إنَّ عالم المسلم اليوم عالم منهك القوى، مشلول الفهم، أعرج الروح، هَشُّ البناء، مهزوز الاعتقاد، يقطنه مسلمون متعبون، منهكون حائرون ووجلون، فهم في أمسّ الحاجة إلى عقليات جديدة فتية لتخرجهم مما يعانون وتستنهضهم للقيام بواجبهم الديني والأخلاقي.

والأستاذ فتْح الله كُولَن مفكر مجدّد، ومصلح اجتماعي مجتهد، وداعية حوار مع الثقافات والأديان، ومثقف وعالم واسع الأفق، رحب الرؤية، ثاقب النظر، راجح العقل، شديد الوعي بما يحفل به الواقع من تحدّيات وصعوبات، ومعوقات يتطلب تجاوزُها قدرًا كبيرًا من الحكمة البالغة، ومن الأناة والحلم، و الترفّع عن صغائر الأمور، والتركيز على عظائمها التي تنفع الناس وتمكث في الأرض .

لم يكن ” كولن” في يوم من الأيام صاحب فكر مجرد، ورؤى حافية لا أرجل لها تمشي وتشق طريقها بين الناس، بل هو صاحب رؤىً كثيرًا ما تتجسَّمُ في نماذج بشرية عالية الثقافة.

ولم يكن الأستاذ ” كولن” في يوم من الأيام صاحب فكر مجرد، ورؤى حافية لا أرجل لها تمشي وتشق طريقها بين الناس، بل هو صاحب رؤىً كثيرًا ما تتجسَّمُ في نماذج بشرية عالية الثقافة، ورفيعة الفهم والإدراك، تستلهم من رؤاه، وتنحت من أفكاره أمثلة منظورة محسوسة، وقائمة بين الناس في أسواقهم ومحالهم ومكاتبهم ومدارسهم، وجامعاتهم، وفي كل مكان يدرج فيه الناس، وتتحرّك بهم المعايش والأرزاق.

ويعتبر “كولن “-بإجماع الدارسين- رجل التجديد والتحديث الديني على كافة المستويات في هذا العصر.

وقد خَرَّج “كولن “من مدرسته الدعوية رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال نشروا الإسلام عقيدة وشريعة، وحملوا لواء الدعوة الإسلامية.

فلم نسمع من قبله عن أناس؛ وهبوا أنفسهم وأموالهم منذ أربعين عاما لله، ينكرون ذواتهم، ولا يعترفون بذلك… أناس اتخذوا العمل منهاجًا لخدمة الإنسانية.

رجال في سن الشباب آثروا البذل والعطاء واستلهموا من السيرة النبوية كيفية تغيير الواقع المزري من خلال التربية والبناء والتعليم، بعيدًا عن السياسة ورفع الشعارات الإسلامية، والتغني بالصور الخارجية والمظاهر دونما النظر لحجم الإنتاج العملي.

وعلى الرغم من إيمان هؤلاء بأن المبادئ الإسلامية ثابتة لا تتغير كما أنزلت في القرآن، فإنهم على قناعة أنها لا بد أن تتكيف مع ظروف كل عصر، وأن يتم تفسيرها من جديد لملاءمة ذلك العصر، كما يرون أن توافر العلوم الحديثة هو السبيل لفهم الذات الإلهية بالعقل عن طريق البحث في المخلوقات، ويقولون إن المجتمع لا يمكن أن يتغير إلا إذا تغير الفرد، والسبيل إلى ذلك هو العلم.

هؤلاء -عزيزي القارئ- هم رجال الخدمة الذين حملوا راية الحق وأوذوا، كان همهم أن يقولوا للناس قولوا لا إله الله تفلحوا.. فعاشوا في الألم والمحن والمعاناة..

فأن يترك الفتى حياة الراحة والدعة وبريق المدينة الجذاب، ثم يضرب في الأرض ليغوص في غربة بعيدة، يحمل في يده قنديلًا من نور؛ بحثًا عن المستضعفين في بقاع الأرض، من أجل إطعامهم جرعة من رحيق الحياة، فيتحمّل في سبيل ذلك فناءَ نفسه وذوبان ذاته ونسيان دنياه . فتلك تجربة روحية لا يعرفها إلا من عاناها، وإنها لعقبة دونها عقبات، تنتصب في مدارج المجاهدات.

هم حفنةً من المجانين!

هكذا يطلق عليهم أستاذهم ومعلمهم الرباني (كولن) هذا الاسم ويسمهم بهذا الوسم فهم (حفنةً من المجانين) الذين يثورون على كلِّ المعايير المألوفة، يتجاوزون كلَّ المقاييس المعروفة. وبينما الناس إلى المغريات يتهافتون، هؤلاء منها يفرُّون وإليها لا يلتفتون. أريد حفنةً ممن نُسبوا إلى خفَّة العقل لشدَّة حرصهم على دينهم، وتعلُّقهم بنشر إيمانهم؛ هؤلاء هم “المجانين” الذين مدَحهم سيِّد المرسلين -صلى الله عليه وسلم-، إذ لا يفكِّرون بملذَّات أنفسهم، ولا يتطلَّعون إلى منصبٍ أو شهرةٍ أو جاه، ولا يرومون متعةَ الدنيا ومالها، ولا يُفتنون بالأهل والبنين…

على الرغم من إيمان أهل الخدمة بأن المبادئ الإسلامية ثابتة لا تتغير كما أنزلت في القرآن، فإنهم على قناعة أنها لا بد أن تتكيف مع ظروف كل عصر.

كلُّ واحد من هؤلاء المجانين مدرسة بعينها، كيف وإن زاروك مجتمعين، فتلك بغيةُ الرجاء، ومنتهى الأمل؛ تعالَ معي -أخي- نفتحْ بعضًا من خزائن أسرارِهم، شريطة أن نسافر بنيَّة الهجرة، وندخُل المحراب بأنوار الوضوء؛ فنكون جميعًا في عبادة وذكر، وجهاد وفكر.

رجال ولا كأي رجال

فهذا هو الأستاذ الدكتور فريد الأنصاري –رحمه الله- يقول عنهم في كتابه (رجال ولا كأي رجال):

لولا أنّي رأيتهم لقلت إنه مجرد وهم أو هراء أو خيال …ظلال نورية لجيل الصحابة الكرام، جمعوا بين خصلتين عظيمتين من خصالهم الكبيرة : الهجرة والنصرة . فلم يكن منهم مهاجرون وأنصار، بل كانوا مهاجرين وأنصار.

من بلاد الأناضول تشرق شمسهم، ثم تتدفق أشعتها نحو كل العالم خيوطًا بلورية وهّاجة، تصل الأرحام القديمة وتذكي الحنين الجريح… مهاجرون تركوا خلفهم كل شيء وانطلقوا كالخيول العارية، يفتحون الأبواب والنوافذ للمحاصرين في كل بقاع الأرض، ويعلّمونهم كيف يستنشقون من جديد هواء الفضاء الفسيح، بعدما فقدوا إحساسهم بالحياة منذ قرون .

مهاجرون، هجروا متاع الحياة الدنيا وزينتها، رغم تدفقه عليهم من كل الجهات، وانطلقوا سائرين إلى الله، يوزّعون كلمات النور ويبشرون العالم بالأمن والسلام ويبعثون في قلوب الفقراء الأمل العظيم.

ظلال من جيل الصحابة أو نُسخ أخرى لستُ أدري… فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا… فلله درهم … أىّ رجال هم ؟!.

أنصار… فلقد نصروا الخير فكانوا أنصار العصر الجديد … كلما رأوْا شمعةَ نور تضطرب في عاصفة الريح في أيّ بقعة من العالم، أسرعوا إليها غير مبالين بالصعاب واحتضنوها بمشكاة من زجاج بلوريّ، فتصير كأنها كوكب درّي، ينبض بالجمال والبهاء…

رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

رجال جاءتهم دعوة الحق فما ترددوا، وما كَبَّوا، وما تلكَّئوا، وآمنوا بها وصدَّقتها قلوبهم، واستيقنتها أنفسهم، فما كان قولهم يوم أن دُعوا إلى الله ورسوله إلا أن قالوا:(سمعنا وأطعنا) البقرة:285.

رجال هانت عليهم أبناءهم ونفوسهم وأموالهم وعشيرتهم؛ إذ علموا أن طريق الجنة صعب، محفوف بالمكاره، لكن آخره السعادة الدائمة فسلكوه، وعلموا أن طريق النار سهل محفوف بالشهوات لكن آخره الشقاوة الدائمة فاجتنبوه. رجال وأي رجال: (رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ) النور:37.

صدقوا الله في تلقِّيهم للقرآن فتلألأت كلمات القرآن على شفاههم كما تتلألأ الكواكب في صفحات السماء… ملأوا الجوانح بكلام الله فظهر أثر ذلك على الجوارح، رتَّلوا القرآن ترتيلاً ينمُّ عن التأثر بما يتلون، وعلى وعي وحسن فَهْمٍ لما يقرؤون، تلذذوا بقراءة القرآن، تعلموه وعلموه، وجعلوه خلقهم، فما من آية تُنَزَّل إلا ويرون أنهم المعنيون بها دون غيرهم، ما سمعوا يا أيها الذين آمنوا إلا صاخوا بآذانهم يتلقون ما يؤمرون به؛ ليعملوا به، وما ينهون عنه لينتهوا عنه، فشرح الله صدورهم للإيمان بالقرآن، وأعلى قدرهم، ورفع ذكرهم ودرجتهم.

تشتاق نفوسهم إلى الجنة حتى قدموا في سبيل الوصول إليها كلَّ ما يملكون…هجروا لذيذ النوم والرقاد ، وبكوا في الأسحار ، وصاموا النهار ، ، فلله كم من صالحين اشتاقت إليهم الجنة كما اشتاقوا إليها من حسن أعمالهم ، وطيب أخبارهم ، ولذة مناجاتهم .

أبناء الخدمة فرسان … وأي فرسان؟

ويتحفنا الأستاذ الدكتور فؤاد البنا – أستاذ الفكر الإسلامي السياسي بجامعة تعز، بمقال رائع وموسوم  في العدد رقم  43  من مجلة حراء تحت عنوان ( فرسان الخدمة وفيالق العبور إلي النور) وهذا المقال يصف رجال الخدمة وفرسانها وصفا صادقًا ليس فيه تكلف أو مدح، والمقال يستحق أن ندرسه لأبنائنا في مدارسهم ولطلابنا في جامعاتهم، لكي يقفوا علي هذه النماذج الربانية والتي تذكرنا بجيل الصحابة رضوان الله عليهم.

المقال طويل لذلك سأحاول أن أقتطف منه بعض الفقرات الغضة الطرية.

يقول أ.د فؤاد البنا :

إن أبناء الخدمة لا يبخلون بخدمتهم، ولا يمنعون رفدهم، ولا يضِنون بمعروفهم، ولا يمنّون بإحسانهم… يُفرجون الكروب ويبردون غليل القلوب… يحاربون النوائب ويجابهون المصائب… يُشبعون الجائعين، ويُهدون الحيارى الضائعين، ويردون الشاردين الزائغين… يقيمون موازين العدل ويكثرون من مواسم البذل.

أبناء الخدمة هم من فرسان أمتنا الذين سيعبرون بها من مرحلة التيه الحالك إلى مرحلة الفرقان النوراني، ومن مربع الغثائية السوداء إلى دائرة الفاعلية البيضاء.

ويبدو أن مقولة الإمام علي كرم الله وجهه “إذا تم الفعل نقص الكلام” تنطبق عليهم، وتبدو قلة كلامهم من كثرة فعالهم، لأن الإناء الممتلئ أخف صوتا من الإناء الفارغ، والعربة الممتلئة أقل جلبة من العربة الفارغة.

ولأنهم قليلو كلام فإن أخطاءهم أقل، وسدادهم أكثر، إذ إن عقولهم راجحة وأفكارهم راقية، ولهذا ظلت دومًا أسهمهم غير طائشة بل رابحة.

ويستطرد د البنا قائلا : لقد رأيتهم يسدون الخُلل، ويصلحون الخَلل… يقيلون العثرات، ويغفرون الزلات، ويسترون العورات، يغضون الطرف، ويبحثون عن الأعذار، يقللون العتاب، ويُندرون اللوم.

لا يقطعون الحبال، ولا يَحُلّون العرى، ولا يصرمون العلائق، ولا يفصمون الأواصر، يرتدون أردية الحلم، ويأتزرون بمآزر العفو، ويضعون على رؤوسهم عمائم الكرم، وعلى العموم فإنهم يلبسون ألبسة التقوى.

إن رجال الخدمة قائمون بالحق، قوامون بالقسط، مستقيمون في أبواب الحقيقة… تجدهم دائمي الاستقامة، لأنهم مملوؤون صدقًا وعدلاً، أما الكيّس الفارغ فإنه لا يستقيم.

لا يكفّون عن كفكفة دموع المظلومين والمحرومين، وعن رد الإشراق إلى وجوههم الكسيفة، وإعادة الاستقامة إلى أجسامهم الكسيحة… ولا يتعبون من العمل من أجل رد الأمر إلى نصابه، والحقِّ إلى أصحابه، ومن إعادة المياه إلى مجاريها، والسفن إلى مراسيها، والطيور إلى أعشاشها.

ويبدون مبتسمين وهم يعطون، لأنهم يتلذذون بصناعة المعروف وبذل الخير . وبجملة واحدة في هذه الخصلة، فإنهم يحرصون على أخذ المال من الحلال وصرفه في النوال.

وبالجملة فإن أبناء الخدمة هم من فرسان أمتنا الذين سيعبرون بها من مرحلة التيه الحالك إلى مرحلة الفرقان النوراني، ومن مربع الغثائية السوداء إلى دائرة الفاعلية البيضاء.

ختامًا:

هؤلاء -عزيزي القارئ- هم عماليق العصر، ونماذج الإنسان الحق الذي ينتظره العالم منذ زمان بعيد …. إنهم رجال الخدمة الذين حملوا راية الحق …رجال في سن الشباب استلهموا من السيرة النبوية كيفية تغيير الواقع المزري من خلال التربية والبناء والتعليم، بعيدا عن السياسة ورفع الشعارات الإسلامية، والتغني بالصور الخارجية والمظاهر دونما النظر لحجم الإنتاج العملي.

فهل آن الأوان لكي نحذو حذوهم ونسير علي خطاهم ؟… نسأل الله تعالي أن نكون منهم وأن نحشر معهم.