الملخص

تهدف حركة الخدمة إلى الربط بين الفكر الإسلامي ومتطلبات المجتمع المعاصر. كما أن رجال الأعمال والطلبة وإن كانوا يشكلون جوهر الحركة، فإن جمهورها أوسع وأرحب بسبب رؤية الحركة المتطورة للهوية التركية التي ترضي شعور الانتماء، وتتجنب الخصوصية القومية الضيقة، وتتخذ موقفًا بالغ القوة من الإرهاب. ومع هذا الانتشار والقبول فقد ازداد نقاد الحركة ومعارضوها من العلمانيين والإسلاميين على حد سواء. فعلى حين يراها البعض تهديدًا إسلاميًّا للأمن الإسرائيلي والمصالح الأمريكية، يرى آخرون في نهجها الساعي لدمج العلم والدين بمثابة صراع جديد بين العلمانية والدين، حتى وصل اعتقاد بعضهم أنها خلاصة مؤامرة عالمية بين الدين الإسلامي والفاتيكان. وللرد على كل هذه الانتقادات والافتراءات الناجمة عن الخلاف الأيديولوجي أو الجهل بأهداف الحركة جاءت هذه الدراسة، الساعية في ذات الوقت لإبراز الجاذبية التي تتمتع بها الحركة لدى مختلف أنصارها، وصفات الجيل الذهبي، ومحاربتها للشرور الثلاث الجهل والفقر والفرقة، وظهروها على الساحة العالمية كنموذج للإسلام الوسطي، والدور الذي يقوم به فتح الله كولن من حيث القدرة والتأثير الإيجابي في نفوس أتباعه.

كارين ومايكل فونتين

المقال

تُعد حركة الخدمة، والتي ترتبط في الغالب باسم المُفكر الإسلامي التركي الأستاذ محمد فتح الله كولن، من أكثر الحركات الإصلاحية الإسلامية نشاطًا على مستوى العالم.

وباستحضارها نموذج بديع الزمان سعيد النورسي (1874 – 1960)، أحد المصلحين المسلمين السابقين، وتعميمها وتطويرها من خلال أنشطة الأستاذ كولن نفسه، فإنها تهدف إلى الربط بين الفكر الإسلامي ومتطلبات المجتمع المعاصر، وتُقدِّم – برعايتها عمليةَ تحديثٍ يُحفِّزها الدين – صيغةً متجددةً من التصوف الذي يقترن في الوقت نفسه بالعرف الإسلامي التقليدي وبالأساليب العلمية والتقنية والصناعية التي ارتقت بصورةٍ واضحةٍ بالمستوى المادي للمجتمعات الغربية.

 وفي حين يُشكِّل رجال الأعمال والطلبة جوهر حركته، فإن الأستاذ كولن يجتذب كذلك جمهورًا أرحب من ذلك بكثيرٍ داخل البلاد، ويُكرِّس لرؤيةٍ متطورةٍ بشكلٍ متفردٍ للهوية التركية، زاعمًا أنها قد صيغت في عصور ما قبل الأناضول ثم شُكِّلت وحُددت معالمها على يد العثمانيين في صورةِ حضارةٍ عالميةٍ استثنائيةٍ متعددة القوميات والثقافات.

وقد لاقت هذه الرؤية – التي تُرضي شعور الانتماء في الوقت الذي تتجنب فيه الخصوصية القومية الضيقة – قبول كثرةٍ من الأتراك. زد على ذلك اتخاذها موقفًا بالغ القوة ضد اللجوء إلى الإرهاب، ما حدا بالمواطنين المعتدلين غير المتعاطفين مع التطرف الإسلامي والجمهورياتية العلمانية إلى اعتبار مواقفه مواقف أخَّاذةً إلى حدٍّ بعيد.

وتعتبر حركة الخدمة من الحركات التي لاقت اهتمام جُملة من المؤيدين من غير المسلمين. ورغم صعوبة تقدير عدد الأشخاص المحبين للحركة، إلا أن معظم مؤيديها ينشطون في الولايات المتحدة وكندا وأوربا وأستراليا وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

إلا أنه، ومع انتشار الحركة بشكلٍ أكبر وازدياد تأثيرها، فقد بات نُقَّادها أكثر صخبًا، سواءً داخل تركيا أو في الخارج. فهي دائمًا ما تواجه معارضةً داخليةً من العلمانيين والإسلاميين المتمسكين بظاهر النصوص، بيد أن تأثيرها المتنامي خارج البلاد وداخلها قد تسبب في خضوعها لمزيدٍ من التتبع وتعرضها للانتقاد المتزايد على يد مجموعةٍ من الغرماء الجدد؛ فهناك من يرى أنها تُشكِّل تهديدًا طورانيًّا(1) إسلاميًّا شاملًا للأمن الإسرائيلي والمصالح الأمريكية، فيما يرى آخرون نهجها الراقي لدمج العلم والدين بمثابة بزوغ فجرٍ جديدٍ للصراع بين العلمانية والدينية، وهو ما يتهدد المنظومة القيمية الغربية. ومع ذلك تنظر لها فئةٌ ثالثةٌ باعتبارها حركة عضوية تسعى إلى نسج علاقات مع المجتمع من أجل التعتيم على إرث القمع العثماني وإعادة إحيائه. وقد سبق استهدافها كحركة إبان فضيحة إيرجينيكون، وهي مؤامرةٌ مزعومةٌ همَّت بها “الدولة العميقة” في تركيا للتغلب على مناوئي العلمانية.

تهدف الخدمة إلى الربط بين الفكر الإسلامي ومتطلبات المجتمع المعاصر، وتُقدِّم صيغةً متجددةً من التصوف المقترن بالعرف الإسلامي التقليدي وبالأساليب العلمية والتقنية والصناعية التي ارتقت بالمستوى المادي للمجتمعات الغربية.

وفي الولايات المتحدة، يتمركز النقد الموجَّه ضد الحركة إلى حدٍّ كبيرٍ في أوساط الجناح السياسي للمحافظين الجدد والمنظمات الأرمينية وبعض المجموعات الداعمة لإسرائيل وبضع جماعاتٍ أصوليةٍ مسيحية، حتى إن أحد منتقديها المنزعجين بصورةٍ استثنائيةٍ قد ارتأى في الحركة خُلاصةَ مؤامرةٍ عالميةٍ بين الدين الإسلامي والفاتيكان وزمرةٍ من يسوعيي(2) جامعة جورج تاون ومنظمة “أوبوس داي(3)” الكاثوليكية المحافظة.

 ونحن نعتقد أن هذه الانتقادات بلا أساس، وأنها إما ناجمةٌ عن الخلاف الأيديولوجي أو عن الجهل بأهداف الحركة.

وغايتنا في هذه المقالة أن ندرس الجاذبية التي تتمتع بها لدى مختلف أنصارها. من خلال النظر إلى مسألتين مترابطتين: 1- القوى العامة التي شكلت حركة الخدمة وما زالت تؤثر في معطياتها.

2- استمالة الحركة لأتباعها الأتراك وداعميها من غير المسلمين.

علمًا بأنه لا يُمكن فصل المسألتين بسهولةٍ بعضهما عن بعض؛ إذ تسيران على خط واحد بطبيعتيهما، وبذا تساعدان في تفسير التأثير الملحوظ لحركة الخدمة داخل بلد نشأتها وخارجه على حدٍّ سواء.

إن الظروف التي أفضت إلى نشوء حركة الخدمة وتحديد معالمها والتضييق عليها في الآن نفسه قد تشكلت إبان سقوط الإمبراطورية العثمانية وخلال الكفاح المبكر للجمهورية التركية الوليدة؛ لتأتي خصائصها المتفردة – في نواحٍ عدةٍ – كرد فعلٍ لهذا السياق التاريخي الدقيق. كما عمل التفكك التدريجي لسلطة السلطان العثماني وإدارته وجيوشه وولاياته على إضعاف المقاومة التقليدية لعملية التحديث ذات الطابع التغريبي.

 ولعل سبب إقدام النظام “الأتاتوركي” على إعادة تشكيل البلاد أن تفسره الحاجة الملحة لمقاومة تفككها المستمر؛ إذ باتت التقاليد – بما في ذلك طريقتها في التعبير الديني – مرادفًا لحالة الضعف والتعثر، بينما داعبت عملية التحديث السريع آمال بقاء الدولة على خارطة المستقبل.

وليس ثمة شك أن إلغاء الدولة العلمانية للخلافة واستبعاد الدين الإسلامي من حيز الحُكم وإغلاق الزوايا الصوفية واعتماد النظام العلماني (وهو نسخةٌ عنيفةٌ من فصل الدين عن الدولة تضمنَّت حظر الرموز الدينية في المدارس وغيرها من المواقع الرسمية) قد حدَّت من المقاومة لعملية الإصلاح. لكنْ كما أظهرت الحركة الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة وحركة إحياء الأرثوذكسية الروسية في الاتحاد السوفيتي السابق، فإن العلمانية المتشددة قد تؤدي إلى الشعور بالحرمان الروحاني، وبمرور الوقت إلى حنين المجتمع للتوجهات الروحية، وهو ما حدث في تركيا بكل تأكيد، وكان من شأنه أن مهد الطريق لظهور تجارب من قبيل حركة الخدمة.

 وكذلك كان للسياسات القمعية للدولة الأتاتوركية تأثيرها على الموقف الأيديولوجي للحركة، مما اضطرها إلى تبني موقفٍ سياسيٍّ لا يقوم على التصادم. وقد اجتذب هذا الموقف “الإحجامي” كثرةً من المؤيدين، في حين واصلت الحركة توخي حذرها السياسي.

 إلا أنه كانت هناك سُبُلٌ أخرى ساهم النظام العلماني التركي من خلالها في نمو حركة الخدمة؛ فقد حسَّنت إصلاحات أتاتورك من حالة التعليم بدرجةٍ كبيرةٍ في تركيا الحديثة، علمًا بأن المستوى التعليمي الرفيع لأنصار الأستاذ كولن إنما هو أحد خصائصهم البارزة؛ فهم يميلون إلى أن يكونوا على قدرٍ جيدٍ من التعليم والخلُق والازدهار النسبي، وغالبًا ما يكونون من المهنيين أو رجال الأعمال الذين انجذبوا إلى الحركة ابتداءً إبان سنوات دراستهم الجامعية، وعادةً ما جاء تلقيهم التعليمَ على يد الدولة العلمانية التركية.

ومن وجهة نظرٍ تاريخية، يَدين المناخ الاقتصادي القوي لتركيا الحديثة في جزءٍ كبيرٍ منه للجمهورية التركية؛ فقد برزت الطبقة الوسطى وازدهرت من خلال هذا السياق القائم على إدارة الدولة لشؤون الاقتصاد. وقد أصبح الدعم الوطيد الذي يقدمه رجال الأعمال للحركة سمةً بارزةً لها، وإن كانت اشتراكية الدولة في الوقت نفسه قد فرضت قيودًا ومارست انتهاكاتٍ كان من شأنها تهميش كثيرٍ من الأتراك الذين يطمحون إلى معايير أخلاقيةٍ أكثر سموًّا وإلى مزيدٍ من حرية التحرك ونسبةٍ أقل من التضييق الاقتصادي. وفي العموم، يُنسب إلى أتاتورك ترسيخ الشعور القوي بالقومية التركية، وهو ما تلقفته حركة الخدمة جنبًا إلى جنب الإرث الطوراني لحزب تركيا الفتاة (الأتراك الشباب)، وإلى جنب الحنين إلى عظمة الماضي. وقد كان لرؤية الأستاذ كولن للإمبراطورية العثمانية باعتبارها ملاذًا – تتزعمه تركيا – للتسامح والتعاون بين مختلف الجماعات الدينية والعرقية صداها القوي بين أعضاء الحركة.

تواجه الخدمة معارضةً داخليةً من العلمانيين والإسلاميين المتمسكين بظاهر النصوص، وتسبب تأثيرها المتنامي خارج البلاد وداخلها في خضوعها لمزيدٍ من التتبع وتعرضها للانتقاد المتزايد على يد مجموعةٍ من الغرماء الجدد.

تلك إذن هي الظروف التي نشأت الحركة في سياقها. وبإيجاز، فإنها تتلخص في الحاجة الملحة إلى التحديث، والرغبة العارمة في حياةٍ روحيةٍ أكثر خصوبة، والوعي المكتسب – بعد جهودٍ مضنيةٍ – بمخاطر المجابهة السياسية للدولة العلمانية، وازدياد الرفاهية – رغم تعرقل مسيرتها بشكلٍ لا داعي له، وارتفاع المستوى التعليمي، والحماسة القومية – سواءً التركية الأناضولية أو الطورانية، وإضفاء الكمال المثالي على الحقبة العثمانية باعتبارها حقبة تعدد القوميات والتسامح والتفاهم بين الثقافات، والقناعة الراسخة التي غذَّاها كلٌّ من الماضي الفعلي والمـُتخيَّل بأن الأتراك قد وُجدوا ليتزعموا العالم.

 ورغم أن هذه الظروف لم تُحدد ماهية حركة الخدمة ولا شكلها ولا مساراتها (إذ تكفلت عوامل أخرى بذلك)، لكنها شكَّلت الإطار الذي تخلَّقت الحركة بداخله.

 وكان الأستاذ فتح الله كولن – الذي أبان عن طبيعةٍ مُلهِمةٍ غراء – قد صاغ هذه السمات الخاصة في صورة حركةٍ لها مكانتها العابرة للأوطان والثقافات. وثمة عددٌ من العوامل التي تفسر اجتذاب حركته لكلٍّ من الأتراك وغير الأتراك، مثل: الحنين الجارف للحياة الروحية الذي أشبعته “الصوفية الجديدة” التي طرحها الأستاذ كولن، والرؤية التربوية التي تسعى إلى التوفيق بين العلم والدين، وأسلوب حركة الخدمة الذاتي المباشر في مد يد العون الذي يُشبع مشاعر الإيثار، ونهوضها – على نحوٍ ناجحٍ – بتقديم صيغةٍ معتدلةٍ سمْحةٍ من الإسلام تهتم فعليًّا بالحوار بين الأديان، وسمات الأستاذ كولن القيادية من حيث قدرته على تغيير أنصاره نحو الأفضل، وتفاني أتباع الحركة وحماسهم وصفاء نواياهم الظاهر، وأخيرًا الجاذبية التي تتمتع بها هذه الحركة الديناميكية وما لها من قدرةٍ فعليةٍ على إحداث تأثيراتٍ إيجابيةٍ على الصعيد الدولي.

إن كل إنسانٍ قد يشعر بالتوق إلى الحياة الروحية وبالحاجة إلى البحث عن المعنى؛ وبالنسبة لكثيرٍ من الأشخاص، تلبي حركة الخدمة – التي تُجسِّد بشكلٍ بارزٍ تشكيلةً أخاذةً من عناصر التصوف – هذه الاحتياجات؛ إذ تُخامر الصيغة الصوفية الديناميكية الخلاقة التي يطرحها الأستاذ كولن القلبَ والعقل؛ ذلك أن أعمق جذورها تنغرس انغراسًا في تربة جميع الديانات الإبراهيمية وتَلقى قبولًا شديدًا لدى كثرةٍ من المسيحيين واليهود.

كما إن الأستاذ كولن يُمهد سبيلًا لتبَنِّي الحداثة دون التضحية بالروحانية، حيث يُمكن لتلامذته دراسة العلوم وتلبية اهتماماتهم الدينية في الآن نفسه. وبصورةٍ مميِّزة، فإنه يرتقي بهذه النقطة إلى مستوىً أعلى من خلال تقديمه رؤيةً تتمحور حول “جيلٍ ذهبيٍّ”، أي جماعةٍ على قدرٍ من التعليم الخلُقي والعلمي بوسعها مزج التقدم التكنولوجي بالرؤى الدينية العميقة. وحالَ استحضارهم للحقائق التي تتضمنها التقاليد الصوفية، فإنه يؤمن أنهم سيتمتعون بالقوة والحكمة اللازمتين لتحويل العلم إلى أداةٍ مأمونةٍ لخدمة البشرية.

إن الرغبة الملحة في القيام بأفعالٍ إيثاريةٍ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحاجة إلى الحياة الروحية. هذه الرغبة التي تُستشعَر عميقًا داخل النفس هي ما تلعب عليه حركة الخدمة لإحداث فارقٍ في العالم وفي حياة الشعوب؛ فقد تعاملت بجديةٍ مع ما أكده الأستاذان النورسي وكولن من أن أعظم ثلاثة شرورٍ تتخلل العالم هي الجهل والفقر والفُرقة، ثم أخذت على عاتقها مواجهة هذه الشرور مواجهةً مباشرة. وقد حاز انخراط الحركة في الجهود الخيرية وإنشاء المدارس والحوار بين الأديان انخراطًا ضخمًا وفعالًا على إعجاب عددٍ وافرٍ من المسلمين ومن غير المسلمين ودعمهم المتقد.

وبفضل أنشطتها الإيثارية، اكتسبت الحركة – إلى حدٍّ كبيرٍ – سمعةً متأصلةً كنموذجٍ للإسلام الوسطي، وهو ما اجتذب اهتمام كثرةٍ من غير المسلمين الذين طالما أرادوا معرفة المزيد عن دين الإسلام، غير أنهم تعرضوا للصد على يد معتنقيه من الأجنحة الراديكالية والمتمسكة بظاهر النصوص.

وفي أغلب الأحيان، ينصرف هذا الجمهور وهو يشعر بالإعجاب الشديد بالسمات الشخصية لأعضاء الحركة الذين يمتازون – إجمالًا – بالحماسة والعمل الجاد والتحفز والتشبع بالنوايا الطيبة، ويعيشون حياةً هادفةً، ويعملون دون انتظار مكافآتٍ مادية، وما يستشعرونه من القلق حيالَ جودة ما يقومون به أكبر من قلقهم حيالَ ما إذا كانوا سينالون لأجله التقدير.

وأهم من ذلك كله ميلهم إلى استيعاب واحدةٍ من أهم أفكار الأستاذ كولن، وهي أن بوسع كل شخصٍ أن يؤثر في العالم بصورةٍ إيجابية من خلال أنشطته اليومية في حياته المعيشية.

ولعل أكثر العوامل أهميةً في نجاح حركة الخدمة هو الأستاذ فتح الله كولن نفسه، فقد قام بدور الزعيم الكلاسيكي القادر على إحداث تغييراتٍ إيجابيةٍ في أتباعه من خلال الارتقاء بهم واستنهاضهم، مُشكِّلًا رؤية الحركة، ومُعرِّفًا قيمها، ومرشدًا لها على طريق التغيرات البناءة، حتى حوَّلها من حركةٍ إسلاميةٍ صرفةٍ إلى حركةٍ عالميةٍ لها القدرة على أن تمارس تأثيرًا إيجابيًّا على الصعيد الدولي.

نشأت الحركة في سياق الحاجة الملحة إلى التحديث، والرغبة في حياةٍ روحيةٍ أكثر خصوبة، والوعي بمخاطر المجابهة السياسية للدولة العلمانية.

وختامًا نقول إن اتحاد الأضداد المُتضمَّن في حركة الخدمة يلعب دورًا كبيرًا في جاذبيتها الفكرية، فقد نشأت بوصفها حركة إصلاحٍ إسلاميٍّ – ولا تزال – على عددٍ من المستويات، بيد أنها تمر – كذلك – بعملية اجتيازٍ لهذه الاعتبارات، فهي حركةٌ قوميةٌ – أناضولية وطورانية على حدٍّ سواء، وحركةٌ ذات طابعٍ بين ثقافيٍّ ودوليٍّ متزايدٍ في الآن نفسه. وهي تهدف إلى التوفيق بين العلم والدين، وهو هدفٌ معروفٌ باستعصائه.

ومن جانبنا، فإننا نعتقد أن هذه الأضداد الداخلة في تكوين الحركة تساعد على تفسير ديناميكيتها وحيويتها الاستثنائيتين. وبالنظر إلى مدى نشاطها، وكفاءتها في تحقيق التواصل، ونجاحها في تطوير مواردها وتنظيمها، يصبح من العسير أن نتنبأ بحدودها الطبيعية.

وبشكلٍ صريح، فإن حركة الخدمة التابعة للأستاذ فتح الله كولن تستحق الاهتمام، كما أن كثيرًا من المسلمين ومن غير المسلمين يعتقدون أنه من المستحسن الانضمام إليها. _____________________________________

 (1) الطورانية: حركة سياسية قومية ظهرت بين الأتراك العثمانيين أواخر القرن التاسع عشر، هدفت إلى توحيد أبناء العرق التركي الذين ينتمون إلى لغة واحدة وثقافة واحدة. واللفظ مأخوذ من «طوران»، إقليم يكتنفه الغموض في وسط آسيا، وهو عندهم مهد الشعوب التركية التي انتقلت غربًا في مرحلة تاريخية معينة واستقرت في إقليم الأناضول. (الموسوعة العربية على الإنترنت)

(2) اليسوعيون (الجزويت): أو الرهبنة اليسوعية، هي واحدة من أهم الرهبانيات الفاعلة في الكنيسة الكاثوليكية، ومن أكبرها. تأسست على يد القديس إغناطيوس دي لويولا في القرن السادس عشر أيام البابا بولس الثالث في إسبانيا، وأخذت على عاتقها مهمة التبشير ونشر الديانة في العالم الجديد. (ويكيبيديا)

(3) أوبوس داي: المعروفة رسميا باسم الحبرية للصليب المقدس وأوبوس داي، هي منظمة للكنيسة الكاثوليكية تُعلم أن الجميع مدعو للقداسة في الحياة العادية… وأوبوس داي هو اللاتينية لمنظمة “عمل الله”، وبالتالي كثيرًا ما يشير إليها الأعضاء والأنصار بأنها “العمل”. (ويكيبيديا)

 

الكاتبان: كارين ومايكل فونتين