لمَّا تأملت ما خطه الأستاذ “فتح الله كولن” بكتابه القيم “ونحن نبني حضارتنا” بمناسبة كلامه عن رسالة الإحياء، عنَّ لي الحديث حول الانبعاث الحضاري في مشروع الأستاذ “كولن”، وذلك من زاوية رؤية هذا الرجل لدور الأجيال في صناعة الحضارة، فهو القائل: “إن إحياءنـا “بالانبعاث بعد الموت” مرة أخرى، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأطقم عديدة من الأبطال، البالغين أنوار الحقيقة بعد اجتيازهم آفاق العلم، والمتحكمين في ضبط الرغبات والمتطلبات البدنية ضمن إطار الضرورات، والسامعين بوجدانهم دومًا أناشيد الماورائية تناديهم إلى الله، المعبرين عنه تعالى ببيان بلا حرف ولا لفظ ولا صوت في هيجانهم ونشيجهم، المتنفسين أنفاس أنسه شهيقًا وزفيرًا”(1). ولأن هذا الرجل خبير بأهمية الحضارات وأنظمتها، وبالتاريخ وسننه، وبالأمراض التي تئن تحت وطأتها أمتنا، فلا يرى بديلاً عن التعويل في هذا البعث المنشود على ثقافتنا الذاتية ورؤيتنا الحضارية، وقد عبر عن ذلك في مناسبات عدة وبشتى الأساليب، ومن ذلك قوله: “ونحن اليوم بحاجة ماسة -قبل كل شيء- إلى غاية مأمولة سامية بعيدة المرام، هي انبعاثنا برؤيتنا الحضارية وبثقافتنا الذاتية”(2).

وبعدما أثارني ذلك، حاولت الوقوف عند هذا الموضوع بشكل أقرب، حينها قدّرت مدى حاجة الأمة إلى انبعاث جديد بعد فشل كثير من المحاولات. ومن خلال التعويل على صناعة جيل مثالي، تَوضَّح لي أن هذا منهج جديد يروم جعل هذا الجيل رافعة لانبعاث حضاري عالمي. وقد أسفرت هذه الوقفة العجلى عن البوح بأسراره من خلال هذه المحاور:

1- فشل المشاريع العالمية.
2- الحاجة إلى مشروع جديد.
3- صناعة جيل المشروع الجديد.
4- مصنع جيل المشروع؛ التعليم.
5- صفات الجيل المشروع.
6- صناعة الأجيال رافعة الانبعاث الحضاري.

1- فشل المشاريع العالمية

حركة الخدمة ظاهرة يجب الوقوف عندها وتأملها بشكل جدّي، لنفهم كيف قررت فئة قليلة ملَك الحبُّ قلبَها، أن تنطلق لنيل رضى الله إلى أرجاء الأرض، ملؤها العزم والثقة في انبعاث جديد.

بعدما فشلت كل الأيديولوجيات في جمع الأمم تحت سقف واحد، فقدَ الناس الثقة في كل المشاريع العالمية، فعمت الشكوك كل الأنظمة المعروضة عليهم. واليوم فإن الشعوب في تشرذم وخيبة أمل غير مسبوقة، حتى بات البحث عن مخرج للأزمة مطلبًا ملحًّا، وأصبح الحديث ساريًا عن أهداف سامية تجنب الناس الخيبة التي عاشوها أملاً في تجاوز الهفوات وطمعًا في واقع حضاري جديد. هذا ما خلص إليه الأستاذ كولن حين قال: “لم نعرف حتى اليوم أيديولوجية نجحت في جمع البشر في ظلها زمنًا طويلاً، بل لم نعرف أيديولوجية اكتشفت كل الضرورات اللازمة التي يتطلبها جمع البشر تحت سقف واحد. ومع الادعاءات الباهرة، لم تستطع الدول الغربية التي هيمنت على قسم واسع من الأرض في التاريخ القريب أن تحقق الأمان والحبور الدائم للعالم، ولا الشعوب الاشتراكية والشيوعية في الشرق، ولا “المحايدون” الذين سواء وجودهم وعدم وجودهم”(3).

من أجل ذلك يرى الأستاذ “فتح الله” ضرورة توجه المسلمين نحو أنفسهم والبحث في ذواتهم عن حل للمأزق الإنساني الحاضر، ويرى أن التعويل على أسلوب ذاتي هو المخرج من التخبط الذي نعيش فيه، وذلك اعتمادًا على إحياء إمكاناتنا المعطلة من إيمان وعقل وهمم أصيلة، مع بقائنا مسلحين بإرادة عالية وصبر كبير وأمل عريض.

2- الحاجة إلى مشروع جديد

قد تكون لعنة الفشل المتكرر الذي صاحبنا في محاولات عديدة، سببًا في دفعنا دفعًا إلى البحث عن مشاريع منقِذة نحو الشرق حينًا واتجاه الغرب أحيانًا. لكن وفي غفلة منا عن التاريخ وحقائقه، والكون وسننه، لم ننتبه بأن لنا سابقة في هذا المضمار كنا فيها أبطالاً. وسجل التاريخ أن أسلافنا استطاعوا فهم سنن الكون والعمل بها، حتى أصبحوا للعالم سادة ولأهله في زمنهم معلّمين وقادة. نعم، لقد أُنسينا أننا قادرون على النهوض من جديد وبالاعتماد على قدراتنا الذاتية.

وأنا أتأمل الكلام الدقيق لهذا الرجل والفكر العميق، لن أتردد في دعوة كل قارئ إلى إطالة التأمل في هذا القول: “لنضعْ جانبًا بلبلة التكوينات الجديدة في العالم، نحن لا نصدّق بولادة شيء جديد من الهندام الرأسمالي القديم، أو أحلام الشيوعية، أو تكسيراتها الاشتراكية، أو هجينها الديمقراطية الاجتماعية، أو خِرَق الليبرالية البالية، الحقيقة هي أنه إن كان ثَمّ عالَمٌ مشرّعُ الأبواب لنظام عالمي جديد، فهو عالمنا نحن، وقد يتناوله الجيل القادم على أنه عصر نهضتنا نحن”(4).

لقد تسبب ضياع إرث الأمة المجيد في اعتداءات شنيعة على حقوق الأمة ومكتسباتها، وقد نتج عن ضياع ذلك الإرث تثاقل وخمول غير مسبوق في تاريخ أمتنا. نتج عن كل ذلك طمع القاصي والداني فينا، حتى غطت جراحنا كل شاشتهم وعم دمارُنا جُلَّ موائد مشاوراتهم. والحال أننا -وكما كنا- نملك كل أسباب النهوض، بل القوة والريادة حالاً واستقبالاً، وهذا ما عبر عنه الأستاذ بعباراته المشفرة والتي تضمر في طياتها أكثر مما تبدي، وذلك من خلال كلامه: “تعرض الإسلام منذ حرماننا من إرث الأرض، إلى معاملة يتفطر لها القلب في برزخ ضعف المنتسبين إليه وتعدي خصومه وعـدم إنصافهم… ويبدو واضحًا أن إزالة واقعة الانحراف هذه، المزمنة والمستقرة، لن يتحقق بافتتاح بضع مدارس، أو عقد بضع مؤتمرات وندوات. إن إزالة هذا الانحراف الهرِم، بحاجة إلى اكتشاف أنفسنا من جديد، والعثور على ذاتنا، وإلى جهد متواصل وهمّة أصيلة… لا مناص من بعث حضاري والاقتراب من فهم الوجود بنظر إسلامي، وتقييم الأشياء كلها بالمنطق نفسه. ويلزم لذلك أولاً: الاستشعار فالتعقّل بالكائنات والإنسان والحياة بمعلومات، كأنها نغم مسبوك. ثانيًا: أن يحمل الإنسان العقل والفكر إلى تفهم المناسـبات بكلية وجمعية بمعانٍ ومحتويات وحكم لا تحصى، ككتاب لمنظومة حِكم غير متناهية”(5).

الأستاذ فتح الله يرى أن المسلمين إن وفقوا في بعث هذا الواقع من جديد فسوف تجتمع كل الجماهير الغاضبة من حولهم. لذا وجب علينا تحديد تلك الأهداف السامية، وتكون قيمنا الذاتية أساسًا ومحورًا لصياغة مشاريع تستوعب تلك الأهداف(6).

ومن عجيب منهج هذا الرجل أنه بقدر ما يحمل في جنباته من هموم لا تطاق، تجده يحمل أملاً عارمًا وتفاؤلاً غير محدود تجاه المستقبل؛ “إن عالمنا هذا ما زال قادرًا على تحقيق تكوين في الحاضر من جديد؛ لكن عليه أن يستعمل بشكل صحيحٍ وسليمٍ مرة أخرى المحركات التاريخية التي تُعدّ دمَ هذا الماضي العظيم العريق ولحمَه، استعمالاً صحيحًا”(7).

إنك تراه في الظاهر مسرعًا نحو هدفه المنشود، لكن بيقين راسخ في إمكانات الأمة ومحركاتها الذاتية، بل وبعزة على باقي الأنظمة التي سُوقت لنا داخليًّا أو هي في الطريق، لا لشيء سوى أنها أثبتت فشلها غير ما مرة، فضلاً عن تعارضها مع منطلقاتنا وأهدافنا السامية، وذلك حين قال: “فنحن لسنا بحاجة إلى حسنات ونُظُم فكرية تُستجدَى من الخارج أو الداخل، بل حاجتنا الماسة هي إلى أطباء روح وفكر يحفّزون في كافة أبناء أمتنا حس المسؤولية وشعور الهمّ المقدس… أطباء روح وفكر يُمَكّنون أرواحنا من الانفتاح إلى أعماق الماوراء وآفاق الغيوب بدلاً عن وعود السعادة المؤقتة الزائلة، ويرفعوننا بخطوة واحدة إلى مراتب نرى فيها المبدأ والمنتهى معًا”(8).

في ظل هذه الظرفية المريرة الحبلى بالمفاجِئات، واستحضارًا لكل الفرص والإكراهات، وتعويلاً على أصالة الأمة وما تحمله في ذاتها من إمكانات، لم يتردد فتح الله كولن في الانخراط بمشروعه من أجل بعث حضاري جديد، رافعته جيل مثالي فريد. ودفعًا لكل شبهة، وردًّا لكل تأويل فاسد، أكد الأستاذ “نوزاد صواش” أن تجربة فتح الله كولن: “ليست بديلاً عن أحد وليست بديلاً لأحد، إنما تستفيد من الخبرة أينما كانت وتحاول أن تفيد الجميع وتتقاسم خبرتها مع الجميع”. وذلك في لمحة منه إلى بعض الجهات التي تحاول شيطنة هذا المشروع النموذجي، أو تشويه صورته الحضارية الرائعة.

نحن لسنا بحاجة إلى حسنات ونُظُم فكرية تُستجدَى من الخارج أو الداخل، بل نحن بحاجة إلى أطباء روح وفكر يحفّزون في كافة أبناء أمتنا حس المسؤولية وشعور الهمّ المقدس.

3- صناعة جيل المشروع الجديد

• الفلسفة أولاً: من أجل انبعاث صحيح، يرى الأستاذ “فتح الله” ضرورة صناعة جيل مثالي وتخريج نماذج فريدة تكون أساس المشروع ورافعة لهذا الانبعاث الحضاري قادرة على إنشاء أمة، والعمل على زرع فسائل المشروع الجديد في كل أرجائها من أجل المستقبل. هذا الجيل سيحج أفواجًا إلى أوطان جديدة رغم كل العوائق، من أجل معارك التغيير، سلاحهم العلم والعرفان والعشق لهدفهم السامي؛ “قد يبدو لأول وهلة أن النظام أثر من آثار الإرادة البديهة والعقل المجرد، لكن عقلاً لم يَدْخُل في طاعة الروح، ولم يجتث جذورَ الالتفات إلى الشر، ولم يُعْلِ ميول الخير فيه إلى عنان السماء، كثيرًا ما ينحرف إلى الفوضى…ولا بد أن تكون التربية التي تسمو به من درجة إنسان “بالقوة” إلى إنسان “بالفعل”، ذات أفقٍ رباني ومحورٍ وهبي… وينبغي أن يتحقق العقد الاجتماعي في أرفع درجة حسب ظروف العصر… تعاقد الوجدان المتيقظ إزاء القيم الإنسانية على عقد مرتبط ومحدّد باحترام مفاهيم الحق والحرية وحب الحقيقة”(9).

هكذا تفنن فتح الله كولن في تحديد فلسفة مشروعه الحضاري الكبير، عبر جعل الإنسان -وكما جعل الله تعالى- محور كل نهضة وتحضر، إنسان يغرق عقله في عالم الملك بقدر ما ترفرف روحه في عالم الملكوت، ويستمر في التقلب بين عوالم لا تنتهي، روحها عشق التقرب إلى حضرة مالك الملك والملكوت. بذلك فقط يعمل على صياغة عقد اجتماعي يتجاوز ما غرق فيه “جون جاك روسو” ويتعالى به عن مدينة أفلاطون.

• من الفلسفة إلى التنزيل: لقد ذكرتني كلمات الأستاذ كولن بنص للدكتور عبد المجيد النجار كنت أشرحه لطلبة الماجستير بجامعتنا يقول فيه: “وأحسب أن فقه التدين، بما هو منتج لتنزيل الدين على الواقع، ينبغي أن يتأسس على محاور ثلاثة رئيسة، هي الفهم، والصياغة، والإنجاز. أما الفهم، فهو فهم الدين باعتباره تعاليم هادية إلى الحق، وفهم الواقع الإسلامي الذي يراد إصلاحه… وأما الصياغة، فعلى إعداد التعاليم الدينية في هديها المطلق لنُكوِّن مشروعًا مقدرًا على قدر الواقع الزمني الذي يراد إصلاحه… وأما الإنجاز، فهو التنزيل الفعلي للمشروع الذي وقعت صياغته من حيث الكيفية التي يكون عليها ذلك التنزيل، والوسائل التي يتم بها، والمسالك التي ينبغي أن يَلِجها، والآداب التي تضمن حسن الأداء، وتفضي بالتالي إلى أن يؤتي المشروع أُكله في اندراج السلوك الفردي والاجتماعي في الهدي الديني”(10).

نعم، هكذا يرى علماء الأمة فلسفة البناء وفقه التنزيل، إلا أنهم وإن اشتركوا في فلسفة البناء، كان حضور الأستاذ كولن عبر فقه التنزيل شامخًا، بل إن الفلسفة في مشروع هذا الرجل تزوجت بالتنزيل في غفلة من الناس، حيث العديد منهم يجهل هذه الحقيقة في مشروع الأستاذ كولن. فتأمل هذا القول: “ولذلك، نؤمن -في هذا الوقت الذي نرجو فيه أن نكون أمة عظيمة-بضرورة منهج ومشروع بعقلية محترفة ومتخصصة، بل قبل ذلك بضرورة إعداد أجيال مثالية تحلم وتستهدف لإنشاء أمة عظيمة. إنَّ تحقيق هذا الفكر بدرجة معينة، وإنْ كان في دائرة صغيرة، وظهورَ نماذجه في آلاف الأبطال الذين تركوا دُورهم وأوطانهم مهاجرين كأمواج البحر إلى أرجاء الأرض المختلفة… هي أمثلة شاخصة ومهمة، تُرينا ما يمكن أن تفعله الأجيال التي تعلق قلبها بفكر سامٍ إلى حد العشق”(11).

نعم إنه الفقه الدقيق لمتطلبات المرحلة، فقه يستحضر اكتساح عالم الاقتصاد وتمكنه من القلوب قبل العقول، وتمرد العلوم وتغولها، وحضور شبح الفنون حتى سكنت كل الفضاءات. فبدا له هوس الناس بها، وشدة حاجتهم إليها، إلا أنه لا لجام قادر على ضبطها غير لجام الدين والخُلُق، حينها وضع يده على مكمن الداء. فالناس اليوم بين عبيد للمادة وأسرى للروح، وكلاهما منهجان متطرفان أثبت التاريخ -كما الجغرافيا- عجزهما عن إرجاع حق الأمة المغصوب فضلاً عن تحقيق الانبعاث المطلوب. وذلك حين قال: “لقد آن الأوان، بل يكاد يفوت، لكي نتحمل مسؤولياتنا إزاء مؤسساتنا في كل مجال مثل الدين والعلم والفن، والأخلاق والاقتصاد والأسرة، ونسمو بها إلى مواقعها الحقيقية في مسيرة التاريخ، ونحن -كأمة- ننتظر ونترقب طريق أبطال العزيمة والإرادة والجهد، الذين يحملون هذه المسؤولية”(12).

4- مصنع جيل المشروع؛ التعليم

إن الذين يقضون أعمارهم في إخلاص ووفاء واهتمام بالآخرين إلى درجة إهمال أنفسهم من أجل إحياء الغير، هم الوارثون الحقيقيون للحقائق التاريخية.

إن تمكن الأستاذ فتح الله كولن من علوم الشريعة وسعة اطلاعه على ثقافة العصر، مكَّناه من السباحة في بحر الفلسفات القديمة والحديثة، والإحاطة بعميق أمواجها التي كانت تقدم على شكل مشاريع مُغرية للبشرية عبر العصور. فلم يجد خيرًا من موجة التعليم مركبًا لتجاوز كل تلك الأمواج، ثم إن الريح العاتية التي عصفت بحضارة الأمة، لم تجد أمامها ركائز متينة تصدها، ولا جبالاً عاتية تصمد في وجهها، ثم إن العلم والتعلم بَصَم حياة الإنسان منذ وجوده على هذه البسيطة، حيث علّم الله تعالى سيدنا آدم الأسماء كلها، وبعد ردح من الزمن كان من أوائل ما أنزله على سيدنا محمد  سورة “اقرأ”، وهي دعوة مباركة إلى التعلّم والتعليم. وبعد خاتم المرسلين ورث سره في مهمة العلم والتعليم، العلماء المبجلون، قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ(الجمعة:2). لقد اختار الأستاذ كولن لصناعة جيل الرسالة الحضارية مصنعًا مباركًا وضع أسسه المتينة نبيّنا الكريم ، هذه الأسس حيرت المصلحين قديمًا وحديثًا؛ فقد كانوا جميعًا من خطابها، إلا أنها تمنعت عن الكثيرين منهم إلا من رحم الله. هذه الأسس الذهبية هي التي بنيت عليها حضارة الجيل المحمدي الأول؛ إنها وكما بيّنها لنا ربنا : التلاوة والتزكية والتعليم. إنه سر من الأسرار التي تلمسها الأستاذ كولن بمنهجه الدقيق وإيمانه العميق، والذي تفطن إليه وأخلص القصد في تحقيقه، فقدمه على طبق من ذهب إلى جيل جديد؛ بغية حمل المشعل مرة أخرى لقيادة انبعاث حضاري أصيل. نعم، بالتلاوة والتزكية والتعليم استطاع الأستاذ رتق ما انفتق في عالمنا المعاصر، فاحتضن العوالم بقلبه قبل كلماته التي سحرت الآلاف، بل الملايين من شباب هذا الجيل المتعطش لانبعاث حضاري جديد. إنه سحر التلاوة، وعبق التزكية وعبقرية التعليم. إنها نفحة المدرسة المحمدية: “لقد تكرر الكلام كثيرًا عن دعاوى البناء من جديد في عهود وأزمان متعددة وبقاع متنوعة من الأرض وبعناوين مختلفة، ولكن يبقى صدق هذه الدعاوى قابلاً للأخذ والرد، ومفتوحًا للنقاش في كل وقت. إلا أن هنالك عالَمًا يوفي عملية البناء حقها… بتناول واحتضان الوجود وما وراء ستار الوجود، والإنسان والحياة جميعًا… عالَمًا حرًّا وطليقًا من كل القيود المذكورة آنفًا. ولا ريب أن هذا العالم، وباعتبار الأمد الطويل خاصة، هو عالمنا ودنيانا نحن”(13).

هكذا جعل الأستاذ فتح الله من مشروع التعليم هدفًا “مقدسًا” لانبعاث حضاري جديد، يجنب البشرية خيبة كل المشاريع، ويصنع عبره الجيل الجديد. فكان هذا المشروع فسيلة غرسها في عقول وقلوب كوكبة من الذين عانقتهم الأقدار ليصبحوا رسلاً ومعلمين جددًا، لتخريج أجيال رافعة لراية الانبعاث الحضاري الجديد. انبعاث بدت ملامحه عيانًا للجميع، تنادي الجميع هيا بنا إلى عالم جديد ملؤه التعاون والمحبة والسلام. وكأني بالأستاذ كولن وهو يتحدث عن المستقبل، يكتب تقريرًا للواقع الذي صنعه، وكله ثقة فيما يقول، وكله أمل فيما وعد به الله عباده الصالحين، فتأمل هذا الكلام: “إنني على يقين بأنه بعد أن تم تجاوز العراقيل الموجودة بين القارات بفضل القرآن وتحقق حوار مستند إلى الحب وإلى التوقير، تأسست وستتأسس أرضية لتفاهم جديد بفضل هؤلاء الربانيين. لقد عرفت الإنسانية في الماضي أمتنا بأنها أمة مستبشِرة قد ضحك لها حظها، فما المانع أن تكون اليوم أيضًا كما كان الحال من قبل؟ بينما نرى أن شلالاً من الحب بدأ يهدر فعلاً بين الناس في كل مكان وصل إليه هؤلاء المهاجرون في سبيل غايتهم. ففي كل مكان، وفي كل موضع يهب نسيم من الطمأنينة والسكينة يشعر به الجميع. والأكثر من هذا، فقد تكونت في كل ناحية وجانب ما نطلق عليه وصف “جزر السلام والمحبة” على أسس مستقرة ومتينة”(14).

نعم وبلغة الأستاذ كولن “من البذرة إلى الثمرة”، من التلاوة والتزكية والتعليم إلى جُزر قريبة وبعيدة، لا يعرف طريقها إلا المخلصون في نياتهم، والصادقون في أعمالهم، والقاصدون في سبلهم. ذلكم أن أبوابها وإن كانت مشرعة أمام كل وافد، إلا أن لها “شفرة” خاصة بها مكونة من أرقام ذهبية:

الرقم الأول للشفرة السحرية “الأكاديمية”(15): في زيارة علمية لأكاديمية الدراسات والبحوث جلسنا إلى ثلة من خريجي مدارس الخدمة، ضمنهم الأستاذ اللبيب نوزاد صواش والأستاذ الرباني جمال ترك، حينها تأكدت بما لا يدع مجالاً للشك، من واحد من أرقام الشفرة السحرية في سر صناعة جيل الانبعاث، وذلك عن طريق الشحن الأكاديمي المتواصل. وفي المناسبة نفسها حضرت أول جلسة علمية روحية بامتياز، استمعت فيها إلى جانب من فلسفة مدارس “الخدمة” ومنهج الأستاذ كولن الفريد في صناعة التلاميذ والطلبة، وإيقاظ هممهم وشحذ عزائمهم… حينها فقط علمت جانبًا ونوعًا من أهم معادن صناعة الرجال في مشروع مدارس الأستاذ كولن، خاصة حينما كشف لنا بعضُ أعمدة هذا الصرح عن أمهات المصادر والكتب التي ينهلون من ينابيعها، ويغترفون من عذب فراتها علمًا زكيًّا بدأت أنواره تسطع في كل فج عميق. كل ذلك من خلال المنهج الحقاني للرجل الرباني فتح الله كولن، الذي جمع بين مصادر تنوير العقول وتزكية القلوب من جهة، ومصادر العلوم اللغوية والعصرية من جهة أخرى… الشيء الذي تفرد به عن كثير من علماء العصر وفقهائه، بل تجاوزهم في المساهمة المباشرة في تحقيق التنمية الشاملة، وخاصة رتق الفتق الذي وقع بين الأفكار والأخلاق. وقد ضمت هذه المصادر من التفاسير أهمها، ومن الفقه أجوده، ومن الحديث أعذبه، ومن التصوف أرقه. وحين علقنا على بعض المؤلفات المقررة، وما يوجه لها من انتقادات، أجابنا محدثُنا: “ما نقرأه لا يزيدنا إلا شوقًا في طلبه، لأن أستاذنا كولن وضح لنا كيف نتخذ من قواعد أصول الدين ميزانًا ومصفاة لكل ما نقرأه ونتعلمه”. وقال الأستاذ جمال: “كان أستاذنا يقول لنا: “على من يدخل هذا الباب -الأكاديمية- أن يغلق كل الأبواب إلا باب العلم”، وكان يأمرنا بقراءة ورد من الكتب لا يقل عن 200 صفحة يوميًّا مع تقديم ملخص لكل مقروء لا يتجاوز عشرة بالمائة”.

وأضاف الأستاذ جمال: “ومما يشدنا إليه أنه كان يربط دروسه دومًا باليومي من حياة الناس، وحين يتحدث ترى التاريخ والتراث ينبعث من فمه كأنه جديد، وهو حين ينتقد لا يسمي أحدًا، وكان يقول: “نحن محتاجون لكل الناس”. ورغم حالة الأستاذ الصحية، إلا أنه وإضافة إلى ما يعانيه من أمراض السكر والدم وغيرها، كان وعاء لكل هموم الأمة والناس… فكان يحدثنا عن هموم التاريخ وتألمه من ضياع الحكمة وسيادة القوة في عالم اليوم… يجول بنا وكله أماني يقول دائمًا: لو أني فعلت كذا… لو فعلنا كذا… ومن أغلى وصاياه لنا ذات مرة، وهو في فراشه مريض، ونحن متحلقون حوله: “لو كان لي عليكم حق لأوصيتكم ألا تتركوا التعليم ولو طالبًا واحدًا، فهذه أمانتي عندكم”.  يقول الأستاذ جمال: “وما علمناه إلى اليوم ضيَّع حصة من دروسه أو غاب عنها إلا بعذر قاهر، وغالبًا ما يكون المرض الذي يقعده في الفراش”. ثم يضيف الأستاذ جمال: “فهل استفدنا شيئًا؟ لست أدري!” فأقول له وإن كنتُ غير مؤهل لنصح وتوجيه هؤلاء الرجال: نعم ورب الكعبة؛ لقد استفدتم وأفدتم، وكنتم أجود ثمرة لأطيب شجرة تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها.

الرقم الثاني للشفرة السحرية “جمعية مَبِأَد”(16): في لقاء عشاء مع مجموعة من أعضاء هذه الجمعية “جمعية مبأد” قال أحد أصنافها(17) متحدثًا عن مشروع الأستاذ فتح الله كولن: “حين اجتمعنا حول الأستاذ كولن أول مرة، بدأت الأعباء تزداد سنة بعد أخرى، ولكن حين يحدثنا عن المدارس وعن التلاميذ والطلبة ونرى ثمار ذلك، كنا نزداد حماسًا ونقول: هذا الأمر لا ينبغي أن نتركه، بل سنواصل. ثم يضيف: أحيانًا أسأل إخواني: لو أن أحدًا جاءكم بمشروع فيه نجاة كل أمة محمد، بماذا ستسهمون؟ يقولون: نساهم بنصف أموالنا”.

هذه طلائع جيل الانبعاث الحضاري. وكأني بهذا الجيل الفريد جزء من قوم الأنصار حين تقاسموا مع إخوانهم المهاجرين كل ما يملكون.  ثم يقول الرجل مضيفًا: “فهذا الجيل الذي ينشأ بفضل هذه الخدمات، يكبر يومًا بعد يوم كما يكبر الطفل في بطن أمه. إن تجربتنا قد أكدت لنا أن قضيتنا قضية ثقة، وهذه الأمة إذا رأت رجالاً من صنف “الأستاذ كولن” ستعطيهم كل ثقتها. لو لم نتعرف على الأستاذ كولن لالتجأنا إلى العنف والقوة لحل مشاكلنا، لكن الأستاذ علّمنا الحلم والرفق، وكان دائمًا ينصحنا بقوله: “ألا يمكن أن نذيب هذه الصخور من المشاكل والشحناء بالإحسان والسخاء؟”، ثم يضيف هذا الرجل: “وآخر شيء سمعته من الأستاذ قوله: “لا ينبغي أن ننتظر الناس حتى يأتوا إلينا، ولكن يجب الذهاب إلى أبوابهم”(18).

“إن الذي كان يدفعنا للإنفاق في الحقيقة، هو حال الأستاذ وسلوكه. فلو كان يملك شيئًا من أمور الدنيا، أو كان يفعل غير الذي يقول لنا، لما أنفقنا شيئًا من أموالنا. واليوم فنحن نبني وننفق وننسى، ونتسابق على ذلك، لأن الله يعوض لنا ما ننفقه كما شرح لنا الأستاذ. ونحن قد لاحظنا ذلك مرارًا؛ نحن ننفق والله يخلف لنا ما أنفقنا”… فأي كلام هذا الذي نسمع؟ وأي ثقة في الله من خلال هذه الشهادات؟ بل أي جيل هذا الذي صنعه الأستاذ كولن؟ فلله درُّه.

استطاع كولن ترويض تلاميذه بالتحلية والتخلية، إذ تجد الواحد منهم لينًا هينًا ينحني لكل ريح في ابتسامة، ولكن تجدهم في مواقف الجد كالجبال، كلهم إصرار على النجاح أينما حلوا وارتحلوا.

رقم الشفرة الثالث “جنود الخفاء المبجلون”: المثير والمفرح في نفس الآن ليس تكوين وصناعة هذا الجيل الجديد، بل العظيم هو أن يستمر خريجو هذه المدارس وفي شتى المجالات، حرّاسًا للمشروع؛ يعملون ليل نهار مثل خلايا نحل لا يهدأ لها بال… وتتنوع عطاءاتهم كتنوع الرحيق الذي يمتصونه من توجيهات أستاذهم المتدفقة، ثم تنساب لتذوب في القلوب كانسياب أفكار وكلمات الأستاذ كولن في صمت طويل مجلجل. يقول الأستاذ مصطفى أوزجان(19): “إن التربية والتعليم “لغة عالمية” يستطيع أن يعبِّر الإنسان من خلالهما عن مبادئ سامية، وقد قدم المجتمع التركي خلال العقدين الأخيرين نموذجًا مثاليًّا في التعامل المشترك بين الدولة والشعب، وقدم نموذجًا تربويًّا يركز على القيم الإنسانية إلى جوار التعليم بأحدث الأساليب العصرية”.

نعم، هكذا فهم الكبار قيمة التربية والتعليم، ولكن هل استطاع الذين غررت بهم الدنيا فهم ذلك؟ وإن فهموا فإلى أي حد هم قادرون على استيعابها وتنميتها والحفاظ عليها؟ لست أدري.

ويقول الأستاذ نوزاد صواش المدير العام لمجلة حراء وواحد من أروع ثمار هذه المدارس الذين تعرفت عليهم: “هذه المدارس سماها الأستاذ فتح الله “جزر السلام”، فما هي طموحات الأستاذ من خلال هذه المدارس؟ كيف يقرأها المسلمون؟ وما هي إضافاتها؟ إنها تجربة أطلقها المسلمون وهي ملكهم اليوم”.

إنه الشموخ التربوي الذي رضعه هؤلاء من ثدي أفكار أستاذهم، شموخ الواثق من سيره في مسيره نحو أهدافه السامية التي ربط فيها مصيره بمصير كل إخوانه في الإنسانية فضلاً عن بني أمته.

وفي لقاء حضَرتُه في يوليو 2011 مع بعض الخيّرين من الأساتذة، خريجي هذه المدارس قال الأستاذ نوزاد: “بعد ما أسسنا مجلة “سيزنتي” أُسِّس وقف المُدرسين الذي قام بعدها بإنتاج أشرطة للتوعية، ثم إنتاج المقررات الدراسية لكل المستويات التعليمية، والآن نفكر في إنتاج الكتب الرقمية. جمهورنا الأول طلابنا وتلامذتنا وغيرهم من المحبين بباقي المدارس. ولدينا أزيد من عشرين دارًا للنشر؛ نشرنا في كل المجالات واللغات وفرحنا بتجاوزنا 46 لغة، لكن الأستاذ قال لنا: هذا غير كاف، ونصحنا بأن نتجاوز المائة. ثم أسسنا دورًا للنشر في عدد كبير من الدول”.

وحول الاجتهاد في تأسيس المدارس قال الأستاذ نوزاد: “لقد سمعنا أستاذنا يحث الناس على بناء المدارس، فلما وجد الناسَ حريصين على بناء المساجد كان يقول لهم: “ابنوا المساجد من خلال بناء المدارس، فإن أنتم أفلحتم في بناء المدارس، فسيعمل خريجوها على بناء المساجد”. ولطالما عانى الأستاذ –يضيف نوزاد- من انتقاد عدد من الناس بسبب هذا الرأي، لكن منتقديه بالأمس هم الذين يعملون اليوم على تنفيذ ما كانوا يرفضونه وهم يتحسرون”.

الرقم الرابع للشفرة السحرية “عقود المرجان”: لقد تساءل كثير من المتتبعين والمهتمين عن سر سحر حركة الخدمة، وهذا أمر فعلاً يستحق التساؤل، إلا أن الجواب عندي ليس في المتناول، بل قد سألت عنه عددًا من أبناء الخدمة أنفسهم، فاستغربت حين وجدتهم عاجزين بل غير مهتمين لمعرفة ذلك، إلا تسليمهم بأن يد القدر لها في كل شؤون الناس قدر. لكني أزعم أن المنهج الدقيق الذي سلكه الأستاذ “كولن” الذي طالما وصفه من يعرفونه بفارس النهار وراهب الليل، لا شك في أن لذلك المنهج أثرًا بالغًا فيما وصلت إليه حركة الخدمة من نتائج. فالرجل لا يتوقف عن الحفر ليل نهار لتحقيق كل ما يدور بخاطره من أسباب استعادة الإرث الحضاري للأمة… ولعله وجد ضالته في سَحَر الليل الذي لا تنتهي محاوراته ومشاوراته حول عوالمه معللاً صنيعه أنه الركيزة الأولى لكل نجاح. كما أنه لا يفتأ يقارع الأفكار والفلسفات والقيم لينحت سبيلاً جديدًا في نهاره، يسابق فيه أهل الدنيا، متأسيًا فيه بنوابغ الجيل المحمدي وعلى رأسهم محمد .

بالتلاوة والتزكية والتعليم استطاع الأستاذ كولن رتق ما انفتق في عالمنا المعاصر، فاحتضن العوالم بقلبه قبل كلماته التي سحرت الآلاف بل الملايين من الشباب المتعطش لانبعاث حضاري جديد.

لقد حضرت بمدينة إسطنبول لقاء سمعت فيه من وصايا الأستاذ “فتح الله كولن” ما جعلني هائمًا في فكر هذا الرجل العظيم؛ كان ذلك حين أجابني أحد تلاميذ الأستاذ حين سألته عن دور الأستاذ في تحركاتهم خارج تركيا فقال: “نحن نؤمن بدعاء وبركة هذا الرجل؛ هو دائمًا يقول لنا: لا تتعجلوا… ويضع أمامنا مشروع مائة عام. الأستاذ وحده يأتي بعشرات المشاريع وهو لا يُشبعه شيء، ونحن دائمًا نلهث وراءه”، ثم يتابع: “أما نصائحه لنا فغزيرة غزيرة أذكر منها:

“قراءة الحياة قراءة صحيحة أهم خطوات النجاح”، “قبل الحديث عن شيء اقرؤوه أولاً وافهموه جيدًا”، “إذا أردتم أن تُعَرِّفوا أحدًا قيمتكم لا تنتقدوه بشدة”، “تعاملوا مع الناس كعاشقين لا كمبشرين”، “إن وجدتُ فردًا آمن الناس لسلوكه فسأقبّل قدميه”، “المؤمن لا يفرح بما صنع، بل يتحسر على ما لم يصنع”، “حينما تقولون لا إله إلا الله، لا بد أن تراعوا من يسمعها، وتختاروا الزمان والمكان المناسب”، “يجب عليكم أن تستسيغوا أنكم لا تُستساغوا”، “حين تفسرون حركة في إطار العلوم الاجتماعية لا تنسوا معية الله”.

5- صفات جيل المشروع

إننا حين نتحدث عن صناعة الأجيال، فإنا نقصد الحديث عن رؤية، بل فلسفة جديدة قديمة لبناء الأجيال؛ جديدة من حيث وسائل ومناهج هذه الصناعة، وقديمة من حيث انبجاسها من المنبع المحمدي الأصيل. إننا حين نهيم في ذكر الانبعاث الحضاري، فذاك يعني فلسفة واضحة المعالم لرافعات هذه الحضارة في هذا البناء الشامخ، هذه الرافعات والدعامات والركائز هي التي أفنى الأستاذ فتح الله زهرة حياته لإعدادها، لتكون نموذجًا ومثالاً حيًّا في عالم اليوم… إنهم الرجال؛ رجالٌ لا تلهيهم أموال ولا أولاد عن واجبهم الإحيائي المقدس. رجال يتعبون ليستريح الناس، ويموتون يوميًّا كمدًا في كثير من أرجاء العالم ليحيا الناس. هذه الصناعة “فوق الثقيلة” هي الرافعات الصلبة للانبعاث الحضاري الحقيقي. هذا الجيل المصنوع في مدرسة الأستاذ فتح الله كولن، له صفات ومواصفات عديدة، أُجْملها في هذه الكلمات الباهتة العاجزة في التعبير عن الحقيقة القائمة، إلا أن عذري فيها أنها صادقة في تقريب ذلك، وهي صفات نقشها الأستاذ كولن نفسه.

إذا كان الأستاذ كولن -وهو من هو- قد وصف هذا الجيل بهذه الصفات، فماذا يقول فيهم البسطاء مثلي؟ إلا أني وللشهادة سأذكر بعضًا من هذه الصفات، ومن أراد المزيد فعليه بتفصيلات الأستاذ في مظانها التي سأحيل عليها. ومن هذه الصفات التي دبجها الأستاذ كرامةً لهؤلاء وعرفانًا بما قدموه ولا زالوا يقدمونه من تضحيات غالية، ومن نكران للذات، ومن صبر طويل، ومن معاناة يومية لا تنتهي، عرفانًا بكل ذلك، تفنن الأستاذ في تسطير هذه الصفات لتبقى في التاريخ شاهدة على هذا الجيل الذهبي.

أ- جيل الإحياء: ومما قال فيهم: “وأنبّه هنا مرة أخرى إلى ضرورة التمييز بين الذين يَحْيَون والذين يُحيُون. وقد كررنا مرارًا وتكرارًا أن الذين يقضون أعمارهم في إخلاص ووفاء واهتمام بالآخرين إلى درجة إهمال أنفسهم من أجل إحياء الغير، هم الوارثون الحقيقيون للحقائق التاريخية، وهم الذين نودع أرواحنا وديعة مأمونة عندهم… أولئك الذين لا يطلبون من الجماهير أن تتبعهم، ولكن وجودهم نداء جهوري وأيّ نداء! فأينما كانوا تهرع الجماهير إلى أولئك الربانيين وكأنهم مركز جذب… وقد تستقبل الموت بسعادة وراء ريادتهم”(20).

بـ- أطبَّاء الروح والمعنى: ومما قال عنهم: “إن سبيل الخلاص من الاضمحلال والهدر في شِباك كل هذه السلبيات، هو إعلان النفير العام لإعداد أطبَّاء الروح والمعنى، الذين يملؤون كل الفراغات في كياننا، ويزيلون نقاط الضعف في نفوسنا، وينقذوننا من عبودية الجسم والبدن ويقودوننا إلى مستوى الحياة القلبية والروحية… أطبّاء تتسع قلوبهم لكل ساحات العلم والذكاء والعرفان والواردات والفيوضات…. هذا الفريق يسع صدره لكل الناس؛ من الطفل الملتزم والمؤدب في المدارس، إلى أبناء الوطن السائبين وغير المنضبطين في الأزقة والشوارع… هذا الفريق يؤنس وحشية الصحف والمجلات والراديو والتلفزيون ووسائل الإعلام القوية، ليجعلها صوتًا ونَفَسًا للدين والملَّة من وجهة، ويرشد بها من وجهة أخرى الأحاسيس السوداء والأفكار القاتمة والأصوات المدلهمة للوصول إلى سبيل المستوى الإنساني… هذا الفريق ينقذ مؤسسات التربية والتعليم التي تغير شكلها ووجهتها كل يوم حسب الأجواء تحت وطأة الضغوط الخارجية والانحرافات الداخلية”(21).

جـ- ورثة الأرض: حدَّد الأستاذ كولن ستة أوصاف لـ “ورثة الأرض” وهي: “الإيمان الكامل، ثم العشق الذي يُعد أهم إكسير للحياة في الانبعاث من جديد، ثم الإقبال على العلم بميزان ثلاثية العقل والمنطق والشعور، ثم إعادة النظر في قراءة الكون والإنسان والحياة، ثم حرية التفكير وتوقير هذه الحرية، ثم علينا الإفساح في حرية الفكر وحرية الإرادة في مسيرتنا نحو عوالم مختلفة، أما الوصف السابع للوارث فهو الفكر الرياضي؛ فالأوائل حققوا نهضتهم بفكر القوانين الرياضية، وكشفت الإنسانية في تاريخها كثيرًا من المجاهيل، ولولا الرياضيات لمَا توضحت المناسبات بين البشر ولا بين الأشياء. أما الوصف الأخير فهو البعد الفني”(22).

د- مهندسـو الروح وأجيال الأمل: وقد عرفهم بقوله: “إن أجيال الأمل باعتبار الزمن الحاضر هم ممثلو العلم والإيمان والأخلاق والفن، وهم مهندسـو الروح لمن يأتون بعدنا. وسيشكِّل هؤلاء تكوينات جديدة في كل شريحة اجتماعية بتفريغ حرارة الإلهام لقلوبهم المتغذية بالأخرويات إلى الصدور المحتاجة إليها. وإن ضيـاع حظ كثير من الأجيال في تاريخنا القريب، وهدرهم، بل سقوطهم في الجنون والهذيان، كان بدرجة كبيرة لعدم التقائهم بمثل هذا الجيل الأمل”(23).

جعل الأستاذ فتح الله من مشروع التعليم هدفًا “مقدسًا” لانبعاث حضاري جديد. فكان فسيلة غرسها في عقول وقلوب كوكبة من الذين عانقتهم الأقدار ليصبحوا رسلاً ومعلمين جددًا.

6- صناعة الأجيال رافعة الانبعاث الحضاري

هكذا أثمرت فسيلة المشروع التعليمي للأستاذ “فتح الله كولن” جيلاً مستعدًّا لانبعاث حضاري جديد، همّه خدمة الآخرين والرغبة الجامحة في إحيائهم. وبذلك تستطيع أمتنا أن تنبعث وتنهض من جديد اعتمادًا على رؤيتنا الحضارية وثقافتنا الذاتية، صابرة على الأوجاع متوكلة على الله راجية رضاه سبحانه. “كان عالمنا يسبق عصره بخطوات واسعة في العلوم الطبيعية والدينية، وفي التصوف والمنطق، وفي تخطيط المدن والجماليات، وفي كل مجال ومضمار… إن هذا العالم يُمكِنه -بعد هذه الفترة العابرة- أن يحرِّك مجدَّدًا كل الأرواح والأدمغة المنورة، فيحقق النهضة العالمية الثانية أو الثالثة(24)… “هذا الفريق ينقذ مؤسسات التربية والتعليم التي تغير شكلها ووجهتها كل يوم حسب الأجواء تحت وطأة الضغوط الخارجية والانحرافات الداخلية… ينقذها من وصاية الأفكار الدخيلة من مراكز القوى العالمية، فينظمها بصورة تستجيب لمتطلبات الحاضر وحسب السياق التاريخي، ويرفعها لتكون مؤسسة ذات رسالة وهدف ببرنامجها وخطتها وأسلوبها”(25).

ويقول كذلك: “بفضل ذلك، ترتقي الأمة من الفقر الحسي والفكري، والحفظ الببغائي والنمطية إلى التفكير العلمي الحقيقي… لنضعْ جانبًا بلبلة التكوينات الجديدة في العالم، نحن لا نصدِّق بولادة شيء جديد من الهندام الرأسمالي القديم، أو أحلام الشيوعية، أو تكسيراتها الاشتراكية، أو هجينها الديمقراطية الاجتماعية، أو خرق الليبرالية البالية. الحقيقة هي أنه إن كان ثَمَّ عالَمٌ مشرّعُ الأبواب لنظام عالمي جديد فهو عالمنا نحن. وقد يتناوله الجيل القادم على أنه عصر نهضتنا نحن. هذه الولادة الجديدة ستُكسب عالم مشاعرنا وأفكارنا، وكذلك مفاهيم فنّنا وجمالنا، أعماقًا مختلفة اختلافًا شاسعًا عما هو عليه الآن… ونجعل شعبنا يستقر على أساس متين… سواء في العلم والفن، أو الفكر والأخلاق، فنضمن مستقبله. شعارنا في هذا المضمار النفيرُ والإقدام، ومصدر قوّتنا الإيمان والحقيقة… ولا أظن بأنني في حاجة إلى شرح الواقع بعكس الحال”(26).

• الانضباط والتضحية: غريب هو أمر فتح الله كولن! كيف استطاع هذا الرجل وبأسلوبه الرقيق، أن يصبغ تلاميذه بما يريد من قيم عالية؟ كيف استطاع ترويضهم بالتحلية والتخلية، حتى تجد الواحد منهم لينًا هينًا ينحني لكل ريح في ابتسامة عريضة دائمة؟ لكن الأغرب من ذلك أن تجد هؤلاء في مواقف الجد مثل الجبال، كلهم إصرار وحرص على النجاح أينما حلوا وارتحلوا. إنهم الأسس الحقيقية والروافع الصلبة للانبعاث الحضاري المنشود. لقد سمعت ذلك ورأيته بأم عيني في شتى مجالات الحياة التي يغشونها. لكنك وبعد الدرس والتدقيق في كلام الأستاذ الرقيق، ستجد كل كلماته مشفرة تحمل في طياتها بذور القيم الحضارية العبقة، التي أنتجت ثمارًا استفاد منها كل الناس، وجعلت أسلافنا أسيادًا في شتى مناحي الحياة. هذه الكلمات الرقيقة المجلجلة، تهز أركان كل القيم الفاسدة التي سبحت بالناس في بحر الجهل والفقر والاختلاف وكل معالم التخلف. هذه الكلمات هي بذور ذلك الجيل وفسائل الانبعاث الحضاري الجديد. لعل هذا سر الإرث النبوي في منهج التلاوة والتزكية والتعليم الذي اقتفاه الأستاذ كولن، ولعل سحر هذا التأثير هو الذي جعل هذا الجيل يحقق من النتائج ما يشهد به ويشاهده الجميع اليوم. فتأمل غيضًا من فيض كلماته تلك: “ولن يدرك الخلاص البتة، أولئك الذين يديرون ظهورهم للوجود كله وللنظام العام، فيهدرون أعمارهم في ظلمات متاهات الأنانية… ودع عنك إدراكهم للخلاص، فكم تَسبَّب هؤلاء في هلاك مَن أحْسنَ الظنَّ بهم، ومن ثم ينبغي أن يترك هؤلاء الذين يبرمجون لمسيرة المستقبل الأنانية جانبًا، ويضعوا أيديهم في أيادي كل إنسان وكل شيء بالضرورة واللزوم. إذ ستبلغ العزائم والغايات والرؤى قيمتها الحقيقية بقدر حصولها على مساندة الهيئات المتكاملة والعزائم المتوحدة والمشاعر المتضامنة في أتم المعاني. فالطريق الوحيد للتحول من الفردية إلى الجماعية، ومن القطرة إلى البحر، ومن ثم بلوغ الخلود، هو الفناء بالذوبان في الآخرين والاندماج بهم بالانصهار فيهم من أجل إحيائهم والحياة معهم”(27).

• هجرة العاشقين: إذا قدر لواحد منا السفر إلى أحد أركان الدنيا اليوم، فقد لا يجد فيها سفارة لبلده، لكنه سيجد مدرسة يؤمها تلاميذ من كل الألوان واللغات والأديان. وسيجد فيها أساتذة عاشقين للهجرة تسابقوا إلى ذلك المكان، رحلوا إليه في يوم ما، رفقة كتبهم وأورادهم قبل أولادهم… سيجد فيها معلمين فرحين بفتح مدرسة جديدة، مجتهدين في ترتيب الخطط والبرامج الفريدة… وسيجد فيها طاقمًا من الرجال والنساء العاشقين للهجرة، صادقين في نسج علاقات إنسانية مجيدة، مؤمنين بأهمية دورهم المقدس في المساهمة لصناعة جيل الانبعاث الحضاري الجديد.

إن حركة الخدمة ظاهرة عجيبة، يجب أن نقف عندها ونتأملها بشكل جدي، لنفهم كيف قررت فئة قليلة -ملك الحبُّ قلبَها- أن تنطلق لنيل رضا الله تعالى، إلى المشرق وإلى المغرب وإلى أرجاء الأرض جميعًا، في وقت يعز فيه مثل هذا الخاطر… انطلقت دون أن تهتم بآلام الغربة وبفراق الأحبة، ملؤها العزم والثقة في انبعاث جديد. وبعشق خدمة الإيمان طوت في أفئدتها لواعجَ الفراق، وَحُبَّ الوطن، وآلامَ البعاد عن الأهل والأحبة، كل ذلك لإيمانها بانبعاث جديد. قليل من الناس شعروا مثلهم وعاشوا الجهاد في سبيل الله مثلهم، وقالوا وهم ينتشرون في المغرب والمشرق: نحن مهاجرون في سبيل الله من أجل تكوين جيل الانبعاث الحضاري الجديد… ذهبوا وهم في زهرة شبابهم، يحملون آمالاً وأشواقًا دنيوية لها جاذبية لا تقاوَم لدى كثير من أقرانهم في أوطانهم وفي كل وطن من أجل انبعاث جديد… ذهبوا في سبيل بعث حضاري جديد، وفي عصر طغت فيه الماديات والأحاسيس الجسمانية على المشاعر الإنسانية، وهم يكبتون تلك المشاعر باشتياق إلى وصال آخر أقوى وأكثر التهابًا وتوهجًا… ذهبوا وهم يسابقون الزمن متنافسين في غرس فسائل الأمل، غير آبهين بشظايا الاتهامات وضباب الدخان المنبعث من كل مكان، همهم الأول انبعاث جديد… ذهبوا في سياحة ليست من النوع الذي يهيم به الشاب في مرحلة مراهقته أسوة بحلم وراء ملكة جمال مزيفة، بل في مسيرة العشق، حاملين فسائل الانبعاث، مهرولين خلف سيرة صاحب النور الخالد ، وهم ضمن سرب الربانيين مغازلين سير الصحابة الكرام، وأفئدتهم تلهج بحب الله  طمعًا في انبعاث جديد… ذهبوا وأسلحتهم كراسي خشبية، وأقلام ذهبية، وذخيرتهم ألسنة رطبة فولاذية، وقلوب عامرة بالحب تستوعب الشياطين… شرقًا وغربًا أوقدوا شموعًا أضاءت سبلاً للأمل المفقود، حتى غدوا مثلاً للانبعاث الجديد.

واليوم لقد تسلم هذا الجيل الجديد المشعل، فبدأ الناس يكتشفون ملامح هندسية لمعمار جديد؛ بناء سيشيد على أسس رحبة مفعمة بلَبنات الحب والصبر والإخلاص والإيمان والصدق والعفة، واطلب ما شئت من عزيز مواد التشييد المثالي لبعث حضاري جديد. قد يفاجأ البعض حين رؤية فنون بنائهم، أو سماع همهمات أناشيدهم؛ لكن المفاجأة قد تفهم حين الاطلاع على فلسفة معلمهم وهو يقول: “نحن لسنا بحاجة إلى حسنات ونُظُم فكرية تُستجدَى من الخارج أو الداخل، بل حاجتنا الماسة هي إلى أطباء روح وفكر يحفّزون في كافة أبناء أمتنا حس المسؤولية، وشعور الهمّ المقدس… أطبّاء روح وفكر يُمَكّنون أرواحنا من الانفتاح إلى أعماق الماوراء وآفاق الغيوب بدلاً عن وعود السعادة المؤقتة الزائلة، ويرفعوننا بخطوة واحدة إلى مراتب نرى فيها المبدأ والمنتهى معًا وسوية”(28).

الخلاصة

لقد دوّخني مشروع الأستاذ كولن قبل أن ألامس بعض خيوطه؛ إذ ليس من السهل على مطَّلع عابر أو مطالع هاو أن يفهم المشروع الإصلاحي لهذا الرجل، ذلك أن خبرته بالصراع الحضاري، وفقهه لسنن الحياة، وعمق فهمه للرسالة المحمدية… كل تلك أسباب جعلته أكثر دقة وحيطة في هذا المشروع. لذا فحركة الخدمة من قبيل السهل الممتنع، قد يحاول بعض الناس تقليدها وقد فعلوا، إلا أني أعتقد استحالة ذلك نظرًا لشدة تعقيدها وصعوبة تكرار شخوصها. لكني أدعو كل محب أو راغب في الاطلاع على هذا الفكر، أن يبدأ بأهم وأشمل ما أُثر عن الأستاذ كولن، وكل من يريد فكرة مجملة حول رؤية هذا الرجل التربوية فعليه بقراءة كتابه القيم “ونحن نقيم صرح الروح”. أما من أراد لمعة عن تصوره الحضاري ضمن مشروعه الكبير، فعليه بكتابه العميق “ونحن نبني حضارتنا”.

واليوم وبعدما حل بساحاتنا بعض من هؤلاء المهاجرين الجدد، فقد تحركت بين أضلاعنا نوازع الماضي المجيد، وبدت في الأفق ملامح المخاض العسير الذي طالما انتظرناه، فما المانع أن يتكرم ربنا بالعفو عن تقصيرنا ويجود بفتح أبواب منّته على أمتنا مرة أخرى، فيكون لنا نصيب في هذا الانبعاث الحضاري الجديد.

الهوامش
(1) ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، الطبعة السابعة، 2014م-1435هـ، القاهرة، ص:132.
(2) ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة، 1435هـ-2013م، القاهرة، ص:48.
(3) ونحن نبني حضارتنا، ص:36.
(4) ونحن نقيم صرح الروح، ص:28.
(5) ونحن نقيم صرح الروح، ص:19.
(6) ونحن نبني حضارتنا، ص:37.
(7) ونحن نقيم صرح الروح، ص:29.
(8) ونحن نقيم صرح الروح، ص:89.
(9) ونحن نقيم صرح الروح، ص:100.
(10) في فقه التدين فهمًا وتنزيلاً، ج1، ص:40، كتاب الأمة، ع:22.
(11) ونحن نبني حضارتنا، ص:41-42.
(12) ونحن نقيم صرح الروح، ص:89.
(13) ونحن نقيم صرح الروح، ص:29.
(14) حركة نماذجها من ذاتها، مجلة حراء، ع:13 (2008).
(15) وهي مركز يعنى بالبحث الأكاديمي والتكوين والنشر، وفلسفة المؤسسة حسب فهمي المتواضع لا نظير لها في العالم.
(16) “مَبِأَدْ” (MABIAD): جمعية رجال أعمال وبحارة مرمرة.
(17) “الأصناف”: كلمة تستخدم في اللغة التركية للدلالة على التاجر أو صاحب المتجر أو المحترف في مهنة ما، راجع قاموس المعاني.
(18) هذا الكلام سمعته شخصيًّا من أحد تلاميذ الأستاذ فتح الله كولن في مائدة عشاء مع رجال جمعية مرمرة.
(19) عرفت هذا الرجل من كبار تلاميذ الأستاذ ومن أشدهم حكمة وتعقلاً من بين من عرفت، وقد كان مشرفًا عامًّا على جملة مرافق.
(20) ونحن نقيم صرح الروح، ص:88.
(21) ونحن نقيم صرح الروح، ص:27.
(22) ونحن نقيم صرح الروح، ص:43.
(23) ونحن نقيم صرح الروح، ص:128.
(24) ونحن نقيم صرح الروح، ص:29.
(25) ونحن نقيم صرح الروح، ص:27-28.
(26) ونحن نقيم صرح الروح، ص:28.
(27) ونحن نقيم صرح الروح، ص:86.
(28) ونحن نقيم صرح الروح، ص:89.