الدعاء هو لبّ الحياة وقلبها إذ يجلي قيمة الحاجة والضعف من جهة الداعي، وقمّة القوّة والملك من جهة المدعوّ، ثمّ إنّ الإنسان في قمّة حاجته إلى الله تعالى يقطع كلّ الجوانب الأرضيّة، ويحلّق بروحه وفكره إلى الملأ الأعلى، فيتحرّر بهذا الضعف وهذه الحاجة من قيود البشر والحاجة إليهم، ولا يأبه بالدنيا وما فيها ومن فيها مادام ارتبط بالله، فتراه يمشي في الأرض وقلبه محلّق في السماء، متعلّق بالواحد الأحد، الفرد الصمد، العزيز الغنيّ المتعال، لا يسأل سواه، ولا يخيب أحد على بابه وهو يعلم يقينا أنّه كما قال عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم: “إنّ الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه فيهما خيرًا فيردّهما خائبين”.

فما حقيقة الدعاء؟ وكيف يراه كولن؟؟
1
-حقيقة الدعاء:

وردت حقيقة الدعاء عند معظم العلماء دالّة على الحاجة والفقر، والتوجّه إلى الغنيّ الحميد.
قال محمّد الدوداوي: “معنى الدعاء هو الرغبة إلى الله”. أي اللجوء إليه وهو معنى للحاجة والفقر والتوجّه إلى الله تعالى. ثمّ يواصل بيان معناه بقوله: “وهو أيضا العبادة” على اعتبار أنّ الدعاء هو قمّة العبوديّة الخالصة لله تعالى، وهو المعنى الذي أشار إليه بديع الزمان سعيد النورسي –رحمه الله- في قوله: “إنّ الدعاء روح العبادة ومخّها”، ولئن كانت العبادة هي التوجّه إلى الله تعالى بما يجب ويرضى من الأقوال والأفعال والنيّات، فإنّ أصدق توجّهٍ هو حين يكون العبد بين يدي الله متوجّها إليه بكيانه كلّه، سائلاً إيّاه ومنتظرًا العطاء والإجابة
أمّا فتح الله كولن فيرى في حقيقة الدعاء أنّه:
أ_ نداء وتضرّع: إنّها مناجاة من عبد ملأ الإيمان عليه روحه، وملَكَ منه نفسه التي لا تراها إلّا متوجّهة إلى بارئها تناجيه في حنين لا تشعر به مع غير الله، وتضرّع دال على الحاجة الحقيقيّة إلى القرب من الله والأنس به، يرجو الكمال، ويبغي التطهّر من الذنوب والآثام.
ب_ توجّه من الصغير إلى الكبير: يا له من توجّه، وأيّ كبير يقصده كولن إلا الكبير المتعال، الجبّار المتكبّر، السميع البصير، ذو الجلال والإكرام … كبير ولا كبير سواه، فهو الخالق الرزّاق المنعم على عباده…
جـــ_ من الأسفل إلى الأعلى: حين خلق الله تعالى الإنسان جمع فيه بين طبيعتين، تمثّلان ثنائيّتين العلوي من خلال نفخة الروح، والسفلي من خلال قبضة الطين، ليعيش خلافته وإنسانيّته عبر التسامي إلى الأعلى، ويتخلّص قدر ما في قلبه من إيمان وحنين من الجذب الأرضيّ له، وجناحيه إلى هذا السموّ هو الدعاء و المناجاة يقول محمّد فتح الله كولن: “وعندما يرفع يديه مؤمنًا بالاستجابة، يتحوّل ومن حوله إلى عالم روحاني و سماويّ، وكأنّه يسمع أذكار الروحانيّين وأدعيتهم”.

يدعو الإنسان ويتوقّع أن تكون إجابة دعوته كما طلب، وهذا قصور في فهم الإجابة، وتقزيم لها وإسقاط لصفة الحكمة الإلهيّة عنها

وبالدعاء يبتعد الإنسان عن الدنايا ويرتفع قلبه حتّى يكاد يطير من الروعة والخشوع في حضرة ذي الجلال سبحانه، لا سيما و هو على يقين أنّه يسمعه لأنّه قريب و يجيبه لأنّه وعده وهو القائل: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان”، ولعلّ خير من صوّر هذا الإحساس بقربه تعالى من عباده ولطفه بهم، بديع الزمان سعيد النورسي في المكتوب الرابع و العشرين من المكتوبات بقوله: “إنّ الداعي يعلم يقينا أنّ هناك من يسمعه، ويترحّم عليه و يسعفه بدوائه، وقدرته تصل إلى كلّ شيء. و عندها يستشعر في نفسه أنّه ليس وحيدًا فريدًا في هذه الدنيا الواسعة بل هناك كريم ينظر إليه بنظر الكرم والرحمة، فيدخل الأنس إلى قلب الداعي، ويتصوّر أنّه في كنف الرحيم المقتدر على قضاء حاجاته غير المحدودة، ودفع أعدائه غير المعدودة، وفي حضور جائم أمامه فيغمره الفرح والانشراح ويشعر أنّه قد ألقى عن كاهله عبئًا ثقيلاً”؛ لأنّ الثقل الذي يشعر به هو جانب الطين وارتباطه بالجسد، ما يشدّ الروح إلى الأسفل ويحاول النزول بها في دركات الحاجات والشهوات.
د_ مستويات الدعاء: في التفاتة فريدة من نوعها يفرّق محمّد فتح الله كولن في الدعاء بين مستويات ثلاث هي: القول-الفعل-الحال، و هو تفريق ذكيّ من جانبه، إذ يتوجّه العبد إلى الله تعالى بالدعاء بهذه الصيغ الثلاث حسب المقام، فتارة نتوجّه للحقّ تبارك وتعالى بألسنتنا كما كان يقول صلّى الله عليه وسلّم: “اللَّهُمَّ اجعلني لك شكّارًا لك ذكّارًا لك مطواعًا إليك مخبتًا لك أواها منيبًا رب اقبل توبتي واغسل حوبتي وثبت حجتي وسدد لساني واسلل سخيمة قلبي “.
وغيرها من الأدعية الكثيرة التي كان يلهج بها لسانه صلّى الله عليه وسلّم. وتارة أخرى نتوجّه إليه جلّ وعلا بأفعالنا وقرباتنا المختلفة، وبسلوكياتنا وتصرّفاتنا المتعدّدة. يقول محمد فتح الله كولن: “ونظرًا لكونه هو وحده خالقنا وموجدنا ومطعمنا ومطوّرنا من حال لحال، والعارف بحاجتنا ورغباتنا والمستجيب لها، وصاحب الرحمة الواسعة الذي لا يدع أمورنا لغيره، وذلك مقابل عجزنا وفقرنا وضعفنا وحاجتنا، لذا كان من الأهميّة بمكان قيامنا بتغـيـير سلوكنا وتصرّفنا تجاهه بكلّ دقّة وعناية”.

عجز الإنسان أمام الله ظاهر في كلّ شيءٍ حتّى في لسانه المنطلق من روح جيّاشة بمشاعر الحبّ وأحاسيس الفرح والأنس بالله تعالى.

وتارة ثالثة ندعوه بلسان حالنا، في دعاء صامت لأنّ جلاله سبحانه وهيبة الوقوف بين يديه لا تستغرقها الكلمات، ولا تجلوها العبارات مهما أوتي العبد من بلاغة أو فصاحة، بل يكون الصمت أبلغ لأنّ الله أخبرنا أنّه قريب من عباده، يجيبهم على سؤالهم ودعائهم، وأعلم منهم بحالهم، إذ لن يصل تصوير ووصف العبد الضعيف لحاله مقدار ما يعلمه الخالق الجليل، السميع العليم، ويكون الصمت حكمة أبلغ من أيّ كلام، يقول كولن: “ونصل أحيانًا في الدعاء إلى نقطة نسكت فيها ونصمت، ونكل كلّ شيء إليه مع الاحتفاظ بالتسوّل بالأسباب، ونقول كما قال الشاعر:
“أحوالنا معلومة يا ربّ من قِبَلك ما الدعاء إلّا تضرّع من عبيدك”.
وعجز الإنسان أمام الله ظاهر في كلّ شيءٍ حتّى في لسانه المنطلق من روح جيّاشة بمشاعر الحبّ وأحاسيس الفرح والأنس بالله تعالى، و مع هذا الوقوف بباب الحضرة الإلهيّة القريبة منه، يعجز عن تصوير حاجته وشرح مراده، فيسكت ليطلق العنان لحاله يعبّر عن حاله، وعلم الله يدرك حاجته ومراده، ويواصل فتح الله كولن: “ورعاية منّا لأدب المثول أمامه نغلق أفواهنا تمامًا وننتقل إلى مراقبة صامتة. وهذه الحال حسب بعضهم وبدرجة الصدق المصاحب لها أبلغ من كلّ كلام وأفضل من كلّ بيان، وأحسن من كلّ تضرّع. ولما كان الله تعالى على علم بكلّ أحوالنا، الظاهرة منها والخفيّة، فإنّ المهمّ هنا في هذا الدعاء اللب والجوهر أكثر من الكلمات نفسها… إذن، فهو من ناحية معرفة طلباتنا ورغباتنا أقرب إلينا منّا.
لذا فحسب هذه المعرفة بالحضور والقرب الإلهيّ فإنّ الأدعية الصامتة هي عين الأدب مع ذلك المستوى المتميّز من العباد، وسواء كان هذا نابعًا من مفهوم الغيب أو من مفهوم الحضور الإلهي فإنّ الله تعالى الذي يقول: “وَقَالَ رَبُّكُمْ أدْعُونِي أَسْتَجِب لَكُمْ” يشوّقنا إلى الدعاء”.
هكذا حدّد محمّد فتح الله كولن مستويات الدعاء ببراعة تنبّه القارئ إلى قيمة الدعاء في الإسلام، وتؤكّد أنّه فعلاً مخ العبادة ولبّها.

لما كان الله تعالى على علم بكلّ أحوالنا، الظاهرة منها والخفيّة، فإنّ المهمّ هنا في هذا الدعاء اللب والجوهر أكثر من الكلمات نفسها.

2 -الدعاء اختزال للمسافات:
إنّ اختصار الزمان و المكان مادام العابد يسمو بروحه نحو علياء الجلال والكمال، ليسأل ويستغيث ويطلب بلسانه وبأفعاله وتصرّفاته، وبحاله، مَن وعده بالقرب والإجابة. إنّه قرب لا يحقّقه إلّا الدعاء، إذ ليس هناك دعاء بطرف اللسان، بل لا يحقّق عبوديّة الإنسان وفقره وعجزه أمام الله شيء مثل الدعاء، إذ من عادة المحتاج إذا أراد ممّن يراه يساعده، حاجة يقترب منه ويهمس في أذنه بطلبه، هذا مع العبد الضعيف مثله فكيف به مع الخالق الجليل، ويا له من قرب وحلاوة تبدّد الخوف والإضرار باليقين التامّ في كرم المدعوّ ورحمته تعالى، يقول الأستاذ: “بل يستجيب للجميع ولكلّ شيء استجابات عميقة ليظهر لنا أنّه سمع أدعيتنا، وأخذ طلباتنا بنظر الاعتبار فيهب قلوبنا بقربه وحضوره انشراحًا وبهجة وراء كلّ خيال وتصوّر”.

رعاية منّا لأدب المثول أمامه نغلق أفواهنا تمامًا وننتقل إلى مراقبة صامتة. وهذه الحال حسب بعضهم وبدرجة الصدق المصاحب لها أبلغ من كلّ كلام وأفضل من كلّ بيان، وأحسن من كلّ تضرّع.

3 إجابة الدعاء:
يدعو الإنسان ويتوقّع أن تكون إجابة دعوته كما طلب، وهذا قصور في فهم الإجابة، وتقزيم لها وإسقاط لصفة الحكمة الإلهيّة عنها، وقد صوّر رسول الله صلّى الله علية وسلّم إجابة الدعاء في حديثه: “ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلّا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمّا أن يعجّل له دعوته وإمّا أن يدخر له، وإمّا أن يكفّ عنه من السوء بمثلها. قالوا: إذن نكثر، قال الله أكثر”.

وقد حذّر عليه الصلاة و السلام من استعجال الإجابة لما فيه من ضيق الأفق سيدفع صاحبه إلى ترك الدعاء ظنّا منه أنّه لم يستجب له حيث قال: “لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عن ذلك ويترك الدعاء”، وهو بالضبط ما ذكره الأستاذ فتح الله حين اعتبر من يستعجل الإجابة على طلبه كما هو ضرب من ضروب الجهل وضيق النظر، يقول: “ولكن ليس من الصحيح توقّع الاستجابة لكلّ أدعيتنا كما هي، لأنّنا لا نأخذ بنظر الاعتبار إلّا رغباتنا وطلباتنا المتعلّقة بأيّامنا الحاليّة، فنضيّق بهذا إطار طلباتنا وننسى أو نهمل المستقبل أو لأمور الأخرى المتعلّقة بنا عن قرب، ولا نأخذها بنظر الاعتبار” وهو أمر بديهيّ، لأنّ الإنسان لا يرى أبعد من أنفه ولا يعلم الخير له أين يكمن، فكم من أمور يحسبها شرًّا وبعد برهة من الزّمن يدرك أنّها كانت خيرًا محضًا، والعكس صحيح، لهذا عليه أن يدعو ويتيقّن بالإجابة، ويتيقّن أنّ عين الله ترعاه وأنّه سبحانه يقدّر له الخير أحسن بكثير ممّا يطلبه هو، يقول الأستاذ: “و لكنّه تعالى يرى حالنا الحاضر وكذلك مستقبلنا القريب والبعيد في اللحظة نفسها، فيوسّع ما ضيّقناه حتّى يجعل أدعيتنا بوسعة الدارين في الدنيا وفي العقبى، ويستجيب لها ضمن أبعاد متعدّدة حسب موجبات رحمته وحكمته”.

إنّ الإنسان في قمّة حاجته إلى الله تعالى يقطع كلّ الجوانب الأرضيّة، ويحلّق بروحه وفكره إلى الملأ الأعلى، فيتحرّر بهذا الضعف وهذه الحاجة من قيود البشر والحاجة إليهم.

هكذا عشنا مع الأستاذ ترنيمة روح وشجن قلب تنبضان بالحياة والحبّ لله تعالى، وتقطران أحاسيس جيّاشة لرجل ملك عليه العشق الإلهيّ كيانه، فأغلق قلبه دونه، وعاش به وله ومن أجله تعالى، ونلمس صدق الحرقة ونار اللوعة في تعابيره، وخير ما أختم به مقالي: مقاطع من هذه الأدعيّة الصادقة.
“يا أجمل من كلّ جميل ويا أرحم من كلّ رحيم احفظنا يا ربّ من التلوّث بالآثام وبالذنوب… ولا تحرمنا من مغفرتك ومن رحمتك ولا تبعدنا عنها.. ما وصلت قلوبنا إلى الاطمئنان إلّا بمعرفتك… و ما تخلّصت أفكارنا من الهذيان القاتل وانسلّت منه إلّا بالاستسلام لك.. أتينا إلى بابك وطرقناه بذلّة وخضوع.. ندعوك أن تديم هذه الذلة لك إلى أبد الآبدين.. وبفضل الإيمان بك تخلّصنا من مشاعر الغربة والحيرة والذهول…ومن آلام الوحدة والوحشة.. لذا نتوجّه إليك مرّة أخرى بكلّ كياننا نطلب منك العفو والعافية.. ونعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع وعين لا تدمع، ونفس لا تشبع، ومن دعاء لا يستجاب له. ومن زوال النعم، وتغيّر الألطاف، ومن عذاب عاجل وغضب ماحق.