى إليها، بل وحتى في صالات السينما عندما كان يجتمع الناس للاستماع إلى هذا العبد الفقير، وكنت أنبههم في دروسي ومحاضراتي إلى ضرورة رعاية الشباب المهدَّدين بالوقوع في براثن الضياع من أمثال الإدمان والمخدرات والانحلال الخلقي. عددٌ كبيرٌ من الناس رأوا في هذه المبادرات إخلاصا ومعقولية فآمنوا بها وحملوا مسؤوليتها على عواتقهم. كانت البداية توفيرَ مِنَحٍ دراسية للشباب غير القادرين على مواصلة الدراسة بسبب ظروفهم المادية، وتهيئةَ أرضية آمنة لإيوائهم، بالإضافة إلى بعث الثقة في قلوبهم تجاه القيم الإيمانية التي نشأوا عليها. بعد ذلك أسس هؤلاء المخلصون مساكن للطلاب، وصالات للقراءة، ومدارس أهلية، ومعاهد تحضيرية إلى أن جاء يوم بدأوا ينشئون فيه جامعات أهلية.

من ناحية أخرى، تم تفعيل دينامو العقل المشترك والوعي الجمعي في اتجاه معالجة “الفقر” الذي جعل أمتَنا ترزح تحت نيّر الحاجة واضطرها الى تكفف الآخرين، فأجّج هذا في نفوس الناس مقومات العمل المشترك، مما أدى بهم إلى إنشاء شراكات بين رجلين أو ثلاثة أو أربعة، وبدؤوا يبادرون إلى الخروج من قراهم أو من محافظاتهم بل ومن بلدهم منفتحين على آفاق جديدة للعمل والاستثمار. وبمرور الوقت بدأوا ينخرطون في هذه القافلة، وأصبحوا من رجال الهِمَّة الذين لم يقتصروا على أداء زكاة أموالهم فحسب، بل سعوا إلى أن يكسبوا أكثر ليزيدوا من نسبة عطاءاتهم واستثماراتهم في خدمة الإنسان، فمنهم من انبرى لإنشاء مأوى للطلبة، ومنهم من تصدى لبناء جامعة… إلخ. وبفضل هؤلاء فُتحت مدارس في شتى أنحاء العالم، بالإضافة إلى تأسيسهم جمعياتِ إغاثةٍ إنسانية من أمثال “كيمسه يوكمو” (هل من مغيث؟) لتقديم مساعدات إنسانية إلى المحتاجين في كل مناطق العالم، وعلى رأسهم المحتاجون في بلادنا.

 وخلال عملي طوال حياتي مع زملائي في تفعيل هذه الأطر كنت أؤكد دائما على أهمية قيمة التسامح والحوار، وتقبُّلِ الآخرين في مواقعهم، وانطلقتُ في ذلك من قاعدةِ: “سامح الآخرين.. أو على الأقل تغاضَى عن هفواتهم.. وإن كان لا بد، فلا تُرَوِّجْها..”، وشجعت الناس على أن يفتحوا قلوبهم للجميع، ونبّهتُهم إلى الحاجة الماسّة إلى الحوار، وبذل الجهود في سبيل تحقيق ذلك في الداخل التركي للقضاء على ما تعانيه بلادنا من انقسامات إلى معسكرات، بين علويين وسنيين، وبين علمانيين ومُتدينين، وغيرها من أشكال الانقسامات.

بالطبع هذه المشاكل ليست قاصرة على بلادنا فحسب، إذ جلّ بلدان العالم تعاني من نفس الداء.. أي تأجيج الخلافات وإثارة التصادم بين الناس. الواقع أن الإنسان هو من يصنع هذه المشاكل، فحيثما وُجد الإنسان فإن المشاكل تتشابه.. والحلول أيضا لا تختلف.. فكل من كانوا يتجرعون مرارة هذا الداء عندما اطلعوا على هذه الرؤية التي لمسوا آثارها الإيجابية في تركيا، فهموا أن الاختلافات ليست بالضرورة سببا للنزاعات، بل إذا قوبلت برحابة صدر فإنها تتحول إلى ثراء في المجتمع.. مع العلم بأن هذا انعكاس لما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وطبَّقه بالأخص في وثيقة المدينة المنورة مع الذين كانوا يحملون أفكارا مختلفة..

فالذين مارسوا هذه التجربة في تركيا، وعاشوا معها، وخبروا نتائجها الطيبة، توجهوا بمشاريع متواضعة تعبر عن هذه الروح إلى أغلب دول العالم، وبسبب سلوكهم الإنساني هذا لاقوا ترحيبا في كل بلد حلوا فيه، وإلى اليوم لا يزالون يواصلون أنشطتهم في المؤسسات التربوية التي تم إنشاؤها في تلك البلدان بنفس الترحاب على الرغم من السعي الحثيث للقيادة التركية الحالية من أجل إغلاق تلك المؤسسات حتى لو كانت مدرسة صغيرة في منطقة نائية. إنهم لا يدَّخرونجهدا في سبيل التخريب، بل يقدمون وعودا شتى مغرية للمسئولين في بعض البلدان للقضاء على هذه المؤسسات، ولكن العالَم لم يتخل عن رعايتها بعدما عاين بنفسه معقوليتها وأهميتها ونافعيتها.

“سامح الآخرين.. أو على الأقل تغاضَى عن هفواتهم.. وإن كان لا بد، فلا تُرَوِّجْها..”

والحاصل أن “الخدمة” ليست تنظيما بالمعنى الذي يقصدونه، بل هي مشروع تطوعي بالمنطق القرآني مرتبط بالمعقولية الإنسانية. فالذين تعلقت قلوبهم بهذه الفكرة يقومون بتضحيات في خدمة الإنسانية، ليس لأنهم منتمون إلى هذه الفئة أو تلك، بل لأنهم يؤمنون بأن هذه الحركة تقوم بأعمال تتوافق مع المنطق القرآني وتتسم بالمعقولية. ومن ثم يسارعون لتلبية النداءاتِ التي وُجهت إليهم من أجل القضاء على الجهل والفقر والتفرقة.

ذكر بعض المحللين أن حزب العدالة والتنمية كان يمثل الغطاء السياسي للخدمة في حين كانت الخدمة تمثل الجناح الدعوي له، فهل كنتم بالفعل على نفس الخط مع الحزب ومن ثم كنتم تقومون بتأييده؟ وما مدى دعم الحزب لكم؟

نحن الذين تعلقت قلوبنا بالخدمة، لم نكن يوما ما على نفس الخط مع أية حركة سياسية، لا مع حزب العدالة والتنمية ولا مع سائر الأحزاب التي سبقته. ففي سبعينيات القرن الماضي تقدَّمتْ إليَّ بعض الجهات (نجم الدين أربكان) بمقترحات للانخراط في العمل السياسي، ولكني لم أستجب لأي منها،

لأنني – بحسب وجهة نظري – أرى أن العمل السياسي والتنافس على السلطة منهجا غيرَ مناسبٍ لتحقيق الغايات الكبرى التي تتوخاها الخدمة، المتمثلةِ في محاربة ثلاثة أعداء عالميين، هم الفقر والجهل والصراع بمختلف أشكاله، عن طريق التربية والتعليم ودعم الأنشطة الاقتصادية والإغاثية والتركيز على برامج الحوار في كل مكان من العالم، على النحو الذي وضحناه آنفا.

وأما ما تطرقتم إليه في سؤالكم، فإن غاية ما قمنا به هو تشجيع السياسات الواعدة بسلامة البلاد ورخاء مستقبلِها.. ففي سنوات حكم حزب العدالة والتنمية الأولى كانت سياساته تهدف إلى تنمية البلاد، وإعطاء الأولوية لقيم من أمثال الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان واحترام الآخرين وسيادة القانون، ونحن بدورنا اقتنعنا بذلك وأيدناه.. لكن البعض قرأ موقفنا هذا وكأننا نؤيد الحزب على الإطلاق، إضافة إلى أنني لم أدع في أي فترة من الفترات إلى تأييد أي حزب من الأحزاب ولم أمل على أحد التصويت لحزب بعينه، لأنني أعتبر تصرفا كهذا تعديا على حريات الآخرين وعدم تقدير لذكائهم واستهانة بإرادتهم المستقلة. والمرة الوحيدة التي دعوت فيها الناخبين إلى التصويت بالموافقة على التعديلات الدستورية كانت بمناسبة الاستفتاء العام على حزمة التعديلات الدستورية في العام 2010 والتي كانت تهدف إلى توسيع نطاق الحقوق والحريات الديمقراطية.

ولعل هذا هو ما جعل بعض الناس يعدوننا من داعمي حزب العدالة والتنمية، إن كل ما فعلناه هو تبني القيم العالمية التي كان الحزب أيضا يدافع عنها آنذاك.. ولكن تبين لاحقا أنه لم يكن مخلصا في نواياه، فصرنا مثل الآخرين ضحايا حسن ظننا، حيث تعلقنا بالظاهر وتم خداعنا، ومن الممكن أن يتعرض المؤمن للخداع لكنه لا يمكن أن يكون أبدا مخادعا.

أما فيما يتعلق بدعم الحزب للخدمة، فالسلطة ليست مقام منة وتفضل، بل هي وسيلة للقيام على خدمة الناس ورعاية شئونهم، ومن مسؤليات كل حاكم أن يلبي مطالب مواطنيه بقدر الإمكان بشرط ألا تكون مخالفة للقوانين وألا تخل بمبدأ المساواة بين المواطنين. ولم يصدر من رجال الخدمة يوما ما مطالب أو خدمات تخالف هذه المبادئ الرئيسية. ومن ثم فلم تحصل الخدمة على أي امتيازات أو استثناءات بل لم تقبل بذلك أصلا، ولعل هذا هو الذي زاد وتيرة الحنق والغيظ على أبناء الخدمة إذ لم يستطيعوا أن يكمموا أفواههم بأي امتيازات أو استثناءات كما فعلوا مع آخرين.

نحن الذين تعلقت قلوبنا بالخدمة، لم نكن يوما ما على نفس الخط مع أية حركة سياسية، لا مع حزب العدالة والتنمية ولا مع سائر الأحزاب التي سبقته

الحزب بما يمارسه الآن من أفعال يسعى جاهدا لإثبات أنه لم يكن بالأمس أيضا بجانب الخدمة.. نحن نعتبر أن ما يحدث معنا الآن فرصة منحها الله لنا ليغربل صفوفنا وهي سنة الله مع كل من يتصدى للنفع العام ولنا في الأنبياء العظام وعلى رأسهم فخر الكائنات أسوة حسنة. كما أنها فرصة أيضا ليطلع العالم على حقيقة هؤلاء المخلصين الذين تتشكل على أيديهم هذه الخدمات المنتشرة في كل مكان فمع حجم المحنة التي يعيشونها، يقدمون أروع النماذج في التسامح والسلام وعدم الانجرار إلى ردود الأفعال ومواصلة العمل الإيجابي البناء.

بالنسبة لما آلت إليه الأحداث فإن حزب العدالة والتنمية في محاولاته لإظهار الخدمة على أنها كيان إرهابي، وقد حملكم شخصيا ومن ورائكم الخدمة مسئولية المحاولة الانقلابية الفاشلة التي وصفتموها بـ”المسرحية”،، بل وصل الأمر إلى حد مطالبة الولايات المتحدة بتسليمكم على خلفية هذه الأحداث، فما الطريق الذي ستسلكونه إذا ما رأت الولايات المتحدة تسليمكم لأردوغان؟

بدايةً أود أن الفت النظر إلى أن وصفنا لما حصل بأنه “مسرحية”لا يعني التهاون بجريمة راح ضحيتَها هذا الكمّ من الأبرياء الذين أدعو الله أن يتغمدهم بواسع رحمته. لكن مسارعة أردوغان والموالين له إلى اتهام الخدمة، واستهدافنا بتلك الاتهامات قبل تكشف الحقائق ودون أي دليل، ثم تطور الأحداث بعد ذلك نتيجة لهذه الاتهامات من تشريد واعتقال عشوائي لمجرد التعاطف مع الخدمة، أو دعم الأعمال الخيرية التي تقوم بها، واختلاط الحابل بالنابل هو ما دعا إلى القول بأنها “مسرحية”، والآن وبعد ما شاهدنا ما آلت إليه ماكينة الظلم والافتراءات يمكننا القول بأنها “مؤامرة”. لقد كانت الموضة السائدة بالأمس قبل انكشاف فضائح الفساد في العام 2013 التي ثبت فيها بالأدلة المصورة تورط شخصيات كبيرة من الوزراء وأبنائهم ..كانت الموضة مدح حركة الخدمة والإشادة بمنجزاتها على الصعيدين المحلي والعالمي، فإذا راجعت الفيديوهات الموجودة على أرشيفات اليوتيوب والعالم الرقمي فستجد أن كل من كان يمسك بيده الميكروفون من المنسوبين إلى الحزب بمن فيهم أردوغان، يسردون قصصا ملحمية في مدح الخدمة، لكن بعد هذا التاريخ تحديدا وبعد اكتشاف ملفات الفساد والسرقات والرشاوي التي تورط فيها قيادات من الحزب والتي كشفت عنها تحريات الشرطة وتحقيقات النيابة إذا بهم يصنفونها في عداد الخائنين.. وبدلا من تفعيل العملية القانونية ومحاولة إثبات براءتهم من التهم المنسوبة إليهم في ساحات القضاء راحوا يتهمون الخدمة بمحاولة تدبير انقلاب على الحكومة، دون أي دليل يثبت افتراءاتهم تلك، في محاولة غير نزيهة للتغطية على تلك الفضائح، وبدأوا يمارسون إجراءات في الشرطة والقضاء بحيث يكون الجميع تحت وصايتهم ويتمكنون من الإفلات من جرائمهم. ثم طالب في تصريح علني أمام الحشود الجماهيرية رئيسُ الجمهورية الحالي الذي كان رئيس الوزاء آنذاك الولايات المتحدة بإعادتي، ولكنهم لم يتقدموا بطلب رسمي، بل كانوا يقدمون أثناء مقابلاتهم مع المسؤولين الأمريكيين اقتراحات مغرية لتحقيق هذا الطلب، ولكنهم لم يجدوا استجابة في هذا الصدد من الأمريكيين، وأظن أنهم لن يجدوا شيئا من ذلك هذا اليوم أيضا، فالولايات المتحدة لن تغامر بسمعتها في سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان والحفاظ على القيم الديمقراطية، لمجرد تلبية رغبات شخصية لبعض الناس. قد يستطيعون خداع البعض ممن يسير خلفهم أو يصدق كلامهم بلا أي دليل أو برهان لكن حيلهم تلك لن تنطلي على العالم.

وفي المقابل، أود أن أكرر هنا ما قلته سابقا في مناسبات عديدة: فلتتشكل لجنة دولية من قِبَل أطراف محايدة، تقوم بالتحقيق في محاولة الانقلاب المشؤوم هذا، فإذا أثبتت الأدلة –كما يدَّعون- أنني المخطط أو الموجه لهذا الانقلاب، أو لي أدنى صلة به، فلن أنتظر ساعتها قرار الولايات المتحدة، وسأحجز تذكرني إلى تركيا على حسابي الشخصي، وأسلم نفسي للعدالة هناك ليبتوا في شأني بما يشاءون.

تردد في الأوساط الإعلامية والبرلمانية توجيه مقترحات بدعوتكم إلى مصر، في حال إذا اقتضى الأمر مغادرتكم للولايات المتحدة هل تفكرون في القدوم إلى مصر؟                                                             

لا أفكر بالمغادرة من هنا حاليا ما لم تكن هناك أسباب قاهرة. أنا مقيم في هذا المكان منذ ١٧ عاما، لم أتعرض لأي إساءة من الجيران أو ممن يعيشون هنا، بل كانوا طيبين ومرحبين بنا دائما. ولكن كما قلت قبل قليل إذا صدر قرار قضائي في حقي للترحيل من هنا فإنني سأغادر إلى تركيا دون تردد. أنا أعيش آخر أيام حياتي. ولعلها تكون فرصة يمنحني الله إياها لأبصق على وجوه بعض الظلمة، قبل أن أتابع مسيري إلى الدار الآخرة.

بعض وجوه مصر من المثقفين والمسؤولين تصرفوا بما يعبر عن شهامتهم ونبلهم. ولا أحسب أن تداول مثل هذه الموضوعات في المنابر الإعلامية والسياسية يتم بمنأى عن القائمين على تدبير الشأن في البلاد. لذلك أنتهز الفرصة وأقدم شكري لكل من تعاطفوا مع العبد الضعيف من صميم قلبي.

وبهذه المناسبة، فكل بادرة تهدف إلى إنصاف مظلوم أو تبرئة مفترى عليه ودعمه عمل يستحق الإشادة والتقدير، وقد اتخذت مصرُ موقفا من هذا القبيل حين وقفت حائلا ضد استغلال تركيا لمنظمة التعاون الإسلامي في محاولاتها لإداراج الخدمة ضمن الكيانات الإرهابية، فهذه الوقفة الحازمة من مصر ذات الثقل في المجتمع الدولي لا يمكن أن تنسى، بل هي جميل لن أنساه ما حييت.

في الحقيقة مكانة مصر في قلبي لا تقل عن تركيا، رغم أنني لم أتشرف بزيارتها من قبل. يصف بديع الزمان النورسي المصري بأنه ابن الإسلام الذكي. ومن ثم تتميز مصر بنفس الأهمية التي تتميز بها تركيا. شخصيا لا أريد أن تسوء العلاقات بين مصر وتركيا وتنقطع. لا أريد أن أكون سببا يجر مصر إلى مشاكل بينها وبين تركيا، فمع شكري وامتناني العميق لهذه اللفتة الكريمة أفضل البقاء هنا حاليا ولن أغادر إلى أي مكان آخر إلا إلى تركيا.

برغم اطلاعكم على نوايا أردوغان العدائية الخفية منها والمعلنة تجاه الخدمة لماذا لماذا لم تعملوا بما لديكم من ثقل مجتمعي على إضعاف حزبه أو إيجاد بدائل أخرى له أو دعم حزب آخر معارض له؟                         

إننا مسلمون، وبمقتضى تربيتنا الإسلامية لا يمكن أن نفعل شيئا يتناقض مع مبادئنا التي تربينا عليها فالألاعيب السياسية والتفكير في إضرار من يعتبروننا منافسين أو السعي إلى إزاحتهم من الساحة وفق المنطق الميكيافيلي، كل هذا بعيد كل البعد عن رؤانا التي نتبناها. فمهمتنا هي البناء والإنشاء، أعني العمل الإيجابي.. وكما قال الأستاذ بديع الزمان النُّورْسي: نحن فدائيو المحبة، ولا وقت لنا للخصومة، وإن كان لا بد أن نعادي، فعدونا هو العِداء ذاته.. لذلك لم نفكر قط في تسيير قافلتنا على حساب الآخرين أومن خلال العمل على تعويقهم، ولن يكون ذلك في المستقبل أيضا.. فكما ذكرت سابقا، لم أقل للمتعاطفين مع الخدمة: صوِّتوا للحزب الفلاني، كذلك لم أقل لهم لا تصوتوا للحزب الفلاني أيضا.. فكل فرد منهم واعٍ بقيمه، وكل حزب يقترب من تلك القيم فسيصوِّت له حتما، يصوت لمن يشاء، ويدعم من يشاء.. وإذا رأى أن حزبا يناقض قيمه تلك فلن يصوت له.. كما أن وعود الأحزاب السياسية وإنجازاتهم معلومة للجميع، لذا فإني أرى توجيه الناس في هذا الصدد نوع من الاستخفاف ببصيرتهم وفراستهم..

لا أفكر بالمغادرة من هنا حاليا ما لم تكن هناك أسباب قاهرة. أنا مقيم في هذا المكان منذ ١٧ عاما، لم أتعرض لأي إساءة من الجيران أو ممن يعيشون هنا، بل كانوا طيبين ومرحبين بنا دائما.

لقد فرضوا الحراسة على بعض الشركات وقاموا بمصادرتها وعينوا عليها حُرَّاسًا قضائيين، والآن قاموا بمصادرة جميع مؤسسات الخدمة ثم إغلاقها، لماذا اخترتم الاستسلام وعدم المقاومة؟ ولماذا لم تدع أبناء الخدمة إلى التظاهر والخروج إلى الشوارع والميادين اعتراضا على هذه الممارسات؟

 من الوارد أن هناك فئة كانت تستهدف حدوث ذلك، أعني الانجرار إلى الميادين، فمنذ أعوام وهم يضعون مؤسسات الخدمة وأبناءها تحت المجهر، ولجانُ التفتيش لم تترك شاردة ولا واردة إلا فحصتها فحصا دقيقا أملا في العثور على تهمة أو شيء يشوهون به الخدمة ويشنعون عليها، ولكنهم لم يعثروا على شيء، ولو كانوا عثروا على شيء طفيف لضخَّموا الأمر وجعلوا من الحبة قبة كما يقال، ولطاروا به إلى كل الدنيا. ولعلكم تابعتم بعضا مما تسرب من هذه الأفعال إلى الخارج، فقد حاولوا أن يغتالوا الشخصية المعنوية لهذه الحركة التي أفنى أبناؤها ذواتهم فيها في سبيل العمل على نشر القيم الإيمانية والإنسانية التي يؤمنون بها، فعمدوا إلى وصمهم بالإرهابيين وتوسلوا إلى ذلك بمخطط شيطاني، وهو أن يضعوا السلاح في بعض أماكنهم التي يتواجدون فيها ثم يقومون بمداهمتها وتصويرها قائلين: ألم نقل لكم إن هؤلاء إرهابيون؟ وها هو سلاحهم، لكن كل ذلك لم ينجح، ولن ينجح.. بل حتى الذين كانوا يتخذون موقفا عدائيا ضد الخدمة سخروا من هذه الترهات، وقالوا لهم: “صفوهم بما شئتم، وقولوا في حقهم ما تريدون، لكن لا تصفوهم بأنهم إرهابيون، فإن ذلك لن ينجح”..

لقد كان هدفهم من إغلاق المؤسسات وتدميرها بهذا الشكل العنيف، وإهدارِ كل الجهود المتراكمة على مدار السنين، بالإضافة إلى إطلاق أعوانهم والموالين لهم لينهبوا هذه المؤسسات ويستولوا عليها هو الضغط على مشاعر أبناء الخدمة واستدراجهم إلى الشوارع وتصويرهم عندها على أنهم إرهابيون مخربون.

ولكننا بفضل الله أولا، ثم بفضل التربية التي نشأنا عليها لم نحقق مرادهم ونُستدرج إلى ما يريدون، فلم يصدر من أبناء الخدمة رد فعل على كل هذه الاستفزازات حتى ولو بوكزة، وأكثر ما سرني في خضم هذه الأحداث المليئة بالأحزان هو أن أحباءنا تَخَطَّوْا هذه الامتحاناتِ أيضا بنجاح باه. وبهذه المناسبة رأى العالَم بأم عينيه من خلال هؤلاء الأخيار مدى أهمية الاستثمار في الإنسان، ونوعيةَ الناس الذين قامت الخدمة بتربيتهم.

إذا كنتم إزاء كل هذه الممارسات والانتهاكات قد رجحتم ضبط النفس وانتهاج السبل القانونية، فلماذا لم تتلقوا دعما من المعارضة السياسية في تركيا، ولماذا لا يصطفون إلى جانبكم مع سائر القوى الأخرى للحد من التوغل الديكتاتوري لأردوغان؟

هناك إشكال في تركيا أشرت إليه من قبل مرارا، وهو غياب المعارضة السياسية الحقيقية. لا يوجد معارضة قوية وجادة. هنا في أمريكا ديمقراطيون وجمهوريون، أحيانا يتفوق الأول على الثاني أو الثاني على الأول ببعض النقاط الطفيفة، بما يعني أن هناك منافسة ندية، تمكن من تداول السلطة، هناك انتقادات ذاتية ومحاسبة دقيقة للسياسات حتى لا يخسروا في الانتخابات، وهو ما يدفعهم للالتزام بمبادئ الديمقراطية أكثر.

في تركيا تم تدجين المعارضة بالكامل، وربما الظروف تطورت في ذلك الاتجاه. سابقا كان كلٌّ مِن حزب الطريق القويم وحزب الوطن الأم يشكلان الأغلبية. ولكن بعد تداعي هذه الأحزاب من الداخل وفقدها لتأثيرها أقبلت جماهير الشعب على دعم الحزب الحاكم حاليا ومن ثم بدأت شوكتهم تزداد يوما بعد يوم، مع غياب حقيقي لأحزاب المعارضة، وهذه هي إحدى كبرى مشاكل تركيا حاليا.

أضف إلى ذلك أن بعض أحزاب المعارضة كان لها موقف سلبي إزاء حركة الخدمة من قديم. لا أريد أن أسميه، لكن واحدا من الأحزاب الكبرى في المعارضة¹ كان يمنع أعضاءه من الحضور في أولمبياد الثقافة واللغات التي كانت تقوم مدارس الخدمة بتنظيمها. لكن بعض الأوفياء منهم كانوا يقولون للإخوة، سنأتي إكراما لكم ووفاء، ولكن نرجو ألا تجلسونا في الصفوف الأمامية، دعونا نجلس في الوراء حتى لا نظهر. إذن هناك نوع من الانزعاج وعدم الاستساغة منذ ذلك الوقت. يمكنني أن أقول الشيء نفسه بالنسبة للحزب الآخر كذلك (حزب الشعب الجمهوري). بل يمكنني القول نفسه لمن كانوا سابقا يهانون ويطردون ويهمشون في جنوبي شرقي تركيا (حزب الشعوب الديمقراطية). لقد كانوا يحملون النوايا والأفكار ذاتها في قرارة أنفسهم. ومع الأزمة الراهنة استحسنوا ما وقع فقالوا: “ليأكل هؤلاء (قيادة أردوغان) الطرف الآخر (الخدمة)، لينكلوا بهم ويقضوا عليهم”. نعم ذهبوا في هذا الاتجاه ولم يكونوا مخلصين لمبادئهم، تجاهلوا المستقبل، توقعوا أن الأمور ستجري على هذا الشكل إلى الأبد.

يمكن أن نقول إنهم وجدوا قاسما مشتركا فيما بينهم، موضوعا اتفقوا عليه جميعا، هو القضاء على حركة الخدمة. حركة الخدمة حركة إنسانية انطلقت تخدم الإنسانية في ١٧٠ بلدا في العالم. تسعى إلى أن يعانق الإنسان أخاه الإنسان بمحبة… المساجد إلى جانب الكنائس والصوامع مع المعابد جنبا إلى جنب دون حرج، في ولاية هوستون رأينا نموذج المسجد وإلى جانبه كنيسة، في تركيا رأينا مشروع مسجد وإلى جانبه دار الجمع لإقامة روح التعايش بين العلويين والسنيين. هذه المشاريع تمت بإذن الله وعنايته، وفشلت جميع مخططاتهم التي تخدم روح التفرقة، لذا لم يستسيغوها بل حقدوا عليها، يقولون اليوم: “لا تتفوهوا بكلمة اعتراض على المظالم التي تقع، اتسعت أنشطة هؤلاء كثيرا، دعوا القيادة الحالية تقضي عليهم، ولا شك أن السياسات المجحفة التي تنتهجها الحكومة ستضعفها هي كذلك، ومن ثم نوقع عصفورين بحجر واحد”. أعتقد أنهم يرددون أيضا:” غدا ستتدخل القوى العظمى في هذا الموضوع وستقضي على القيادة الحالية، فيفتح لنا المجال ويكون لنا دور يومئذ”. لا نستبعد هذا النوع من التفكير البراغماتي لدى هؤلاء. هذه توقعاتي من خلال قراءتي المتواضعة للمشهد من الزاوية الاجتماعية والسيكولوجية

كيف تنظرون إلى ما تفشى في تركيا من انحلال أخلاقي، وانتشار للفساد، وتزايد حدة الاستقطاب المجتمعي جراء السياسات الخاطئة حول الهويات العرقية؟

إن من يزعمون أنفسهم “متدينين” هم صاحب النصيب الأعظم في هذا الضرر، فقد عمدوا إلى استغلال مشاعر الناس الدينية، ولم يقدموا شيئا يخدم الدين، ويبدو أن المناصب الفخمة التي شغلوها والأماكن الراقية التي سكنوها بعدما كانوا يسكنون في أطراف المدن قد أثرت فيهم تأثيرا سلبيا، فقد تعرَّضوا لتسمم المنصب والقوة.. ولم تمض فترة قليلة حتى أحاط بهم مجموعة من النفعيين، وبما أنهم لم يضعوا مسافة بينهم وبين الدنيا سرعان ما وقعوا تحت تأثير هؤلاء المحيطين بهم..

ولكننا بفضل الله أولا، ثم بفضل التربية التي نشأنا عليها لم نحقق مرادهم ونُستدرج إلى ما يريدون، فلم يصدر من أبناء الخدمة رد فعل على كل هذه الاستفزازات حتى ولو بوكزة،

ولكن ما يحز في النفس أنهم لم يجدوا حرجا في أن يُغلِّفوا كل ما اقترفوه بلباس الدين، بل حصلوا على فتاوي من أناس تخيلوا أنفسهم في مقام شيخ الإسلام تبيح لهم تلك الأفعال، فارتكبوا المعاصي باسم الدين، ونفّروا الناس بسلوكهم هذا من الدين، حتى وصل الحد ببعض الناس إلى أن يقولوا: “إذا كان ما يعمله هؤلاء دينا فنحن منه بُرَءاء”، ففقدوا بذلك ما تبقى لديهم من احترام وما توارثوه عن أجدادهم من قيم. هؤلاء تخطوا كل الحدود في إيثار المقربين منهم وإقصاء من ليس منهم، وإذا أمعنتَ النظر فيما يقولون ويكتبون ف فستلاحظ التبرير المستمر لكل فساد أو رشوة أو مخالفات شرعية تصدر من هؤلاء المقربين، وكأن المقرب منهم معصوم.

إن سلوك الإنسان ومعاملاته هي التي تعبر عن مدى التزامه بالدين، فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الصور، بل إلى القلوب وما فيها من إيمان. لقد انخفض سنُّ تعاطي المخدرات حتى وصل إلى مستوى تلاميذ المرحلة الابتدائية، والانحلال الأخلاقي يعيش عصره الذهبي، ولكن لا حياة لمن تنادي..

لقد بلغت فضائح قضايا الفساد في 17/25 من ديسمبر/ كانون الثاني عنان السماء، وقد قاموا بإحراق كل مكاسب البلاد للتغطية على هذه الفضائح. إن الإنجازات التي حققوها إلى ذلك اليوم كانت رائعة، لقد كان بإمكانهم أن يقولوا حين انكشفت تلك الفضائح:” على كل مَنْ تورط في قضايا الفساد هذه أن يمثل أمام العدالة ليبرئ نفسه ثم ليأتنا”، ولو فعلوا لضربوا أروع الأمثلة في النزاهة والعدالة ولَعدوا من أبطال التاريخ، لكن يبدو أن المستنقع كان من العمق بحيث لم يتجاسروا على ذلك، وغيروا وجهتهم من أجل إنقاذ أنفسهم وعائلاتهم، ولكنهم للأسف يجرون البلاد الآن إلى مغامرة مجهولة العواقب..لقد زادت حدة سياسة الاستقطاب منذ ذلك الحين، وقد كان الرئيس يستخدم لغة التصعيد للتغطية على كل هذه الفضائح، ومنذ ذلك الحين لا يزال يستخدم تلك اللغة. ليس هو فحسب بل صارت هذه اللغة لغة الحكومة والموالين له، وبدلا من التعقل ومعالجة الأمور بحكمة أدخل البلاد في حالة جهنمية، وصار يتعامل مع نصف الشعب وكأنهم لاشيء، على الرغم من اعتلائه كرسي الرئاسة الذي يفرض عليه أن يكون رئيسا للجميع، وفي ظل وضع كهذا لا يمكن الحديث عن الاستقرار في البلاد.

وإذا راقبتم تصريحاته في السنوات الثلاث الأخيرة فسوف تطلعون على مدى التقلبات التي تكتنفها، فما كان يصفه بالأمس بأنه أبيض يصفه اليوم بأنه أسود وهكذا.. وسياسته في الملف الكردي والتعامل مع عناصر حزب العمال الكردستاني لا تختلف عن هذا، فبذريعة عملية السلام التي كان يجريها معهم كبَّل أيدي الشرطة والجيش، ولم يأذن لهم في التعامل مع الإرهابيين المستقرين في الجبال، وقد استغل هؤلاء الإرهابيون هذه الفرصة وحولوا المناطق والمدن التي كانوا يتحركون فيها بكل أمن إلى مستودعات للسلاح، لقد كانوا يُخوّنون كل من ينبههم إلى هذا الخطر ويُسكتون كل صوت يحذر أو يتحدث في هذا الأمر، واليوم بدؤوا هم أنفسهم يتحدثون عن هذه الأمور، يخوِّنون أفراد الشرطة والجيش ويلقون باللائمة عليهم، ويتهمونهم بالتقصير والإهمال. وفي هذا السياق فإن أكبر المتضررين هم أبناء الشعب من الأكراد الذين قُتل منهم كثير من الأبرياء، ودُمرت بيوتهم، وأزهقت كثير من أرواح المدنيين، بل وحتى أخليت قرى وبلدات كاملة من ساكنيها فرارا من الحروب والدمار.

إن العلاقات الخارجية التركية هي أيضا متأزمة، وهناك كثير من الدول لديها قناعات بأن تركيا تدعم المنظمات الإرهابية من أمثال داعش والقاعدة وغيرها.. فكيف تقيّمون علاقة أردوغان مع دول العالم وبالأخص دول الجوار؟ 

حينما نما إلى مسامعى هذا الحديث شعرت بقلق بالغ، وتمنيت ألا يكون صادقا. ولكن كما تتابعون، أصبحت هذه الأخبار من الأمور العاديَّة، حتى إن بعض الدول الكبرى بدأت تتحرك في هذا الاتجاه، وتجهز ملفات حول إثبات هذه الموضوعات التي يدور الحديث حولها.

ومع الأسف نحن أمام شخصية لم تستطع أن تتفهم مسئولية المنصب الذي تشغله، ويبدو أن أحلام الخلافة وإمارة المؤمنين التي تراود خياله لها تأثير على شخصيته. فهو يظن أن العالم الإسلامي سينقاد خلفه ومن ثم تراه يتحدث عن الدعاء في قبر صلاح الدين الأيوبي، والصلاة في الجامع الأموي، وكأنه يرى التدخل في الشأن الداخلي للدول الأخرى حقا طبيعيا له. وكما هو معلوم فإن سياسته كانت تميل إلى تأجيج الأحداث وصب الزيت على النار، خاصة فيما يتعلق بالأحداث في مصر وسوريا. ومن المرير اعتقاده بأنه يحرز مكانة عالية من خلال استغلال مظلومية الملايين من الناس.

ولتحقيق الهيمنة وأحلام السلطنة، صارت الرغبة في دخول الأراضي السورية هاجسا ملحا وعقدة تضغط عليه، فقام بدعم المنظمات الإرهابية من أمثال داعش بشكل علني، وتخيَّل أنه إذا دعم معارضي النظام السوري فسيطيح به، بل إن طموحه هذا لم يقتصر على سوريا بل تعداها إلى دعم كل حركة إرهابية تستخدم في ظاهرها خطابا إسلاميا. ومؤخرا تناولت وسائل إعلام عالمية نوع الأسلحة التي أُرسلت والجهات التي تلقتها. ولما تم القبض على الشاحنات التي تحمل هذه الأسلحة أصيب بنوع من الهذيان، وبدلا من توضيح الحقائق لشعبه بدأ بتشريد القضاة والمدعين العموم والجنود وأفراد الشرطة الذين نفذوا هذه العملية وزجَّ بهم في السجون. والواقع أن الإنسان لا يمكنه تحقيق أي إنجاز عن طريق التدمير، التدمير سهل لكن التعمير ليس بنفس هذه السهولة، فالسلاح الذي تُمِدّ به غيرك قد يأتي يوم ويُصوَّب إلى صدرك.

منذ زمن بعيد وأنا لا أزال أردد القول بأنه لا يمكن حل أي مشكلة عن طريق العمليات الإرهابية. بل وصل بي الأمر إلى التعرض للاستهداف بسبب تصريحاتي المناهضة للإرهاب، فقد كنت أردد دائما أن المسلم لا يمكن أن يكون إرهابيا، ولن يكون الإرهابي مسلما حقيقيا. فالإرهاب إرهاب مهما كان مرتكبه مسلما أو غير مسلم، وليس هذا مسلكا ناجعا، ولو كان كذلك لسار عليه الأنبياء وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم، لقد خاض حروبا في زمانه لكنها كانت حروبا دفاعية، لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم هو البادئ بها، لقد وضع كل الإستراتيجيات الدفاعية ضد هجمات الجيوش التي جاءت، محاولا تقليل الخسارة بأقل درجة ممكنة.

إنه واقع مرير. ولكنه حقيقة يشهدها العالم، فمن جانبٍ هناك مسئولون يستخدمون الشعارات الدينية لتحقيق مكاسب سياسية، ولا يكترثون بنزيف الدماء ما دام يخدم أجندتهم، ومن جانب آخر، هناك معماريو السلام الذين يُنشئون المحاضن التربوية لخدمة الإنسانية.. لقد وضع هؤلاء المسئولون نصب أعينهم إغلاق هذه المؤسسات التي تصنع خميرة القضاء على العداوات مستقبلا. وبالفعل أغلقوها في تركيا بمنتهى الوقاحة والصلف، وهم الآن يواصلون سعيهم الحثيث لإغلاقها في شتى أنحاء العالم.. وليس لنا إلا أن نسأل الله تعالى أن يعيدهم إلى صوابهم.

ما سبب عداء أردوغان لمصر حسب رأيكم؟

لا أظن أن هذا العداء قاصر على مصر فحسب، بل إنه يضع نفسه في مكانة معينة، ومن ثم يرى كل من لا يضعه في هذه المكانة خصما، فكل من لا يراه “خليفة” للمسلمين أو “سلطانا” للعالم الإسلامي هو بمثابة عدو. والحقيقة أن هذه حالة مرضية ينبغي للمتخصصين أن يتناولوها بالبحث.

فعندما كانت إدارة مصر بيد من يراهم مقربين منه، كان يسعى أن يكون له هيمنة عليها من خلالهم. لكنَّ مصرَ التي تمثل عنصر توازن للمنطقة والعالم الإسلامي تَنبهتْ لهذا مبكرا، واتخذت موقفا حياله، ونتيجة لذلك ازداد حنقا وغيظا، ومن ثم يمكن في ضوء ذلك تفسير مواقفه تجاه مصر. وعندما لم ينجح في سياساته، بدأ في استغلال هذا الملف داخليا، وأصبحت ساحات المهرجانات الانتخابية التركية معرضا للقضايا المصرية، يستغلها لبث روح الكراهية والعداء في نفوس شريحة من مؤيديه ضد مصر.

حركة الخدمة حركة إنسانية انطلقت تخدم الإنسانية في ١٧٠ بلدا في العالم. تسعى إلى أن يعانق الإنسان أخاه الإنسان بمحبة…

كما أظهر نفسه “طوق نجاة” للإخوان، ففتح أمامهم أبواب البلاد ووفر لهم الملاذ الآمن، ووعدهم بتسخير الإمكانات من أجلهم، ولكني لا أظنه مخلصا تجاههم أيضا، فكما استخدم غزة من قبل أداة لسياساته، أساء استخدام الإخوان –ولا يزال-؛ فإذا أمعنَّا النظر في الإمكانات التي هيأها لهم، يمكننا القول بكل سهولة إنه يوفر لهم الملاذ الآمن اليوم، وغدا سيقوم باستغلالهم إذا سنحت له الفرصة، كما دأب على ذلك مع كل الأطراف التي تعاملت معه، والزمان خير مفسر. إننا للأسف أمام شخصيات تتقمص روح الاتحاديين في نهايات الدولة العثمانية، من أمثال أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا، ففي سبيل رغبات هذه الشخصيات التوسعية وتطلعاتها السلطوية نراها تهدر كل المكاسب التي حققها المجتمع بلا أدنى اكتراث.

إن مصر وتركيا يمثلان عنصر توازن في المنطقة، وإن الروابط المشتركة التي تشكلت عبر القرون كفيلة بإعادة العلاقات إلى سابق عهدها. لذلك فإني على يقين بأن هذه الهستيريا ستنتهي عند نقطة معينة، وتتلاشى الأجواء السلبية، وتعود العلاقات بين الشعبين المصري والتركي إلى طبيعتها، وسنلتقي مجددا إخوة متحابين متكاتفين.

من وجهة نظركم، كيف يمكن مكافحة انتشار الأفكار الراديكالية الموجودة في الشرق الأوسط؟      

أوَّلا، أريد أن أبين أن الراديكالية ليست ظاهرة خاصة بالشرق الأوسط، بل هي ظاهرة عالمية ولها جذور قديمة، ومن ثم لا يمكن حصر الإرهاب في منطقة معينة أو زمان معين. كما أن الإرهاب ظاهرة تهدد العالم كله، لذا ينبغي النظر إلى الأسباب التي تؤدي إلى الإرهاب من هذا المنطلق أيضا، فالعوامل التي تغذي الإرهاب أو تؤدي إليه لا ينبغي حصرها في بيئة أو منطقة معينة، فمهما كان حجم العمليات الإرهابية في منطقة ما قليلا أو كثيرا، فإن هناك عوامل متعددة تعزز هذا التطرف، وتدفع إلى هذه العمليات الإرهابية، سواء من داخل هذه البيئات أو من خارجها.

إن مشكلة التطرف لها أبعاد وجوانب متعددة، وهي في الحقيقة مشكلة معقدة، وهذا التعقيد يفرض على الجميع المشاركة في حلها؛ إذ ليس لأحد أن يدعي أنه بمنأى عنها، فقد شاهدنا مؤخرا دولا ومناطق تتعرض للإرهاب، في حين أنها كانت تظن أنها بعيدة عنه.

ويحضرني في هذا السياق ما اقترحه الأستاذ النورسي في معرض خطبته التي خطبها في الجامع الأموي بالشام، إذ لا تزال هذه المقترحات التي قدمها غضة طرية لم تفقد طراوتها بعد.                                                         فالجهل يمثل بيئة خصبة يترعرع فيها الإرهاب، والفقر يمثل حالة مثالية لاجتذاب العناصر الإرهابية وتجنيدها، كما أن بث روح التفرقة بين أفراد المجتمع يسهم في زيادة وتيرة تلك العمليات الإرهابية. لذلك فالقضاء على هذه المشكلات الثلاثة حسبما أوضح الأستاذ النورسي هو الحل الأمثل لتجفيف منابع الإرهاب، والعمل على اجتثاثه من جذوره. وإلا فكل المحاولات التي تهدف إلى الحل من دون القضاء على الجهل، وتقديم الحلول الناجعة للبطالة، وإنهاء السياسات التي تقسم المجتمع وتفرق بين أفراده ستبوء بالفشل.

إن التربية والتعليم هما المفتاح السحري لحل هذا الموضوع من جذوره. فتربية الأجيال على احترام إنسانية كل إنسان، وتنشئتها على قيم التسامح والمحبة ونبذ الفتن والخصومات، وتعزيز الأمل في نفوسها حول مستقبلها، كل هذا سيمنعها من أن تقع فريسة سهلة للأفكار الراديكالية.

وينبغي الاهتمام بهذا الموضوع من سن مبكرة، بداية من سن الروضة مثلا، ويجب ألا ينحصر في المؤسسسات التربوية فحسب، بل يجب تضافر كل الجهود للاستفادة من كل الوسائل والإمكانات العصرية المتوفرة، كوسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، وعالم الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها. كما ينبغي توظيف الأعمال الدرامية من أفلام ومسلسلات وأفلام الرسوم المتحركة وغيرها من الوسائل الممكنة لتغذية اللاوعي في سن مبكرة.. وفي المقابل ينبغي التصدي لكل من يعمل على ترويج الأفكار الإرهابية، وتصويرها في صورة محببة إلى النفوس، وعدم منحه الفرصة لتدمير ما بنيناه.

عليَّ أن أعترف بأن آفاقنا الفكرية في العالَم الإسلامي ضيقةٌ جدا، لدرجة أننا عاجزون عن رؤية ما بين أيدينا، فضلا عن الرؤية بعيدة المدى؛ لذلك تنحصر أفكارنا في حدود يومنا الذي نعيشه، ولا نحاول أن نتعب دماغنا في سبيل إيجاد وسائل تساعد على حل مشاكلنا المتراكمة، بينما مشاكلنا اليومية متواصلة بلا انقطاع. الحقيقة أن هذه المشاكل لم تظهر بين ليلة وضحاها، حتى يمكن حلها مرة واحدة.. فالإرهاب شأنه شأن كثير من المشاكل يتطلب نفسا طويلا وصبرا.. والرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي الإلهي بذل جهودا على مدار 21 عاما لحل المشاكل في مكة المكرمة، وفي النهاية استطاع حلها جميعا، وهذا يعني أن المشاكل يمكن حلها.. فالمنهج النبوي يعلمنا أنه ليس هناك مشكلة مستعصية على الحل.

ويبدو أن هذه المشكلة أيضا هي من نوعية المشاكل التي لا يمكن حلها إلا بنفس طويل وبذل مشترك للجهود.. فبالأمس كان فكر الخوارج يُقَطِّع الصحابة إربا إربا، وها هو اليوم يعود إلى الحياة في هيئة جديدة ممثلا مشكلة أكبر من السابق.. فضلا عن أنه لا يتلقى الدعم من الخارج فحسب، بل يتقوى بدعم من داخل العالَم الإسلامي أيضا.. ومن البديهي أنه إذا لم يتم تشخيص المرض تشخيصا جيدا فلن يجدي التداوي والعلاج. وبرغم كل شيء لا ينبغي الوقوع فريسة في براثن اليأس أو الاستسلام له.. فلا شك أن ما أمكن حله بالأمس يمكن أن يحل اليوم أيضا، شريطة أن يكون المنهاج الذي نسلكه هو المنهاج النبوي.

ما أهدافكم التي تسعون إلى تحقيقها من وراء انتشار مؤسساتكم العلمية والثقافية والتربوية في مصر والعالم العربي؟

انتهزت كل فرصة لأقول: لم يكن لنا يوما مطلب سوى تحصيل مرضاة الله تعالى، ولن يكون لنا غير ذلك بإذن الله. فبحسب تعبير فخر الكائنات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: “خير الناس أنفعهم للناس”، توخينا أن نقدم خدماتنا للناس، كل الناس بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم وأجناسهم ومذاهبهم ومشاربهم. آمنا بأن هذا هو الطريق لتحصيل مرضاة الله تعالى بشكل كلي.. وما يهمنا في هذا الباب هو رعاية التوازن بين “المهم” و”الأهم”، ونحن بدورنا أعطينا الأولوية في هذا الأمر للمناطق التي هي بأمس الحاجة إلى قيمنا.. سلكنا الطريق، ونحمد الله تعالى فقد ظهرت لنا أثناء مسيرنا أماراتٌ عديدة تدل على أن الله راض عن عملنا هذا، ومنذ البداية إلى يومنا هذا لاحظنا من كل تلك الأمارات التي رأيناها وسمعناها وعشناها، أن هذا الطريق الذي نسلكه هو عين الصواب.

أما بالنسبة للعالم العربي وفي القلب منه مصر، فإن جغرافية هذه المنطقة لغتها العربية، وهي لغة ديننا الحنيف، ومن ثم فهم أسرع وصولا منا إلى نصوص الكتاب الحكيم والسنة النبوية.. فضلا عن أنها تمتلك أرضية خصبة من المؤسسات العلمية العريقة كالأزهر الشريف، الذي يتمتع بتقاليد علمية أصيلة تضرب بجذورها في عصور قديمة، مما جعلها صاحبة شهرة تستحقها. وبالتالى فإننا بالإضافة إلى ما يمكن أن نقدمه لهذه المنطقة من خدمات، في حاجة ماسة إلى أن نتعلم منها الشيء الكثير.. لست أدري ما الحكمة الإلهية من تأخر وصول مؤسسات الخدمة إلى العالم العربي، قد يكون هذا بسبب تقصير منا، كما يبدو أننا تأخرنا في طلب الاستفادة من هذه المنطقة.

هذا جانب من الأمر، ومن جانب آخر: هناك من العالم العربي أحباء تعرفوا على برامج الخدمة في مناطق مختلفة من العالم، واطلعوا على ما كتبه العبد الفقير فوجدوا حسب تعبيرهم نَفَسا وصوتا مختلفين، ثم أصروا علينا عاتبين: لماذا تهملون هذه المنطقة من برامج خدماتكم؟ فبدأت بواكير بعض هذه المؤسسات بالتعاون مع بعض رجال الأعمال الأتراك، وكانت تجربة جيدة تكررت نماذجها في عدد مختلف من البلدان العربية، وأثنت عليها الإدارات الحكومية التي تشرف عليها لالتزامها بالشفافية والاحترافية والالتزام.

ومع الأسف نحن أمام شخصية لم تستطع أن تتفهم مسئولية المنصب الذي تشغله، ويبدو أن أحلام الخلافة وإمارة المؤمنين التي تراود خياله لها تأثير على شخصيته.

كما استفاد أبناؤنا الأتراك أيضا من تواجدهم في العالم العربي من خلال احتكاكهم بالثقافة الإسلامية والعربية في منابعها الأصيلة، وتخرجوا من معاهدها العلمية العريقة، وتلامسوا مع الجذور في الثقافة العربية والإسلامية. لذلك لا يسعني إلا أن أقول: إن كل قافلة مهما كانت محملة من بضائع إلى البلد الذي تتوجه إليه، فإنها لا تعود من هناك فارغة الأيدي، لذا نرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وأن نعود بما ينفعنا.

نحن نعتبر إنشاء أي مؤسسة تربوية في أي بلد هي قيمة إضافية لذلك البلد، وملك له تخدم مجتمعه وتنمي من قدرات أبنائه، وليس لهذه المؤسسات من غاية أخرى سوى أن تكون مفيدة ونافعة لهذا البلد. ليم نتدخل مطلقا في أي شأن داخلي، وليست لدينا نوايا في هذا الصدد، نحن نؤمن بأن مشاكل الغد لا يمكن أن يحلها إلا أفراد يتحلون بروح العلم والمعرفة، ومن ثم فكل مؤسساتنا تدور في هذا الفلك.

ومنذ بدايات سنة 1990انتشرت سلاسل مؤسساتنا التربوية في مختلف أنحاء العالم، وخضعت جميع هذه المؤسسات والمتخرجين منها للرقابة الأمنية والاستخباراتية الوطنية في هذه البلدان لمدة تزيد عن 20 عاما منذ ذلك التاريخ، وقد حصلت هذه المؤسسات إلى يومنا هذا على عدد كبير من شهادات التقدير والتبجيل من الوزراء والمحافظين ورؤساء تلك الدول.. كما أنها تلقت دعوات بشأن إنشاء مؤسسات أخرى.. فالعالَم يعرفنا جيدا، ولديه القدرة على استشفاف نوايانا من خلال ثمرات هذه المؤسسات..

لذا أكرر القول: ليس لأبناء الخدمة الذين أسسوا هذه المؤسسات أي هدف سوى أن يضربوا في مجال التربية والتعليم بسهم، ينشئ مواطنين صالحين لأوطانهم، ونافعين لأمتهم وللإنسانية، قادرين على تأسيس روح المحبة والتعايش فيما بينهم، ساعين إلى العمل على رفعة بلادهم إلى مستوى يشار إليه بالبنان، سواء في العلوم والتكنولوجيا، أو في العلاقات الإنسانية.

تتمتع مصر بموقع مهم في العالم الإسلامي، كما يقع الأزهر الذي يُعتبر من حصون أهل السنة والجماعة في مصر.. ومن هذا المنطلق فما رأيكم في الدور الذي يقع على عاتق المؤسسات الدينية في بيان رسالة الإسلام السمحة وتبليغها إلى العالم؟

في هذا العصر الذي يتم فيه تشويه كل شيء وتحريفه عن مساره الصحيح، هناك حاجة ملحة إلى مؤسسات مثل الأزهر، كالحاجة إلى الخبز والماء.. فيا حبذا لو كان في كل منطقة مؤسسات مباركة مثل الأزهر الشريف، حتى يتأسى بها الناس في كل أمورهم ويحددوا بوصلتهم تبعا لها..

لقد كان لدى الأستاذ النورسي مقترح بتأسيس جامعة على غرار الأزهر الشريف في شرقي تركيا إبان الحقبة التي دُمّر فيها كل ما يتعلق بالإيمان وبثقافتنا. وقد اقترح أن يكون اسمها “الزهراء” استلهاما من الأزهر الشريف، حيث كان يراها شقيقة للأزهر. وقد خطط أن تكون اللغة العربية فيها بمثابة الفرض، والتركية بمنزلة الواجب والكردية جائزة. وكان رحمه الله يستهدف أن ترتفع جدران العلوم الدينية والكونية معا على هذا الأساس.. لكن معاصريه لم يتفهموه هو أيضا في تلك الفترة، لذلك لم يُكتب لهذه المؤسسة أن ترى النور. والواقع اليوم يؤكد أن كثيرا من المشكلات التي نواجهها، والتي تطرقتم لبعضها في هذا الحوار يرتبط حلها بوجود أمثال هذه المؤسسات.

فالأزهر اليوم يحتضن آلاف الطلبة القادمين من جغرافيات شاسعة كأعماق إفريقيا، وآسيا الوسطى والبلقان والشرق الأقصى.. وإن تنشئةَ طلبة متمسكين بالكتاب والسنة، ومحترِمين للجهود التي بذلها سلفنا الصالح، ومتضلعين بعلوم الأصول بشكل جيد، وملمين في الوقت نفسه بحاجات مجتمعاتهم، ومؤهلين لتقديم الخدمات الدينية إذا رجعوا إلى بلادهم… كل ذلك يحظى بقيمة تفوق كل تقدير.

وكما أعربتم في سؤالكم، فالمهمة التي تقع على عاتق المؤسسات الدينية هي نقل الدين بشكل صحيح إلى الجماهير، والتمثُّل الحقيقي للخط النبوي الذي امتد منذ القدم وسار عليه أهل السنة والجماعة. كما أنه من الأهمية بمكان أن تُنتِج هذه المؤسسات المعلومات التي نحتاج إليها في عصرنا، دون أن تكرر المعلومات السابقة، وألا تنحو صوب الترف الفكري.

أجل، إذا ألقينا نظرة عامة على العالم الإسلامي اليوم فسنرى احتراما عاما للدين ومظاهر مختلفة للتدين، وسنسمع أصوات القراء الذين يتلون القرآن تتردد في كل مكان، وسنشاهد في كل زاوية مساجد تحتضن مرتاديها، وتعج بمشاعرهم الجياشة. لكن هناك واقعا ينبغي ألا نغفله وهو أننا نعايش خمودا في الجانب الروحي. وعلينا أن نتجاوز بالدين حدود المظاهر إلى العمق، حتى نستطيع أن نجعله جزءا من حياتنا، علينا أن نكتشف آليات ووسائل تمكننا من نقل هذا الدين إلى جنبات العالم الذي نعيش فيه بشكل يغبطنا عليه الناظرون، لا يجب أن يظل الدين حبيسا في أروقة المساجد، لا بد من الاستمرار في البحث عن وسائل جديدة يمكن من خلالها أن يعيش الدين في كل مناحي الحياة.. كما ينبغي تنشئة علماء دين لهم إلمام بالعالم الرقمي أيضا بحيث يستطيعون أن يوصلوا أصواتهم إلى الملايين في هذا العالم.. وإذا كان الناس في عصرنا يعيشون حياتهم في محور الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية فعليكم أن تكتشفوا طرائق توصل إليهم قضاياكم عبر هذه القنوات.. فإذا لم تكونوا موجودين في خضم هذه البيئة التي تفيض فيها سيول المعلومات، فهذا يعني أنكم ستخسرون مستقبلكم أيضا.. فمنذ وقت بعيد لم نستطع أن نستفيد من هذه المجالات، ومن المعلوم أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، فإذ لم تملؤوها أنتم فسيأتي من يملؤها من غيركم..

فأمثال الأزهر الشريف من المؤسسات التي تتمتع بسمعة طيبة تستطيع أن تلعب في هذا المجال أيضا دورا رائدا، وأن تتبوأ مكانتها اللائقة بها بالفعل، فتجمع بين رجال الأعمال والعقول المفكرة لتصبح وسيلة إلى أعمال خيرية كبيرة من خلال نشر ديننا وقيمنا بلغة العصر. إن هناك كثيرا من الأعمال في انتظار من يبادر لها، ولكي يتم قطع مسافة في هذا الطريق لا بد من إطلاق إشارة البدء والاعتماد على الله في كل حال.

مؤخرا نشر منسوبا لكم رسالة وفاء² لفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي البلاد السابق إثر تعرضه لمحاولة اغتيال أثناء توجهه لأداء صلاة الجمعة فما مدى علاقتكم بفضيلته؟ وهل لكم علاقة بشخصيات عربية أخرى؟

فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي مصر السابق عالم كبير له وزنه بين علماء الأمة الإسلامية

تعرف عليه إخواننا، وتشرفنا بدعوته إلى تركيا في المؤتمرات التي كانت تعقدها مجلة حراء الناطقة بالعربية بالتعاون مع شقيقتها مجلة ” يني أوميت” التركية، وقد كان حضوره العلمي والرسمي مثريا لهذه المؤتمرات، لما يتمتع به من سعة أفق واطلاع، وإلمام بما يجري في العالم من أحداث، وقدرته على قراءتها بشكل صحيح وتنزيل النصوص الدينية على الواقع بما يلائم العصر، هذا فضلا عن نبل أخلاقه وشهامته التي تليق بأمثاله من العلماء. فقد اعتبر المدارس التي فتحت في مصر قيمة مضافة في مجال التربية والتعليم في مصر، ودعا إلى الإكثار منها، ومن ثم أشاد بها دائما ووقف إلى جانبها في كل أزمة. وحسب علمي فهو رئيس مجلس أمناء هذه المدارس منذ تأسيسها في مصر.

لذلك فإنني أعتبره – إن قبل- أخا وفيا وصديقا عزيزا. وعندما تلقيت نبأ محاولة اغتياله الغادرة أثناء خروجه لأداء صلاة الجمعة أعربت عن استيائي منها وإدانتي لها فورا، كما أعربت أيضا عن كل محاولات الاغتيال المعنوي التي يتعرض لها، علما بأن كل استهداف لأمثال فضيلته من أهل العلم والحكمة والرشد إنما هو استهداف للإسلام ذاته، وطعن للأمة الإسلامية في قلبها، لذلك أدعو الله من صميم قلبي أن يحفظه من كل مكروه وسوء، وأن ينعم عليه بموفور الصحة وتمام العافية.

أما عن العلاقة مع الشخصيات العربية فقد حملت مجلة حراء على عاتقها استكتاب أقطاب الفكر والأدب ورواد الإصلاح الروحي في العالم العربي بغية تشكيل رؤية حكيمة معتدلة تربط الإنسان بخالقه، وتعزز الشعور لديه بقيمة الانتماء إلى هذه الأمة، وتعيد تشكيل صرح روحه على سَنن الرعيل الأول من الصحابة والتابعين، فكانت حراء بذلك وسيلة مهمة في التعرف على مجموعة كبيرة من علماء هذه الأمة المخلصين العاملين، الذين هم تاج رؤوسنا، قرأنا إبداعاتهم الفكرية، وقرأوا ما كتبه العبد الفقير، وتبادلنا رسائل الود والإخاء، وأثروا ندواتنا ومؤتمراتنا وفعاليتنا بحضورهم القوي، ونهل أبناؤنا من معين علمهم. ولو كان المقام يتسع لذكر أسمائهم لذكرتهم واحدا واحدا وأثنيت على كل واحد منهم بما هو أهله، فلهم مني جميعا كل محبة وإعزاز وتقدير.

إن مصر وتركيا يمثلان عنصر توازن في المنطقة، وإن الروابط المشتركة التي تشكلت عبر القرون كفيلة بإعادة العلاقات إلى سابق عهدها.

ما أسباب اختيار الولايات المتحدة مقرا للإقامة فيها؟

لقد قدمت إلى الولايات المتحدة في عام 1999 بسبب ظروف صحية ألـمّت بي، فقد كنت أعاني من مشاكل في القلب، فضلا عن أمراض الضغط والسكر والكوليسترول. وبعد إجراء فحوص دورية في تركيا، قرر الأطباء أنني في حاجة إلى عملية جراحية في القلب، فألح عليّ بعض الأصدقاء بالقدوم إلى هنا لإجراء العملية ومتابعة الفحوص الطبية، ثم قاموا بالحجز لي في مستشفى “مايو كلينيك” الشهير في هذا النوع من الفحوصات. وبالفعل قرر الأطباء هنا إجراء نفس العملية الجراحية، فطلبتُ منهم مهلة للتفكير، ثم بدأوا في إجراء الفحوصات اللازمة لحين اتخاذي القرار.

وفي غضون ذلك بدأت حملة منظمة ضدي في وسائل الإعلام التركية الحكومية والخاصة، حيث اقتطعوا مقاطع مسجلة من بعض دروسي، وصوروني ساعتها على أني أسعى لتقويض النظام العلماني في البلاد. وهو بالمناسبة نفس ما يردده أردوغان وحلفاؤه في تركيا اليوم.

وبدأت هذه الحملة تتضخم يوما بعد يوم إلى أن وصلت إلى أروقة المحاكم، ومع تفاقم هذه الحملة وبالنظر إلى وضعي الصحي الذي شرحتُه لكم نصحني الأطباء والإخوة المرافقون بتجنب العودة إلى البلاد في ظل هذه الأوضاع، إلى أن تهدأ الأمور وحتى لا تزداد حالتي الصحية سوءا. فرأيتها فرصة مناسبة لاستكمال الرعاية الصحية التي كنت قد بدأتها، كما فكرت أن ابتعادي فترة ما عن البلاد في ظل هذه الأوضاع قد يكون عاملا من عوامل تخفيف حدة التوتر وعودة الهدوء. ومن جهة أخرى فقد كانت هناك جهات متحفزة في البلاد للتضحية بكل المكاسب الديمقراطية التي أحرزها الشعب خلال السنوات الماضية، وكانوا يخططون لاستغلال عودتي من الخارج لتنفيذ مخططاتهم تلك، لذلك كله اتخذت قرارا بتأجيل العودة رغم ما كنت أشعر به من حنين جارف للوطن.

ومنذ ذلك الحين وأنا أقبع هنا منزويا في منفاي الاختياري في هذه القرية الصغيرة في ولاية بنسلفانيا لا أغادرها إلا لضرورات العلاج أو إجراء بعض الفحوصات والتحاليل، ومرة أو مرتين ذهبت للإدلاء بإفادتي في التهم التي وجهتها لي المحاكم التركية أمام النائب العام الأمريكي في ولاية نيوجيرسي.

وأصدقكم القول، لقد راودتني أفكار العودة إلى الوطن مرات عديدة، وكادت هذه العواطف تغلبني نوعا ما، لكن الأوضاع في تركيا وازدياد حدة التوتر والانقسام المجتمعي، وبث روح الكراهية بين أفراد الشعب الواحد، كلها كانت عوامل تدمر حالة التوازن والانتظام التي ينبغي أن يكون عليها البلد، والتي من المستحيل أن يؤسس عليها نظام اجتماعي وديمقراطي راسخ. كما كنت أخشى أيضا أن تستغل عودتي في ظل هذا الوضع في إحداث نوع من العمليات الاستفزازية.

لقد تلقيت دعوات متعددة للعودة إلى البلاد من المسئولين على مختلف مستوياتهم، ولا سيما بعد مصادقة المحكمة العليا في البلاد على براءتي من كل التهم المنسوبة إلي، وذلك في العام 2008 بعدما استمرت زهاء الثماني سنوات في أروقة المحاكم، لدرجة أنهم أرسلوا طلبا إلى النيابة العامة هنا في أمريكا للإدلاء بإفادتي أمامها.

وكانت آخر هذه الدعوات من أردوغان شخصيا عندما كان يلقي كلمة في حفل بإسطنبول بأحد أكبر ملاعبها لأحد الأولمبياد العالمية للغات والثقافات التي كانت تنظمها حركة الخدمة، ويشهده أكثر من مائة ألف مواطن تركي. وقد تبين لاحقا أنها كانت مناورة سياسية هدفها إحراجي للعودة إلى تركيا ومن ثم محاكمتي في محاكمهم الخاصة التي كانوا يشكلونها. وهو ما أفصح عنه قبل مدة نائب برلماني حاليا ومستشار سابق لأردوغان في أحد أعمدته التي يكتبها، لقد صرح قائلا: ” الذين اطلعوا على الحملة التي قادها أردوغان ضد الخدمة منذ العام ٢٠١٠ يعلمون جيدا أن هذه الدعوة لم تكن تحمل أدنى ذرة من ودّ أو محبة، وإنما استهدفت إحراج فتح الله كولن، وكذلك زادت من تأجيج نار النزاع، ويعلمون أنها كانت مناورة من “عبقري سياسي” فريد”.

لقد كانت لديّ خيارات متعددة للإقامة فيها بجانب أمريكا، بعضها في البلاد العربية وأخرى في أمريكا اللاتينية، وبعض البلاد في روسيا وآسيا الوسطى، لكن العوامل الصحية والإجراءات العلاجية التي كنت قد بدأتها جعلت هذه الخيارات تتراجع. كما لفت نظري هنا شيء مهم جدا، وهو طبيعة النظام القضائي في الولايات المتحدة؛ فقد كنت أحصل على الإقامة هنا بموجب ظروفي الصحية، وفي أحد هذه المرات التي كنت أجدد فيها الإقامة تم رفض هذا الطلب، فرفعتُ دعوى قضائية في أحد المحاكم أتظلم فيها من هذا الرفض، وفي نهاية المطاف حكموا لي بحقي في تمديد الإقامة.

لذا وبعد اطلاعي على المنظومة القضائية العادلة واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون التي لا تتبدل بتبدل الحكومات والأشخاص، فضلا عن مستوى الرعاية الصحية المتطور في البلاد وجدت أنه من المناسب البقاء هنا.

إنني الآن في السابعة والسبعين من العمر، ليس لي أي هدف في هذه الحياة الدنيا سوى العمل على مرضاة ربي والاستعداد إلى لقائه، أعاني من أمراض الشيخوخة، فضلا عن الأمراض التي ذكرتها، لذلك يلازمني بعض الأطباء من أصدقائي، ولديّ هنا عدد من الطلاب الذين يواصلون الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه في الجامعات الأمريكية، نتجمع كل يوم ثلاث ساعات صباحا أو مساء على حسب الظروف، نتدارس معا كتب التفسير وأصول الفقه والحديث، وغيرها من كتب العلم. لذلك فإن انتقالي إلى بلد آخر يعني اضطرار عدد كبير من هؤلاء المحبين إلى تغيير أماكنهم، وتلك مشقة لا أريد أن أكون سببا فيها.

إن وطني حاضر على الدوام في خاطري، ولم يغب يوما واحدا عنه، لقد طلبتُ من بعض أصدقائي المقربين أن يحملوا لي بعضا من تراب الوطن إلى هنا، فجمعوا لي ترابا من أكثر من مائة منطقة في تركيا، وعبئوها في زجاجات -بوسعكم أن تروها لو أردتم-. وكلما هاج في صدري الحنين إلى الوطن قرّبت هذه الزجاجات من أنفي وبدأت أشمها لأتسلى بها. أنا ابن قرية صغيرة في محافظة أرضروم شرقي الأناضول تدعى كوروجك، فلو قايضوني على قريتي الصغيرة هذه التي تحيط بها الجبال من كل جانب بالولايات المتحدة كلها ما قبلتُ ذلك. هذه هي مشاعري وتلك هي أفكاري.

إذا قدر الله لتركيا أن يزول عنها الطغيان يوما، فلن يكون ساعتها أحب إلى قلبي أكثر من العودة إلى موطني، أعود إليها عودة مواطن بسيط، بعيد عن الصخب والضوضاء، أو أيّ لون من ألوان الظهور والرياء.

 

* تم نشر هذا الحوار بتاريخ 8 أكتوبر 2016 من مجلة الأهرام العربي، العدد: 1016. وقد أجرى الحوار مع الأستاذ كولن، الإعلامية القديرة السيدة أسماء الحسيني.

١. يشير إلى حزب الحركة القومية. (المحرر)

٢. انظر: بيان الأستاذ فتح الله كولن بعد محاولة اغتيال الشيخ علي جمعة، ص:316 من هذا الكتاب.