مِن القضايا المُلحّة التي لابدَّ مِن الاستمرار في طرْحِها والتأكيدِ عليها؛ ضرورة التوقف طويلاً بالدرس والتحليل والاستقراء والاستنتاج لحركات الدعوة والإصلاح والتجديد، والتعرُّف على حياة المجدِّدين كنماذج دعويّة، وخاصة أولئك الذين واجَهوا ظروفًا مشابهةً لظروفنا، وواقعًا يقترب مِن واقِعنا، واغترَفوا مِن مَعين الكِتاب والسنّة، واهتدَوا بفهم القرون المشهود لهم بالخيرية مِن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعاشوا في قَلْبِ الواقع الإسلامي بكل مشْكِلاته وقضاياه ومعاناتِه، وقادوا المسيرة بفقهٍ وفِكرٍ وعمل، وكانوا مِن الطلائع التي تتقدم الصفوف؛ تُعطي الأنموذج في تشكيل الواقع، وصناعة التاريخ.

إن تتبّع هذه النماذج ودراستها، وتحليل طروحاتها الفكرية ووسائِلها في الدعوة والإصلاح؛ أصبح ضرورةً عِلمية ودعوية وثقافية وحضارية معًا؛ وذلك لإثارتها الاقتداء، وإحياءِ الفاعليّة، واستشعارِ المسئولية في حَمْلِ الأمانة، واختبارِ عوامل السقوط والنهوض، والفقه بكيفية التعامل مع قِيَم الكِتاب والسنّة وتنزيلها على واقع الناس، وتحقيق العِبرة بالتعرُّف على جوانب النجاح والإخفاق؛ لتكون سبيل اهتداءٍ للتعامل مع الحاضر، والبَصَرِ بالمستقبل، واستدراك الخَلل، وتصويب المسيرة، وإضافة هذا الرصيد الثقافي والحضاري والدعويّ لإمكانات الحاضر وتطلعات المستقبل.

ومِن ثم كانت هذه الدراسة التي تتناول إحدى أهم وأكبر حركات الدعوة والإصلاح المعاصِرة في الخِبرة التركية؛ التي أسَّسها الأستاذ محمّد فتْحُ الله كولن؛ ذلك الرجل الذي جَمع في شخصه بين إقناع المفكر وإمتاع الأديب، وبين صفاء الصوفيّ وحركية المصلح، وكذا بين استنارة العالِم وحرارة الداعية.

أهمية مشروع الخدمة

تكمن أهمية مشروع الخدمة فيما يلي:

أولاً: أنها ليست تكرارًا أو تقليدًا لنموذجٍ معيّن.

ثانيًا: قُدرتُها على تحويل القيم الإسلامية الأصيلة إلى نماذج نجاحٍ وإبهار مِن خلال جملة أنشطةٍ ومؤسَّساتٍ تقوم بأدوارٍ متكاملة في مجالاتٍ مترابطة تُشكِّل في مجموعها المنظومة الحضارية ابتداءً مِن منظومة قيم التربية والتعليم، والثقافة والحوار، والإعلام، والاقتصاد، والإغاثة، وصولاً إلى الهياكل والمؤسسات التي تهتدي بهذه المنظومة في برامج حركتها. فكيفية تحويلِ الفكر إلى مشروع وترجمةِ الرؤية إلى برنامج إجرائي عمليّ قابلٍ للتنفيذ على أرض الواقع يمثّل جانبًا في غاية الأهمية تفتقده كثير من حركات الإصلاح في عالمنا الإسلامي، مما يبقيها حبيسة الطموحات والآمال.

ثالثًا: أن حركة كولن لم تكتفِ بممارسة العمل الإسلامي الاجتماعي والدعوي داخل تركيا، بل امتدّ نشاطُها وتأثيرها إلى خارج الحدود التركية وفي أكثر مِن مائةٍ وستين دولةً حول العالَم؛ الأمر الذي يجعلها نموذجًا جديرًا بالدراسة والتحليل.

محاور الدراسة

تدور هذه الدراسة حول ثلاثة محاور رئيسة:

المحور الأول: الأستاذ كولن الشخصية والرؤية

المحور الثاني: سمات الخدمة وأهدافها

المحور الثالث: آليات الخدمة في الدعوة والإصلاح

المحور الأول: الأستاذ كولن الشخصية والرؤية

أولاً: البيئة وأثرها في النشأة والتكوين

لا شك أنّ أحداث الطفولة ومَجرياتها تُسهم إلى حدٍّ كبير في بناء شخصية الإنسان، وترسم معالم رؤيته للحياة؛ وفي هذا الصدد يقول الأستاذ فتح الله كولن متحدثًا عن أثر الانتقاش الذي تتركه حوادث الطفولة في الإنسان: “بفضل هذه المشاعر وهذه الأحاسيس تبدأ أحيانًا الحقائق المقدسة والمبهمة التي ترسَّخت في أرواحنا في العهود المبكرة بشكل معارف بدائية، تبدأ كالأزهار النضرة في شعاب قلوبنا، بفضل النور والإيمان الذين يملكان قوة إنباتية، فنرى كيف أن تلك الحقائق المجردة التي قبلناها ببراءة الأطفال، تعود إلى كياننا ووجودنا، هنا نذوق ونحن في دهشة طعمَ تحول هذه الأسرار في صمت في أعماقنا، إلى براعم ثم تفتُّحها أزهارًا”(1).

تتميز‭ ‬رؤية‭ ‬كولن‭ ‬للإصلاح‭ ‬والتجديد‭ ‬بأنها‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬الإدراك‭ ‬الكامل‭ ‬لقضية‭ ‬الخاتمية‭ ‬والخلود‭ ‬والعالَمية‭ ‬للرسَّالة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬العطاء‭ ‬المتجدد‭ ‬للنماذج‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجال،‭ ‬والصلاحية‭ ‬لكل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭.‬

لقد كان من فضل الله تعالى على الأستاذ أن وهبه أسرة صالحة؛ فنشأ وترعرع في بيت يتسم بالتدين، والخشوع، وعشْق العِلم، والتمسك بمكارم الأخلاق؛ في هذا البيت أخذت الأم على عاتقها تعليم وليدها فتح الله القرآن الكريم وهو بعدُ لم يتجاوز الرابعة من عمره، وكان الوالد -وهو إمام وداعية- يغرس بسلوكه في ولده كل خُلُق نبيل؛ يقول الأستاذ فتح الله: “كان أبي دقيقًا في حياته، الصلاة هي جُلّ ما يشغله، بَكَّاء، وقته ثمين، إذا رجع من الحقل يتناول كتابًا قبل أن يخلع نعليه فيقرؤه ريثما يحْضر الطعام. للقراءة عنده متعة خاصة، لسانُه رَطْبٌ دائمًا إما بالقرآن الكريم وإما بتكرار ما حَفِظهُ من شِعْرٍ عربي أو فارسيّ، أنا لا أتذكر أنني حَفِظتُ قصيدة البُرْدَة بنفسي، ولكني حفِظتُها من كثرة تكرار والدي لها، وكذا الأمر في الشِّعْر الفارسيّ الذي كان يَسْرُدُه أبي في وعظه، كان يملأ وقته كله بالعمل الصالح الزاكي، ولا يعرف الفراغ، وله فَضْلُ عنايةٍ بالتفكر”(2).

وفي المرتبة التالية للأسْرة يأتي ذلك الينبوع الصافي الذي تغذت منه رُوح الأستاذ فتحِ الله كولن وهو طفلٌ صغير، والذي كان له أثرٌ كبيرٌ في تربيته وتعليمه، حتى إنه يُلقبه بـ”مهندس القلوب” ويقول في شأنه: “هو اليد الخفية التي كانت وراء ما أجده من مشاعر”(3)؛ ذلكم هو العالم الجليل والشيخ المربِّي صاحب الأذواق والمواجيد محمد لطفي أفندي، المعروف بـ”الأَلْوَارْلِي أَفَه” الذي كانت أسرة كولن كلها متأثرةً به أشد التأثر، محبوبًا وموقَّرًا لدى جميع أفرادها؛ وقد حاول الأستاذ فتحُ الله أن يوقفنا على ملامح مِن عالَمِه الرُوحي قائلاً: “كان الشيخ أَلْوَارْلِي أَفَه باعتبار عالَمِه الداخلي عميقًا جيَّاشًا بالعشق والهيجان. وكان حاله في مجالس الذِّكر يبدو مثالاً حيًّا لثرائه القلبيِّ هذا. فقد كان نَقْشبنديًا وقادريًّا في الوقت نفسِه. ولذلك كانت مجالس الذِّكر تُعقد تحت إشرافه على الطريقة النقشبندية أحيانًا، وعلى الطريقة القادرية أحيانًا أخرى. وفي تلك المجالس كان فضيلته يتوجَّه بكل ذاته إلى الحق تعالى، ويغيب عن نفسه أحيانًا بتأثير تلك النغمات المُحرِقة المُلهِبة، ويُحدِث فيمن حوله حالةً رُوحيةً مصطبغةً بصبغته الخاصة، ويُرسِل نارَ عشقٍ إلى القلوب. وحين ينفعل أحدُ الموجودين فائضةً عيناه بالدموع فإنّ هذه الحالة تسري إلى الآخرين أيضًا، وتُكوِّن مناخًا من العشق والانفعال لدى الجميع. أجل، كانت تكوِّن عشقًا وانفعالاً ما زلتُ أشعر بتأثيره عليَّ رغم أنني شهدتُ كل هذه الأمور في طفولتي(4).

نعم لقد تجلّى ذلك الأثر فيما بعد في منهجه الدعويّ وفي كتاباته المتنوعة، كما أكسب خُطَبهُ ومواعظه بُعدًا رُوحيًا يصعب الإفلات من تأثيره. لقد كان للبيئة التي نشأ فيها الأستاذ فتحُ الله كولن دور كبير في توجهه نحو حياة الدعوة والإرشاد في سن مبكرة(5) وجعلته يسير بخطىً ثابتة واثقة في مساره التعليمي ومسيرته الدعوية رغم كل ما لاقاه في سبيل ذلك من مشقات وآلام.

ثانيًا: منهج الأستاذ فتح الله كولن في الدعوة إلى الله تعالى

منهج الدعوة هو عملية بناء متكاملة لطريقة الدعوة المستقيمة، تشتمل على الأصول والقواعد والأساليب والوسائل الموصّلة للدعوة، والمعِينة لعمل الداعية في مخاطبة الناس مع مراعاة الظروف الملائمة والأحوال المناسبة(6).

هذا التعريف يبيّن أن المنهج الدعويّ له أسس وقواعد يرتكز عليها، وأساليب ووسائل ينهض بها لتحقيق أهدافه النبيلة والمشروعة، وهو بهذا يتلاشى الخطأ الذي يقع فيه البعض من الخلط بين المنهج وبين الأساليب والوسائل التي هي في الحقيقة من أدوات المنهج وآلياته في التطبيق. ومن ثَمَّ كان لا بد من الإشارة هنا إلى أهم تلك القواعد والآليات التي يتضح من خلالها معالم المنهج الدعويّ لدى الأستاذ فتح الله كولن.

1- من قواعد المنهج الدعويّ عند الأستاذ فتح الله كولن

أ‌- البناء الروحي للداعية

يؤمن كولن بأن الروح كيانٌ يستوجب التعمير، وأنّ من سماء الروح وعالَمه تنطلق أعمال التشييد الكبرى لصرح الدعوة الإسلامية؛ فالداعية الحقيقي عنده لابد وأن يكون صاحب عالَمٍ رُوحي عميق؛ ذلك لأن قوله ينعكس على الآخرين بنسبة عمق عالمه الروحي(7) ويشير إلى آلية تحقيق ذلك بقوله: “على الدعاة والمرشدين أن يُشحَنوا في البداية شحنات روحية مثل أصحاب الكهف، وأن يمروا بمثل هذه المرحلة. وكما يمكن أن يتم هذا بقضاء فترة في الكهوف والمغارات، كذلك يمكن أن يتم على طريقة الصحابة رضوان الله عليهم، الذين مروا بفترة شحن وشحذ لقواهم الروحية في دار الأرقم. طبعًا ليس من الشرط وجود تشابه حرفي في هذا الموضوع، لأن الحوادث التاريخية تجري في أنماط متشابهة ضمن إطار عام. لذا فالأشياء المهمة بالنسبة إليهم بمقياس كبير مهمة بالنسبة إلينا كذلك.. بعد الفهم الجيد للدعوة المراد نشرها وتبليغها وهضمها والقيام بهذه الدعوة بكل تجرد وإخلاص.. بعد قضاء فترة اعتكاف وخلوة وتوجه إلى الله تعالى للوصول إلى المستوى الروحي المطلوب الذي يحقق لهم قدرة التمثُّل والتشرُّب بالدعوة وقدرة على تمثيلها”(8).

قلتُ: وقد أشار القرآن الكريم في كثير من آياته إلى أهمية تمتين البناء الروحي للداعية؛ ومن يتأمل ترتيب نزول السور والآيات سيلاحظ أنّ قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (قُمْ قأنذِرْ) (المدثر:2)، نزل بعد قوله تعالى له: (قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلاً) (المزمل:2).

بـ‌- اقتران الدعوة بالعلم والعمل

من القواعد الأساسية للمنهج الدعويّ عند الأستاذ فتح الله كولن “العِلم والعمل”؛ أمّا بالنسبة للعلم فيقول: “العلم والتبليغ وجهان لحقيقة واحدة، فَعَلى الداعية أن ينشئ نفسه جيدًا بحقائق دينه الذي يريد تبليغه للآخرين، وألا يكون سببًا لإخفاقات كثيرة، بل قد يُنفِّر مخاطَبيه عنه وعن دينه، وما هذه النتيجة إلا تجاوز على الحقوق الدينية والدنيوية له ولغيره”(9).

وإذا كان العلم والتبليغ وجهان لحقيقة واحدة فإنّ كولن يَعُدّ “العملَ” شرطًا لا ينفك عنهما، ويقول: “يجب على من يتولى أمر الإرشاد والنصيحة أن يعيش ويحيا شعوريًا بما يبلغ وينصح كي يؤثر في غيره. والقرآن الكريم يوضح هذه المسألة بأوضح بيان في قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (البقرة: 44). لأن عدم القيام بما يقوله المبلغ صفة نفاق وخداع، وقد شهدنا كثيرًا في فترة الانحطاط عدم جدوى كلام من سلك هذا السلوك بل فَقد ثقة الأمة به”(10).

جـ- الرحمة والشفقة

المنهج الدعويّ لا يعرف القسوة أو العنف أو الكراهية على الإطلاق، حتى إنّ الحق تبارك وتعالى عندما أرسل موسى وهارون عليهما السلام إلى واحدٍ مِن أكبر الطغاة الذين عرفهم التاريخ، قال لهما: (فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:44)، يقول الأستاذ فتح الله كولن معلقًا على هذه الآية: “لذا فلا مكان أبدًا في الإسلام للكلام الخشن أو اللوم العنيف للناس في الدعوة إلى الله تعالى”(11)، والسبب في ذلك -كما يقول كولن- “أنه لا محلَّ للمحبة والاحترام فيما يخلو مِن الرحمة والشفقة”(12)، مصداقًا لقوله تعالى مخاطِبًا سيد الدعاة (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159).

الداعية‭ ‬عند‭ ‬كولن‭ ‬هو‭ ‬بطلُ‭ ‬الشفقة‭ ‬والرحمة‭ ‬قَبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬لا‭ ‬يَتوسل‭ ‬لدفع‭ ‬الآخَرين‭ ‬إلى‭ ‬قبول‭ ‬الحق‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إليه‭ ‬بالوسائل‭ ‬الخاطئة‭ ‬كاستعمال‭ ‬القوة‭ ‬والخشونة‭ ‬والإكراه‭.‬

إنّ الداعية عند كولن “هو بطلُ الشفقة والرحمة قَبل كل شيء، لا يَتوسل لدفع الآخَرين إلى قبول الحق الذي يدعو إليه بالوسائل الخاطئة كاستعمال القوة والخشونة والإكراه؛ لأن استقرار الإيمان بالله عز وجل في القلوب ليس بهذه الوسائل قطعًا. بل الشفقة في الإرشاد تليّن القلوب وترقق الوجدان، وتجعلهما تستأنسان وتتهيآن لقبول الإيمان بالله وبرسوله”(13).

د- المعاناة والتضحية

المعاناة والتضحية مِن أجْل الدعوة إلى الله تعالى، هما في الحقيقة من مقتضيات الرحمة والشفقة، ولكن الرحمة والشفقة كلاهما أمر نِسبيّ قد لا يصل عند بعض من يتَّصف بهما إلى حدِّ المعاناة والتضحية، ولعل هذا هو السر في أن الأستاذ فتح الله كولن قد أفردهما بالذكر كقاعدة مهمة للانطلاق في مجال الدعوة الإسلامية؛ يقول: “إنه لقدَرٌ إلهيّ أن تترافق وتتداخل وظيفة التبليغ والمعاناة معًا بلا انفكاك؛ إذ الأشياء التي تحصل بصعوبة وتعب تحظى بالاهتمام والعناية والمحافظة، بينما الثروات التي حُصِل عليها بدون جهد أو نصب لا يستغرق استهلاكها سوى دقائق. ولاسيما إن كان الأمر يتعلق بتعريف الناس بالله عز وجل، فإنّ هَدْرَ هذا الأمر يعني إﻧﻬاء أهم أساس لغاية وجود الإنسان وإﻧﻬاء ضمان بقائه. وهذا يعني مباشرةً عدم جدوى وجود الإنسان على الأرض. لذا فالإنسان مضطر لإدراك هذه الوظيفة السامية كي يجعل لوجوده جدوى ومغزى”(14).

وأمّا التضحية فيرى كولن أنها من أهم خصائص المُبلِّغ، ويقول: “إنّ الذين لا يضعون التضحية نصب أعينهم منذ البداية -أو يعجزون عن ذلك- لن يكونوا من رجال الدعوة. ولا داعي للكلام عن إخفاق من لم يكن رجل دعوة ﺑﻬذه الصورة، بينما المستعدون للتضحية بالمال -إنْ طُلب- أو بالنفس -إذا تطلب- بل حتى بالأولاد والأهل والمقام والمنصب والشهرة إلى آخر الأمور التي يتغنى ﺑﻬا الآخرون ويجعلوﻧﻬا مبتغى حياتهم، هؤلاء المستعدون للتضحية ﺑﻬذه الأمور سيُنصَب عرش دعوتهم في الذرى، وهذا أمر محقق ومقدَّر”(15).

هـ- اقتضاء البصيرة وعدم مصادمة قوانين  الفطرة

البصيرة عند كولن تعني: “ضبط المسائل بمعايير القلب الدقيقة فضلاً عن العلم والتجربة وإخضاعُها للتحليل والتركيب ثم الوصولُ إلى سعة إدراكٍ تسمح بتناول تلك القضايا بمقدماتها وخلفياتها وبداياتها ونهاياتها؛ فإذا كان البصر يعني دراسة الأشياء والأحداث بنظرةٍ مادّيّة، فالبصيرة هي استيعاب الأشياء والحوادث بعين القلب؛ ومن ثم فالبصيرة هي بمثابة هادٍ نورانيٍّ يرشد الإنسان للوصول إلى الحق والحقيقة وتبليغِهما للآخرين، فمن المتعذر لمن حُرم نور البصيرة أن يُقيِّم الأشياء والحوادث بشكلٍ صحيح، ويجري عليها تحليلاته وتركيباته بشكل سليم، ويصل إلى قرارات بحقها بشكل قويم”(16).

ومن المسائل التي تقتضي البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى عدم مصادمة قوانين الفطرة؛ يقول ﮔُوْلَن: “المُبلِّغ لا يصطدم قطعًا مع قوانين الفطرة. بل يتّخذ البصيرة أساسًا في تبليغه، لأن الفطرة مستقرة بالآيات التكوينية، فالتكاليف والأوامر التي تُبلَّغ يجب أن تُبلَّغ وفق هذه القوانين، أي تؤخذ الخصائص والمزايا التي فُطر الإنسان عليها بنظر الاعتبار؛ فيخاطَب وفق تلك المزايا والخصائص. وبخلافه ربما لا يهتم المخاطَب بالكلام مهما كان بليغًا وبرّاقًا؛ لأنه قد لا يفهم كليًّا ما يخاطَب به أو يعدّه أمورًا نظرية خيالية. ولعل في توضيح هذا الأمر فائدة:

فمثلاً: يَحمل كلّ إنسانٍ شعورًا بالمحبة في قلبه، فمن الخطأ عدم اعتبار هذا الشعور، أو عَدُّهُ غيرَ موجود. لذا لا يقال للناس: لا تحبوا… فإذا قيل لهم هذا لم يُفد شيئًا سوى أنه تكليف مجانب للفطرة. ولكن المبلّغ يُجري هذه “المحبة” الكامنة في المخاطَب إلى سيرها الإيجابي، فيَحُثُّ المخاطَب على أن يحب ما هو جديرٌ بالمحبة وما له البقاء والخلود، بدلاً من إبداء المحبة إلى محبوبات زائلة فانية، فلو صَرف محبته إلى الزائلات الفانيات تكون عليه بلاءً ومصيبة، بينما إذا وجّهها إلى الله عز وجل تكون له وسيلة بلوغٍ إلى مراتبَ عنده عز وجل. بمعنى بدلاً من أن يقول المبلّغ للمخاطَب: “لا تحب” يقول له: “اصرف الحبَّ إلى من هو سرمدي دائمي، أو اصرف حبك لأجله وفي سبيله”. وعند ذلك تكون محبة جميع المخلوقات غير محظورة، وقد قال الشاعر يونس أَمْرَه: “أحبّوا المخلوقات لأجل خالقها”(17).

و- معرفة ثقافة العصر

لقد جعل كولن من معرفة ثقافة العصر قاعدة مهمِّة يرتكز عليها في منهجه الدعويّ، خاصة وأن بدايته الدعوية قد تزامنت مع شيوع الإلحاد في المجتمع وانتشار المذاهب المادية التي تتكلم باسم العلم والفلسفة، ومن ثم كان لا بد من مقابلتها بنفس الأسلوب؛ يقول كولن: “إنّ من لا يَعرف مجريات عصره كمن يعيش في دهليز مظلم، عبثًا يحاول أن يبلِّغ شيئًا عن الدين والإيمان إلى الآخرين، فعجَلات الزمن والحوادث ستفقده التأثير إن عاجلاً أو آجلاً. ومن هنا فعلى المؤمن أن يفهِّم ويبلِّغ ما ينبغي أن يُفهَّم بأسلوب ملائم ومنسجم مع المستوى الفكري والعلمي والثقافي لعصره”(18).

وقد سار الأستاذ فتح الله كولن في دعوته على هذا الدرب فأحاديثه وكتاباته شاهدة بتمكُّنه من ثقافة عصره، وحُسن توظيفه للعلوم والمعارف الحديثة في الدعوة إلى الله تعالى، وتبسيطها للجمهور، مع عدم المغالاة في تقدير الأمور والأشياء، مما كان له أبلغ الأثر في التفاف الناس حوله، والأخذ من علمه، وانتشار دعوته(19).

2- آليات تفعيل المنهج الدعوي

نوّع الأستاذ فتح الله كولن من وسائله في الدعوة إلى الله تعالى لكي تصل الدعوة إلى أكبر قدر ممكن من الجماهير، وما لم يباشره بنفسه من الوسائل الحديثة لاحتياجه إلى جهود جماعية كالتلفزيون والإذاعة والصحافة والإنترنت وغيرها، فقد وجَّه تلاميذه ومحبّيه إلى المبادرة بتوظيفها في هذا المجال، والمنافسة فيها حتى لا تُترك الساحة الدعوية فارغة أمام الآخر يتمدَّد فيها بثقافته وأفكاره الدخيلة. وقد استطاع الأستاذ على المستوى الشخصي أن يجمع في أداء منهجه الدعويّ بين الخطابة والمحاضرة والتدريس وتنظيم المخيمات الدعوية والأندية الحوارية بين المثقفين والمفكرين وأرباب المذاهب والطوائف والملل. وكذا استخدم في دعوته الكتابة التي لا تقلّ في أهميتها وتأثيرها عن الكلمة المنطوقة؛ وقد قيل:

وإذا سَكتَّ فإنّ أَبلغ خاطبٍ                      قَلمٌ لكَ اتَّخذَ الأصابعَ مِنبرا(20).

وهي وسائل يصعُب توافرها جميعًا مع إجادة توظيفها إلا فيمن اختصَّه الله تعالى بموهبة من عنده. وكما تنوّعت وتعدَّدت وسائلُ الأستاذ في الدعوة إلى الله تعالى؛ كذا تعدَّدت وتنوعت أساليبه ما بين ضربٍ للأمثال، وتصريفٍ للأقوال، وما بين حِكَمٍ منثورة، وأشعار منظومة، وأدلّة وبراهين معقولة، تدمغ حجج المبطلين وتدفع شُبَه المشبِّهين. ويمكن من خلال الاستقراء السابق، القول بأن الأستاذ فتح الله قد جمع في دعوته بين ثلاثة مناهج وهي:

استفادت‭ ‬الخدمة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬وسائل‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬وجدَّدتْ‭ ‬مفهوم‭ ‬التبليغ‭ ‬التقليدي‭ ‬المعتمد‭ ‬على‭ ‬الوعظ‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬وعلى‭ ‬أعواد‭ ‬منابرها،‭ ‬واتَّخذت‭ ‬من‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬والإذاعة‭ ‬والتلفاز‭ ‬والإنترنت،‭ ‬منابر‭ ‬عصرية‭.‬

أ- المنهج الوجداني: وهو النظام الدعوي الذي يرتكز على القلب، ويُحرِّك المشاعر والوجدان. وقد لمسنا أثر ذلك في حِكَمِه ومواعظه وآدابه وتربيته الصوفية، ومِن العبارات المسكوكة للأستاذ في هذا الصدد قوله: “يجب أن يكون على كل شيء تقُوله أو تكتبه تأشيرة الوجدان”(21).

بـ- المنهج العقلي: وهو النظام الدعوي الذي يعتمد على العقل والمنطق والاستدلال. فكما خاطَبَ كولن قلبَ الإنسان ومشاعره، خاطب عقله أيضًا؛ وقد لمسنا أثر ذلك في دفاعه عن الإسلام، وردِّه على المتأثرين بالشبهات، والمخدوعين بالباطل، ودعوته إلى التدبر والتأمل في كون الله المنظور كما في كتابه المسطور.

جـ- المنهج الحركي: وهو النظام الدعويّ الذي يعتمد على تحويل الأفكار إلى مؤسسات، وتوجيه الطاقات نحو العمل والبناء. وهذا واضحٌ من خلال العدد الهائل مِن المتطوّعين الذين ألهمَتْهم أفكار كولن فحوّلوها إلى مشروعات ومؤسسات خدمية عملاقة تمتد فروعها إلى دُولٍ شتَّى؛ منها ما هو تعليمي تربوي، ومنها ما هو إعلامي تثقيفي، ومنها ما هو إغاثيّ، ومنها ما هو اقتصاديّ… وشعاره الحركيّ في هذا الصدد “الآذان شَبْعَى والعيون جَوْعَى”(22).

وهذه المناهج الثلاثة هي بمثابة منظومة في حلقة يغذّي بعضها بعضًا، يقول ﮔُوْلَن: “لا يمكن حملُ الإسلامِ وتبليغُهُ إلا بواسطة منظومةٍ فعّالةٍ تُمثِّلُ الفهرسَ المعنوي للوجود كله، تتشكَّلُ من العقلِ والوجدانِ والروحِ والجَسَدِ”(23).

لهذا كان في الجمع بينها دون الإخلال بأيٍّ منها دور كبير في نجاح وفاعلية دعوة الأستاذ فتح الله كولن واستمرارها.

المحور الثاني: سمات الخدمة وأهدافها

في أواخر الستينات من القرن العشرين ومطلع السبعينات، شهدت تركيا حالة من الصراعات السياسية والأيديولوجية، والتوترات الطائفية، التي وصلت إلى حد الاشتباكات المسلحة، وفي تلك الأجواء الملتهبة استطاع الأستاذ فتح الله كولن ببراعته الدعوية وملكاته الخطابية أن يجذب انتباه الجماهير وأن يثير اهتمامهم برسائله حول ممارسة الإيمان وإصلاح النفس كخطوة أولى لإصلاح المجتمع والأمَّة، والاستثمار في التعليم باعتباره المفتاح لحل جميع المشكلات المتعلقة بالجهل والفقر والانقسامات، والعمل لخير الإنسانية. وقد لاقت تلك المبادئ قبولاً واسعًا لدى الجماهير. وفي هذه المرحلة نظَّم كولن حلقات للدرس تُعرَف بـ”مجالس الصُّحبة” يلتقي فيها بانتظام الملهَمون بأفكاره، ليس فقط لمدارسة القرآن والسنة وكُتُب العلم؛ ولكن أيضًا “لمناقشة أفكار كولن حول إنشاء بيوت للطلبة، ولتمويل تلك المشروعات الخدمية، ولتأسيس شبكة من العلاقات المجتمعية بين المواطنين متشابهي التفكير، وبدأت تلك الشبكات مِن الأفراد -وتشمل رجال أعمالٍ لديهم الموارد المالية اللازمة لدعم المشروعات الخدمية- تتشكَّل ببطء في القرى والمدن التي ألقى كولن خُطَبه فيها.

وبحلول عام 1980 استجاب العديد من رجال الأعمال والمعلمين الذين ألهمهم كولن بأفكاره لحل أزمة التعليم في تركيا بإنشاء مؤسسات مثل: بيوت الطلبة، وعَقْد الدورات التحضيرية لدخول الجامعة، وتأسيس جمعيات للمدرسين، ودُور للنشر وصحيفة، ومع منتصف الثمانينات أصبحتْ هناك موارد كافية تتضمن شبكات غير رسمية مِن الأفراد المتحمسين، والمساهمات المالية الضرورية لتسريع المشاريع الخدمية الموجودة بالفعل، والبدء في بناء المستشفيات والمدارس في تركيا، وفي هذه المرحلة أصبحت وسائل الإعلام على عِلمٍ بالحركة، وألقت المقالات الصحفية عن الحركة وأنشطتها بالمزيد من الوعي العام. وفي ظل هذا الاطّراد والنمو بدأ الأعضاء في التوحُّد حول فكرة الحركة الاجتماعية”(24).

1- أهم سمات حركة كولن

تختلف حركة كولن في مفهومها عن كثير مِن الحركات التقليدية في العالَم الإسلامي، وذلك من حيث كونها لا تملك بنية أيديولوجية؛ فهي لا تقدِّم نفسها على أنها التعبير الذي لا يجادَل فيه، و”الحقيقة” التي ينبغي على كلِّ أحد أن يخضع لها مما يثير النزاع والخلاف بين أبناء المجتمع.

ومِن سماتها أنها حركة غير مركزية؛ فلا يوجد مَقَرٌّ رئيسي مركزي لحركة كولن(25)، ولا تُمنح بطاقاتُ عضوية للمشاركين في الحركة؛ وذلك لأنها لا تملك تنظيمًا هيكليًا تراتبيًا له سُلْطة مركزية شأن كثير من الحركات التقليدية؛ يقول أحد الباحثين في شأن هذه الحركة: “إن المصطلح الأقرب إلى وصف “الانضمام” إلى حركة كولن هو “الانتماء” أو “التضامن”، وليس العضوية أو “التبعية”؛ لأن الانضمام يقتضي عملية رسمية ومؤهلات عضوية واشتراك عضوية منتظمًا، وليس في حركة كولن هذه العضوية الرسمية. فالناس يأتون ويذهبون على حسب التزامهم وقدراتهم على تحقيق أهداف الحركة؛ فالحراك في الاتجاهين كبير، ويصعب تمييز الداخل من الخارج”(26). والأستاذ فتح الله كولن نفْسُه قد فَسَّر المسار الذي مضت دعوته عليه، وتأسيس المؤسسات الكثيرة بتأثير من تلك الدعوة؛ بأنّ ما فَعَله هو أنه اقترح على الناس فكرة، وأنهم يطبقونها بناء على “معقولية الفكرة”.

ومن سماتها أيضا أنها ليست تكرارًا أو امتدادًا لأي حركة من الحركات، بل تؤكّد في مختلف أعمالها على أنها “حركة نماذجها من ذاتها”، وذلك لسببين رئيسين: أولهما أنها أنشأت نماذجها الذاتية (نموذج المدرس والتاجر والداعية) اقتداءً حيًّا ومعاصرًا بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته، ثانيهما: اختيار الحركة للتعليم لبناء ما يسمى “بالنموذج الذاتي”، أي بناء الإنسان وتربيته على القيم الإسلامية لتحقيق “مهمة التبليغ”، التي يعتبرها الأستاذ فتحُ الله كولن المهمة الأساسية لكل مسلم في الحياة.

الخدمة‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بممارسة‭ ‬العمل‭ ‬الإسلامي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والدعوي‭ ‬داخل‭ ‬تركيا،‭ ‬بل‭ ‬امتدّ‭ ‬نشاطُها‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬التركية‭ ‬وفي‭ ‬أكثر‭ ‬مِن‭ ‬مائةٍ‭ ‬وستين‭ ‬دولةً‭ ‬حول‭ ‬العالَم؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعلها‭ ‬نموذجًا‭ ‬جديرًا‭ ‬بالدراسة‭ ‬والتحليل‭.‬

وفي سبيل ذلك ظلت الحركةُ محافِظةً على استقلالها وعدم تبعيتها لأيّ دولة أو منظمة؛ يقول الأستاذ مصطفى يِشِيل -رئيس وَقْف الكتّاب والصحفيين في تركيا، الذي يرأسه كولن فخريًّا-: “فكما أن الحركة لم تكن في يوم من الأيام تابعة لإرادة أي بلد في الخارج، كذلك هي لا تتبع لإرادة أي مؤسسة أو منظمة في الداخل. فهي حركة مستقلة لا تخضع لإرادة وسيطرة أي دولة أخرى في العالم. وهي تتميز باستقلاليتها التامة من كل النواحي، من حيث مواردها ومنهجها في الفكر والعمل ومسيرتها في هذا الدرب، ومن حيث برامجها ومشاريعها المختلفة. وتلك الاستقلالية الشاملة هي أهم ميزة تتميز بها الحركة”(27).

ومن السمات البارزة في الحركة التفاني في الخدمة والفناء عن الذات؛ يقول الأستاذ أنس أَرْﮔَنَه: “إنّ مفهوم “الخِدْمة” في هذه الحركة يتوجَّه إلى رُوح نذْرِ النفس في الإنسان لخدمة المجتمع، والتدين الاعتيادي لا يستطيع حَمْل مثل هذه التضحية والصبر عليها، لأن حدود التدين الاعتيادي معلومة؛ فلكل مِن الصلاة والصوم والزكاة والحج… إلخ، حدوده ومقداره وحجمه وإطاره، أمّا مفهوم “الخدمة” في هذه الحركة فهو يَعرض شمولاً أوسع وديمومة أكبر، وعند ذِكر “رَجُل الخِدْمة” يتبادر إلى الذهن صورة إنسانٍ ناذرٍ نفْسَه للإنسانية وللتضحية والإيثار، وذي قَلْبٍ واسعٍ يحتضن البشرية كافة. وهذا الأمر يستوجب حبًّا كبيرًا للدين وللأمّة وللإنسانية، لذا فإنّ الذين احتضنوا الحركة كانوا مستعدِّين دائمًا للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل كسب رضى ربِّهم بحبٍّ عميق وإيمانٍ راسخ”(28).

2- أهداف حركة كولن

يؤكِّد الأستاذ فتح الله كولن على أنه قَبل القيام بأيّ نشاط أو عمل، يجب تحديد الهدف والغاية، حتى لا تغلَّ الوسائلُ يد الإنسان وتربطه بها، وأن يكون الهدف واضحًا حتى لا تتعدد الأهداف ويظهر الاضطراب والفوضى، وأن يظل الهدف حاضرًا في بؤرة الشعور والوجدان، حتى لا ينحرف النشاط عن الهدف، مثلما ينحرف الإنسان الذي نسي الغاية من وجوده وخلقه ويعمل ضد نفسه ويضرُّها(29).

ويمكن اختزال أهداف الحركة في هدف واحد وهو العمل طلبًا لرضا الله ، فقد جَعل كولن رضا الله تعالى على قائمة الأهداف التي تسعى إليها الحركة في خدمتها للحق والخلق، بل إنَّ كل الأهداف الإضافية تستحيل إلى عدّة وسائل إزاء هذا الهدف الحقيقي؛ حيث يقول: “وحسَب المنظور الإسلامي، يُعَدُّ المقصود حاصلاً بنوال الهدف البدهي لكل حركة أو انطلاقة، وهو رضا الله تعالى. وسواء بعد ذلك إن تحققت نتيجةُ الخدمات المقدَّمة باسْمِ أمّتنا بارتقائها إلى المكان اللائق بها في التوازن الدولي، أو لم تتحقق؛ فإن المؤمن يسعى لنوال رضاه تعالى في كل خدمة إيمانية وكل فعالية دعوية. فبهذه النظرة يتحول غيرها من الأهداف إلى أهداف إضافية واعتبارية وإلى مجردِ وسائلَ تؤدي إلى الهدف الحقيقي”(30).

وتَمثُّلُ هذا الهدف دائمًا كفيل بحماية الحركة من عوامل الانهيار والسقوط؛ يقول كولن: “يجب أن يكون الخالق العظيم، وابتغاءُ مرضاته هدفَ صاحبِ كل دعوة، وإلا دخلتْ إلى الساحة الكثير من الأصنام، وتلبَّس الباطلُ بلباس الحق، وظهرتْ الأهواء والشهوات في مظهر الفكر، وارتُكبتْ جرائم عدّة باسم الجهاد”(31)، “وبمقياس وضْعِ رضا الله تعالى كغاية الغايات ستهب في المقابل عنايته ورعايته وحمايته”(32).

المحور الثالث: آليات الخدمة في الدعوة والإصلاح

شهد العالَم الإسلامي العديد من الدعوات والحركات التي حملتْ شعارات الإصلاح والتجديد إلا أنها في معظمها لم تؤت ثمرتها المرجوّة ولم تحقق الغاية المنشودة، وذلك لعدة أسباب؛ من أهمها الخلل في الرؤية وفقدان التوازن بين عوامل النهوض، واختزال الإصلاح في أحد أبعاده الاقتصادية أو السياسية أو الإدارية…إلخ، والخضوع لضغط ذلك البُعد؛ كتلك الحركات التي ترى -على سبيل المثال- أنّ الإصلاح لا يكون إلا من خلال السياسة، وأنها هي وحدها الكفيلة بحل جميع المشكلات، فتخوض في هذا المجال صراعًا يُنهك قواها لتعود في النهاية بخُفَّي حُنين. وكذلك ظهرت حركات تركِّز على جوانب تتعلق بالدين؛ مثل محاربة البدع والتخلُّف. وهناك من دعا إلى الحداثة واتخاذ الوسائل العصرية وتقليد مظاهر الحضارة الغربية، إلى غير ذلك من الدعوات الإصلاحية، التي لم تخْلُ -مهما كانت أهدافها- من عوادي الزمن ومعاول الهدم.

وتتميز رؤية كولن للإصلاح والتجديد بأنها تنطلق من الإدراك الكامل لقضية الخاتمية والخلود والعالَمية للرسَّالة الإسلامية، والذي يعني القدرة على العطاء والإنتاج المتجدد للنماذج في المجالات المتعددة، والصلاحية لكل زمان ومكان. ومن ثم فهو يرفض الفكر التجزيئي، ويبني مفهومه للإصلاح على رؤية متكاملة، شاملة لجميع أنشطة الحياة، تتشكل تلك الرؤية في ضوء الإمكانات المتاحة، ووسائل تطويرها والارتقاء بها وتعظيم دورها. وكولن شمولي الفكر والفهم لِكُنه الإسلام، أوتيَ حظًّا وافرًا مِن سَعة الأفق وبُعد النظر؛ وقد قال لنا أحد تلامذته: “الأستاذ شموليّ الفكر، لا يدركه إلا من كان شموليًّا مثله”(33).

وقد قامت حركة كولن بتنفيذ تلك الرؤية من خلال الآليات التالية:

1- وسائلُ حَرَكةِ  كولن في مُكافَحةِ الجَهْل

الجهل هو أكبر عدو للإنسان وأساس انتكاسته، وأخطر شيء على دعوة الإسلام؛ لأنه يَحرم الإنسان مِن التعرُّف على خالقه وحُسن التعريف به، ويحجب عنه الوعي بأمور دينه ودنياه، بالصورة الصحيحة الملائمة التي تنهض به وبدينه وأمّته؛ ولهذا كانت أوّل آيات الذكر الحكيم نزولاً، تشتمل على دعوة صريحة إلى القراءة والتعلم؛ قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق:1-2).

لا‭ ‬تكاد‭ ‬توجد‭ ‬مدرسة‭ ‬تابعة‭ ‬لحركة‭ ‬كولن‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬دُول‭ ‬العالَم‭ ‬إلا‭ ‬ويوجد‭ ‬معها‭ ‬مركز‭ ‬للثقافة‭ ‬والحوار‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬أو‭ ‬إفريقيا‭.‬

من هذا المُنطلق كَثّفتْ حركةُ كولن جهودها، مِن أجْل استنقاذ الأمّة من براثن الجهل، وإعداد “الجيل المنشودّ” الذي يتمكن باقتدار من حمل مشاعل الهداية إلى أرجاء الدنيا، مِن خلال وسيلتين عظيمتين هما التعليم والإعلام؛ أمّا التعليم فهو الآليّة المركزية في بلوغ المقاصد الكبرى لحركة ﮔُوْلَن، وهو قناة التواصل الأساسية للرؤى التي تحملها، والقيم والأفكار التي تبشِّر بها. وكانت أول مَدرسة تم فتحها بتشجيعات الأستاذ فتح الله كولن لأصحاب الهمّة العالية هي “مدرسة يامَنْلار الخاصة للعلوم الطبيعية” Yamanlar College في محافظة إزمير بغرب تركيا سنة 1982، بعد ذلك مباشرة “مدارس فاتح الخاصة” في إسطنبول، ثم “مدارس سمانيولو” في أنقرة، وهكذا حتى وصل عدد هذه المدارس في تركيا إلى أكثر من ألف مدرسة. كما تم فتح مدارس في دول أخرى خارج تركيا منذ بداية التسعينات، وتحديدًا في عام 1991 وذلك في آسيا الوسطى إثر انهيار الاتحاد السوفيتي(34)، ثم امتد نشاطها إلى معظم دول العالَم. والهدف من هذه المدارس هو غرس العلم مع القيم المنبثقة من الإيمان يقول الأستاذ أنس أركنه: “ومع أن هذه المدارس دون شك لا تركز على العلوم الدينية، لكنها تضع وحدة القلب والعقل في مركز نظامها التعليمي ومنظومتها العلمية والفكرية. وبتعبير آخر: فهي تسعى إلى تأكيد ضرورة كون الإنسان متلائمًا مع المجتمع ومع البيئة ومع الخالق سبحانه. تسعى إلى وضع أنموذج إنسان، ومجتمع يحترم تاريخه وتقاليده وجذوره الإيمانية وهويته الاجتماعية، مع فكر علمي حديث، ومنفتح على كل جديد، يثق بنفسه وبمستقبله. لذا لم تكن هذه المدارس -بكوادرها النشطة والموفقة والمعاصرة- ناجحة في تركيا فقط بل في كل بلد عملت فيه”(35).

وهذه شهادة من أحد أساتذة الفاتيكان في روما وهو السيد توماس ميتشل س . ج حيث يقول: “إنني لستُ عضوًا في حركة كولن ولا حتى مُسْلمًا، ولكن أتيحت لي الفرصة لزيارة العديد من تلك المدارس في عدد من الدول، ومقابلة فريق العمل الإداري الخاص بالتدريس، كما التقيتُ بطلاب مسلمين وغير مسلمين وبآبائهم، والتقيتُ بمعلمين غير مسلمين في هذه الأماكن. وعندما أقرأ المُثُل التي يُعبِّر عنها كولن في كتاباته، أجدها تطبَّق بشكل مؤثر في حياة الأشخاص المنتمين إلى الحركة، وهم أناس عصريون ومطلعون بشكل جيد على العلوم الدنيوية، لكن لديهم اهتمام حقيقي بالقيم الروحية والإنسانية، وهي نفس القيم التي يسعون إلى نقلها للطلاب من خلال سلوكهم الشخصي، وهم يقدِّمون تعليمًا ممتازًا، يجمع بين أحدث التكنولوجيات المتقدمة وبين تشكيل الشخصية والمُثل العليا. إنّ “مدارس الخِدمة” -في رأيي- هي الدليل الأكثر فاعلية على صحة جهود كولن للتوفيق بين الحداثة والقيم الروحية، فهي إحدى الجهود التعليمية الرائعة الواعدة في العالَم في وقتنا الراهن”(36).

وقد احتضنت الحركة طلابها في جميع مراحلهم التعليمية من الروضة إلى الثانوية، وأنشأت بيوتًا للطلبة ومراكز للتقوية ومعاهد تحضيرية لمرحلة الجامعة، وجامعات أيضًا في تركيا وخارجها، ومن أشهرها جامعة الفاتح في اسطنبول، وكذا أكاديمية لتقوية طلبة كلية الإلهيات.

وبهذه اللغة العالمية؛ لغة التربية والتعليم، استطاعت حركة كولن أن تُعبِّر من خلالها عن مبادئ سامية، وأن تُقدِّم مثالاً حيًّا للمسلم الناضج، المنفتح على العالَم والمحب للإنسانية، الذي هو كالغيث حيثما حَلَّ نَفع.

وبما أن “الإعلام” قد أصبح سحر عصرنا الحاضر بوسائله التقنية، وفنونه المختلفة، وسرعة بثّه، وقوة تأثيره ونفوذه، وبراعته في تزيين ما يريد تزيينه، وتشكيل ما يريد تشكيله مِن أفكار وقناعات واهتمامات، فقد أدرك الأستاذ فتح الله كولن مبكرًا، وبحكم تجربته التربوية، وتفهمه لقضايا ومشكلات مجتمعه، أنه لم تعد الأسرة والمدرسة وحدهما عُنصري التربية الرئيسين للطفل والشباب، وسائر أفراد المجتمع؛ فقد صار الإعلام هو الآخر شريكًا أساسيًا في صياغة الإنسان، كما هو وسيلة أساسية من وسائل نشر الفكر والدعوة؛ لهذا قررت حركةُ كولن خوض هذا المجال بكل أبعاده؛ مِن أجْل تسخيره لخدمة الحق والخير، وتقديم البديل المتفوِّق الذي يُخَلِّص الناس مِن أسْر التبعية، ويوفِّر المناخ المناسب لعملية اليقظة، والتحوُّل من مجتمع الغفلة والسبات إلى مجتمع الصحوة والبصيرة، وذلك من خلال صحيفة محايدة تتبنى قضايا الناس وهي صحيفة “زمان” التي تأسست عام 1986، ثم تتطوَّرت حتى أصبحت تحقق أعلى معدل توزيع بين كل الصحف في تركيا، كانت زمان أول صحيفة تركية يكون لها موقع إلكتروني على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) منذ عام 1995، و في يناير عام 2007 صدرت النسخة الإنجليزية من صحيفة زمان وتُعرف باسم “زمان اليوم” (Today’s Zaman)، كما كان يتم توزيع طبعات دولية خاصة بلغات متعددة في كل من آسيا وأوروبا وأمريكا، وكانت تصدر عن مجموعة “زمان” أيضًا، مجلة إخبارية أسبوعية تُسمى “أكسيون” ومجلة أكاديمية تصدر كل شهرين Turkish Review.

وإذا كان أسلم طريق للوصول إلى نبأ صحيح في أسرع وقت هو اختيار مصدر موثوق وفاعل والاعتماد عليه؛ فقد قامت حركة كولن في عام 1992 بتأسيس وكالة للأنباء تُعرف باسم “جيهان”(37)، وقد نجحت “زمان” و”جيهان” في صُنع إعلامٍ نظيف يقتعد غارب الحداثة والتكنولوجيا ويحافظ في الوقت ذاته على قيم الإسلام ومبادئه.

كذلك قامت الحركة بإصدار عدد من المجلات داخل تركيا وخارجها تهدف إلى تربية جيل على أساس علمي إيماني؛ مثل: مجلة “سِيْزِنْتِي” (Sızıntı) أيْ: الرشحة أو النفحة. ومجلة “يني أوميت” (Yeni Ümit) أيْ: الأمَل الجَديد و مجلة “يَغْمور” (Yağmur) أيْ: الغيث، ومجلة حراء وغيرها.

وبما أن دور النشر هي أحد الأدوات المهمة التي يمكن من خلالها طباعة ونشر وتوزيع المادة الدعوية المكتوبة إلى مختلف أنحاء العالَم، فقد تمكنتْ حركة كولن من امتلاك أكبر دار للنشر في تركيا تمتد فروعها إلى دول عدة في الشرق والغرب؛ وتُعرَف باسْم: “مجموعة قايناق للنشر الثقافي” Kaynak Kültür Yayın Grubu، و”قايناق” كلمة تركية تعني المورد أو الينبوع. كما ساهمت الحركة في مجال الإعلام المرئي والمسموع بإنشاء محطة تلفزيون “سَمَانيولو”(38) (Samanyolu) أيْ: المجرّة أو درب التبانة، أو كما يطلِق عليه المشاهدون STV، وبدأت إرسالها في 13 يناير عام 1993. ومن الوسائل الإعلامية المهمة التي استخدمتها حركة گُوْلَن في نشر الدعوة ودعم مساراتها العلمية والعملية والفنية؛ المؤتمرات والندوات الدولية؛ وذلك مِن خلال مناقشة مشكلاتها والعقبات التي تعترضها وكل ما يهمها.

مما سبق يتضح أن حركة كولن قد استفادت من كل وسائل العصر الحديث، وجدَّدتْ مفهوم التبليغ التقليدي المعتمد على الوعظ في المساجد وعلى أعواد منابرها، واتَّخذت من الصحف والمجلات والإذاعة والتلفاز والإنترنت، منابر عصرية تنشر من خلالها رسالة الدعوة والثقافة الإسلامية، عملاً بوصية الأستاذ فتح الله كولن الذي أكد على أهمية أن يكون هناك فريق يؤنس وحشية الصحف والمجلات والراديو والتلفزيون ووسائل الإعلام القوية، ليجعلها صوتًا ونفَسًا للدين والملّة من وجهة، ويرشد بها من وجهة أخرى الأحاسيس السوداء والأفكار القاتمة والأصوات المدلهمة إلى سبيل الصيرورة الإنسانية”(39).

2- وسائلُ حَرَكةِ كولن في مُكافَحةِ الفَقْرِ

الفقر هنا يمكن تعريفه بأنه ذلك الحرمان الماديّ الذي يترتب عليه التدنِّي في كافة المستويات؛ فعلى المستوى الديني مثلاً نجد بعض الناس في الدول الأشد فقرًا، يُبدِّلون دينهم إرضاءً لمن يُقدِّم لهم الغذاء والكساء والدواء، وهناك من يشك في حكمة الخالق لِما يراه من سوء توزيع للثروة، ولهذا رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا”. (رواه البيهقي في شعب الإيمان والطبراني في كتاب الدعاء) ونظرًا لِما يشكِّله الفقر من خطورة عظيمة على كافة المستويات والأصعدة، فقد عملتْ حركة كولن على الإسهام بشكل فعّال في معالجة تلك المشكلة، والحد من آثارها السلبية على الفرد والمجتمع والأمَّة؛ وذلك من خلال عدة مشروعات كان من أهمها: جمعية الإغاثة العالمية “كِيمْسا يوكْمُو”(40) (Kimse Yok Mu) أيْ: “هل من مغيث؟” للتضامن والمساعدة؛ التي تأسست في 13 يناير عام 2002، وأخذتْ تواصل أنشطتها الخيرية وفعالياتها التطوعية في محافظات تركيا الواحد وثمانين، عبر أربعين فرعًا لها، وكانت تُقدِّم أنشطتها الخيرية لملايين الأشخاص في 113 دولة حول العالم، من خلال مائتين وثمانية آلاف متطوع، وما يزيد عن ثلاثة ملايين متبرع؛ لتستحق نيل جائزة “الخدمة الفائقة” من الأمم المتحدة عام 2008، كما حصلتْ على مقعد عضو استشاري في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة (ECOSOC)، وهي المؤسسة التركية الوحيدة التي تعمل منذ عام 2010 وحتى اليوم، بالتعاون مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) من أجل توفير احتياجات اللاجئين في تركيا في مجالات مثل التعليم والصحة والغذاء.

لابد‭ ‬من‭ ‬ترجمة‭ ‬الأفكار‭ ‬والمناهج‭ ‬الدعوية‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬ومشروعات‭ ‬حضارية‭ ‬كبرى‭ ‬تُخاطِب‭ ‬العالَم‭ ‬أجمع؛‭ ‬لأن‭ ‬توقّف‭ ‬العقل‭ ‬المسلم‭ ‬عن‭ ‬الحركة‭ ‬والامتداد‭ ‬يُحدِث‭ ‬فراغًا‭ ‬يتيح‭ “‬للآخَر‭” ‬أن‭ ‬يتمدد‭ ‬فيه‭ ‬بمناهجه‭ ‬وبرامجه‭ ‬وأفكاره‭.‬

وقد اكتسبت صفة “الجمعية العاملة للصالح العام” بقرار مجلس الوزراء الصادر في 19يناير 2006، كما حصلتْ بقرار مجلس الوزراء الصادر في 6 فبراير 2007 على صلاحية “جمع التبرعات دون تصريح”. وفي عام 2014، كانت “كيمسا يوكمو” هي الأولى من بين مؤسسات المجتمع المدني التركية، التي دخلت ضمن قائمة أفضل مائة مؤسسة مجتمع مدني خيرية على مستوى العالم، في التصنيف الذي أعدته مؤسسة جنيف الفكرية الدولية(41).

3- وسائلُ حَرَكةِ  كولن في مُكافَحةِ الفُرْقَةِ

“الفُرقة” إحدى المعضلات الرئيسة التي تعاني منها أمَّة المسلمين، وهي عند حركة كولن إحدى زوايا مثلث التخلف الحضاري الذي يضم أيضًا “الجهل” و”الفقر”؛ والذي نذرتْ الحركةُ نفسها لمكافحته، لأن الفُرقة والكراهية والتعصب والاستقطاب ونفي الآخَر، هي كلها أجواء غير مناسبة للدعوة إلى الله تعالى، وتتنافي مع روح الإسلام وسماحته وإنسانيته، ولمكافحة الفرقة اتخذت حركة كولن من “الحِوار” قاعدة إسلامية للتفاهم، وسبيلاً للتعايش السلميّ، والتعاون المشترك والاحترام المتبادل محليًّا وعالَميًّا. وقد فَعَّلتْ حركة كولن لغة التسامح والحوار من خلال عدة آليات منها:

أ- وَقْفُ الصحفيين والكُتَّاب

هي مؤسسة خيرية جمعوية، يدل عليها وصفُها بالوقف، هدفُها حَلّ النزاعات وإرساء ثقافة الحوار، وهي ذات مقاييس عالمية عالية حيث أصبحتْ هيئة استشارية تابعة للأمم المتحدة، وقد أنشئت بتشجيع من الأستاذ فتح الله كولن عام 1994، بل هو الذي خط لها خطواتها الأولى بنجاح، فكانت البداية في تركيا، ثم ما لبثت أن صارت عالمية بكل المقاييس.

بـ- مؤسسات الحوار العالمية

بعد نجاح مؤسسة “وقْف الصحفيين والكتَّاب” في خلق حالة مِن الوئام والتناغم والسلام المجتمعي؛ قررتْ حركةُ كولن تعميم الفكرة وتأسيس مراكز ومنتديات في كثير من دول العالَم من أجْل الحوار والتعارف والقضاء على الاستقطاب والعداء والتعصب بين الطوائف والجماعات، واتخاذ التدابير الملائمة لتعزيز السلم العام وتحقيق الأهداف في تعزيز وتشجيع احترام الأديان وحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون تمييز أو تفرقة على أساس الدين أو الثقافة أو العِرق أو الجنس أو اللغة؛ ويوجد في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها أكثر من خمسين مركزًا ومنتدى للحوار تابعين للحركة، مثل معهد جُزُر السلام “PII “Peace Islands Institute في كل من نيويورك ونيوجرسي وبنسلفانيا، و”منتدى الرومي” لحوار الأديان والتفاهم بين الثقافات (Rumi Forum) ومقره العاصمة واشنطن، والحقيقة أنه لا تكاد توجد مدرسة تابعة لحركة كولن في أيّ دولة من دُول العالَم إلا ويوجد معها مركز للثقافة والحوار سواء في أوروبا أو في آسيا أو إفريقيا.

جـ- رحلات الحوار بين الأديان

لا تتوقف حركة كولن عند الوسائل التقليدية للحوار والتقارب مع الآخَر؛ ولكنها تبتكر أفكارًا وبرامج جديدة وجذابة، ومن هذه البرامج المبتكرة برنامج يُدعَى: “Be Muslim for a month” أيْ: “كُن مسلمًا لمدة شهر”؛ وهو برنامج سياحي يُقدِّم دعوات لسيّاح غربيين غير مسلمين ليقضوا شهرًا في إسطنبول، وغالبًا ما يكون في شهر رمضان حيث الروحانيات المرتفعة، وخلال هذه الرحلة يعيش السائح الغربي الحياة الإسلامية بكل تقاليدها، ويتم دعوته لحضور الصلوات الخمس، وزيارة الآثار الدينية في تركيا، والاستماع إلى محاضرات بعض من اعتنق الإسلام من الغربيين لعرض تجربتهم وكيف ساعدهم الإيمان على سعة الأفق والتفاعل مع العالَم، ولمزيد من التقارب والتعارف تستضيفه بعض الأسر التركية الملهَمة بفكر الأستاذ فتح الله كولن. والهدف من هذا البرنامج هو تحسين صورة الإسلام لدى الغرب التي شوهها المغرضون، والقضاء على ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، والسعي نحو مزيد من الشعور بالوحدة بين الناس. تقول الباحثة الأمريكية هيلين روز: “منذ عام 2005 أصبح مئات الأمريكيين مطلعين على حركة كولن نتيجة للمشاركة في رحلات الحوار بين الأديان إلى تركيا التي ترعاها مؤسسات تابعة لحركة كولن، ونشأت تلك الرحلات في هيوستن وتكساس وانتشرت في أنحاء الولايات المتحدة، ويتعرف المشاركون في الرحلات -التي تتراوح مدتها من ثمانية أيام إلى عشرة- على المواقع التاريخية والثقافية والدينية في تركيا، وتوفير فرصة للتفاعل مع عائلات مسلمة، وليس الغرض من تلك الرحلات بأي شكل من الأشكال التعبئة للحركة، بل هي رحلات يتم تنظيمها للترويج للحوار بين الأديان”(42).

وميزة هذا البرنامج أنه يعتمد على الاحتكاك المباشر ومعايشة الحياة الإسلامية عن قرب، فالتأثير فيه أعظم والصدق فيه أبين من كل كلام يمكن أن ينشر في كُتب أو يدبج في مقالات أو يذاع في مؤتمرات، وهذا ما جَعل الدكتور أحمد محرّم مدير هذا البرنامج في مؤسسة “وقف الصحفيين والكتّاب” يستشهد بالمثل الإنجليزي القائل: “إذا كلّمتني فسأنسى، إذا رأيتني ربما أتذكر، إذا شاركتني فلن أنسى”(43). وإذا كان الحوار والتعارف والتعاون المشترك هو أحد الأبعاد المهمة من وراء الفعاليات المتعددة للمؤسسات التابعة لحركة ﮔُوْلَن؛ فإن هذا البُعد في الأصل يخدم بُعدًا أكبر وهدفًا أسمى وهو تبليغ دين الله تعالى إلى آفاق الدنيا، لأن جميع الفعاليات التي تقوم بها الحركة في شتى المجالات هدفها إبراز جمال الإسلام وعظمته، ودون أن تُبرز محاسن الإسلام وعظمته لا يمكن أن توصل شيئًا للآخَرين، ولا يمكن أن تحبب الناس في هذا الدين، وإنما يتم هذا من خلال إظهار الإنسان المهذب النبيل النموذجيّ. هذه هي خلاصة فكر الأستاذ فتح الله كولن وحركته الذي استطاعت من خلاله أن تشكِّل طلائع متقدمة للأنموذج الإسلامي الذي يثير الاقتداء ويُغري بالاتّباع.

الختام

ختامًا نخلص من هذه الدراسة إلى أنه لابد من ترجمة الأفكار والمناهج الدعوية إلى برامج ومشروعات حضارية كبرى تُخاطِب العالَم أجمع؛ لأن توقّف العقل المسلم عن الحركة والامتداد يُحدِث فراغًا يتيح “للآخَر” أن يتمدد فيه بمناهجه وبرامجه وأفكاره.

الهوامش

(1) فتح الله كولن، ترانيم روح وأشجان قلب، دار النيل، القاهرة، طـ6، 2013، ص194.

(2) أَرْطُغْرل حكمة، فتح الله ﮔولن قصة حياة ومسيرة فكر، دار النيل، القاهرة، طـ1، 2013، ص90.

(3) المرجع السابق، ص20.

(4) فتح الله كولن، شد الرحال لغاية سامية، دار النيل، القاهرة، طـ1، 2015، ص229.

(5) ذكر الأستاذ كولن في درس له بعنوان: “ثنتان من المؤيّدات للحفاظ على نشاط الحياة الدينيّة” أنه كان في الرابعة عشرة عندما وعظ للمرة الأولى في مسجد قريته. ينظر: www.herkul.org.

(6) عبد الرحيم بن محمد المغذوي، الأسس العلمية لمنهج الدعوة الإسلامية دراسة تأصيلية على ضوء الواقع المعاصر، دار الحضارة، الرياض، ط2، 2010، ص74.

(7) ينظر: فتح الله كولن، طرق الإرشاد في الفكر والحياة، دار النيل، القاهرة، ط4، 2008،  ص169،170.

(8) فتح الله كولن، أضواء قرآنية في سماء الوجدان، دار النيل، القاهرة، دار النيل، القاهرة، ط5، 2010، ص199

(9) فتح الله كولن، طرق الإرشاد، مرجع سابق، ص87.

(10) المصدر السابق ص125.

(11) فتح الله كولن، أضواء قرآنية، مرجع سابق، ص117.

(12) فتح الله كولن، طرق الإرشاد، مرجع سابق، ص159.

(13) المصدر السابق، ص158.

(14) المصدر السابق، ص126.

(15) فتح الله كولن، طرق الإرشاد، ص163.

(16) عليكم بالبصيرة، من دروس الأستاذ فتح الله كولن المترجمة والمنشورة على الموقع الإلكتروني (هِرْكُل) www.herkul.org

(17) فتح الله كولن، طرق الإرشاد، مرجع سابق ص149.

(18) المصدر السابق، ص115.

(19) ينظر: أسئلة العصر المحيرة، للأستاذ فتح الله كولن، دار النيل، القاهرة، طـ4، ص13/15 و 58/59.

(20) ديوان أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، دار بيروت، 1983، ص524 .

(21) نقلا عن الأستاذ جمال ترك أثناء ملتقى حراء للأكاديميين والباحثين في فكر فتح الله كولن ونموذج الخدمة 23 -30 ديسمبر 2013 إسطنبول.

(22) موشور للأستاذ كولن، مجلة حراء، العدد: 40 ص32.

(23) فتح الله كولن، ونحن نقيم صرح الروح، دار النيل، القاهرة، ط4، 2008، ص23.

(24) هيلين روز ايبَو، حركة كولن تحليل سوسيولوجي لحركة مدنية جذورها الإسلام المعتدل، تنوير للنشر والإعلام، القاهرة، طـ1، 2015، ص104.

(25)  ألب أصلان دوغان، ما هي حركة كولن؟ من مقال منشور على موقع حركة الخدمة الإلكتروني.

(26) م. حاقان يافوز، نحو تنوير إسلامي: حركة فتح الله كولن، ترجمة: شكري مجاهد، منتدى العلاقات العربية والدولية، قطر، ط1، 2015، ص109.

(27) مِن حوارٍ صحفي مع الأستاذ مصطفى يشيل بعنوان: “حركة الخدمة ليست طرفًا سياسيًّا ولا تعادي أحدًا”، في 18/1/2014 على الموقع الإلكتروني لوكالة جيهان للأنباء https://ar.cihan.com.

(28) أنس أركنه، فتح الله كولن جذوره الفكرية واستشرافاته الحضارية، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، ص50/51.

(29) ينظر: فتح الله كولن، الموازين أو أضواء على الطريق،دار النيل، القاهرة، طـ3، 2006، ص21/22/23.

(30) فتح الله كولن، ونحن نبني حضارتنا، دار النيل، القاهرة، طـ2، 2011، ، ص48.

(31) فتح الله كولن، الموازين، مرجع سابق، ص22.

(32) فتح الله كولن، أضواء قرآنية، مرجع سابق، ص110.

(33) هو الأستاذ جمال تُرك، وذلك في لقاء على هامش ملتقى حراء، للأكاديميين والباحثين في فكر الأستاذ فتح الله كولن، ونموذج الخدمة (24-29 ديسمبر 2013) إسطنبول.

(34) د. علي كرامانلي، نظرة جديدة إلى الوقف والتربية “حركة المثقف والعالم التركي محمد فتح الله كولن نموذجًا”، بحث محكم ضمن مجلة “أوقاف” الكويتية، العدد: 20، مايو2011، ص124

(35) أنس أركنه، فتح الله كولن، مرجع سابق، ص293.

(36) توماس ميتشل س.ج.، التصوف والحداثة في فكر فتح الله كولن، وهو بحث ضمن كتاب: السلام والتسامح في فكر فتح الله كولن، إشراف: د/ زكي ساريتوبراك، صـ61/62.

(37) أغلقت الحكومة التركية، صحيفة “زمان” ووكالة “جيهان”، بعد أحداث الانقلاب الفاشل عام 2016، في إطار حملتها ضد الخدمة.

(38) أغلقت الحكومة التركية أيضًا مجموعة “قايناق للنشر الثقافي”، ومحطة تلفزيون”سَمَانيولو”.

(39) فتح الله كولن، ونحن نقيم صرح الروح، ص31.

(40) أغلقت الجمعية فيما بعد من قِبل الحكومة التركية.

(41) هامش ص133 من كتاب: حوارات مع الأستاذ فتح الله كولن كلمات شاهدة حول الدين والمجتمع والدولة بأفق إنساني.

(42) هيلين روز، حركة كولن “تحليل سوسيولوجي لحركة مدنية جذورها الإسلام المعتدل، مرجع سابق، ص28و29.

(43) من لقاء مع نائب مدير وقف الصحفيين والكتاب السيد أحمد محرم في مقر الوقف في إسطنبول، وذلك ضمن فعاليات ملتقى حراء للأكاديميين والباحثين في فكر الأستاذ فتح الله كولن ونموذج الخدمة، في الفترة من 23-30 ديسمبر 2013 بإسطنبول.