من المعضلات الرئيسة التي تعاني منها أمة المسلمين اليوم: الفرقة، وهي عند فتح الله كولن إحدى زوايا مثلث التخلف الحضاري الذي يضم أيضا “الجهل” و”الفقر”.

ولأن فتح الله كولن قد نذر نفسه لمحاربة هذا الثالوث فنجده لم يكتف بإثارة العواطف ومداعبة الوجدان من أجل بيان أخطار الفُرقة بين مكونات المسلمين، وتوضيح أهمية الائتلاف، بل أقام هذا الائتلاف على عدد من الأسس التي تجمع بين الفكر والوجدان، بين العلم والعرفان، ويمكن تلخيص هذه الأسس في خمس نقاط:

1 ـــ الإيمان الجامع بين العلم والإخلاص

الفرقة عند فتح الله كولن إحدى زوايا مثلث التخلف الحضاري الذي يضم أيضا “الجهل” و”الفقر”.

من المؤكد أن الإيمان هو خلاصة التفاعل الإيجابي بين العلم الدقيق والإخلاص الوثيق، لكن عهود التخلف والانحطاط التي مرّ بها المسلمون شوّهت مفهوم الإيمان فجعلته أعورًا، حتى بدا كأنه إخلاص بلا علم، وتوكل بلا أسباب، بل بدا عند آخرين كأنه اسم بلا مسمى، وأماني بلا ظل من الحقيقة أو تأييد من الواقع. . ولذلك اهتم كولن بإحياء مفهوم الإيمان بجناحي العلم والإخلاص، حيث دمج بتوازن دقيق بين العقل والروح، ولأن الله يوفق دعاته منذ الصغر، فقد نشأ كولن على هذا التوازن، حيث حرص منذ طفولته على الموازنة في حضوره ومناشطه بين مجالس العلم (العقل) ومجالس الذكر (الروح)، رغم ما كان بينهما من عداوة تقليدية عند أصحاب التديُّن المنقوص.

ولأن القرآن هو المصدر الأول لهذا الدين فإن معانقته وفق منهجه هو السبيل للحصول على العلم والإخلاص، عبر التدبر والخشوع، وهذا ما فعله كولن، حيث كان دائم المدارسة للقرآن، دائب التدبر لآياته، ولهذا نجح في تركيب المقادير الدقيقة من الأدوية النافعة لعلل هذا الزمان، وذلك من صيدلية تدبُّره للقرآن، وربما كان أساس هذا النجاح في الوصول إلى هذه المقادير أنه قرأ القرآن كأنه أُنزل عليه اليوم! وهذا ديدن المصلحين والمجددين، فكلهم تعملقوا بحسن تدبّرهم للقرآن.

ولهذا أوصى تلاميذه ومحبّيه بأن يقرؤوا القرآن بهذه الطريقة، حيث قال: “على الفرد أن يقول لنفسه: صحيح أنني لستُ بنبِيّ، ولكني أشعر أن آيات القرآن البالغة ستة آلاف ونيف وكأنها قد نزلت عليَّ”.

ولأن العلم شطر الإيمان (بجانب الإخلاص)، وشطر عمارة الحياة (بجانب العمل)، فقد حث كولن أتباعه على طلب العلم، وذلك في كل كتبه ومقالاته ودروسه ومواعظه ومناشطه المختلفة هذا العلم الذي يصنع القناديل لاكتشاف مجاهل النفس البشرية واكتشاف دروب الحياة، حتى لا يقع الإنسان في مهاوي النفس الأمَّارة بالسوء أو يسقط في حُفَر الحياة، سواء على يمين الصراط أو يساره.

والعلم عند كولن ليس مجرد معارف يتم تكديسها في العقل، بل هو منهج متكامل لقراءة “آيات الأنفس” و”آيات الآفاق” في ضوء “آيات القرآن” وحقائق العلم، والعلم الذي يتم تحصيله وفق هذا المنهج يثمر خشية الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾(فَاطِر:28)، ولهذا ربط العلماء القدامى العلم بالخشية كما قال الإمام سفيان الثوري: “إنما العلم الخشية”.

الإيمان هو خلاصة التفاعل الإيجابي بين العلم الدقيق والإخلاص الوثيق.

 والعلم كذلك عند كولن هو الطريق إلى الفاعلية، ولكنه ليس العلم المجرد من الإخلاص، بل العلم الذي يشترك القلب في تحصيله ويتحول إلى معرفة، بعد أن تقوم البصيرة بضم هذه العلوم الجزئية المبعثرة وربطها في اتجاه واحد هو الله، من أجل إرضائه بالتزام منهجه واستثمار سننه في العبودية له في محراب الحياة.

2- الأُخُوّة بدوائرها الأربع

اشتهر كولن بدعوته للأخوة والتسامح، ومن خلال جمع مقولاته وممارساته ذات الصلة بهذا الموضوع يتضح أن للأخوة عنده أربع دوائر، تبدأ من الأضيق لتنتهي بالأوسع:

الدائرة الأولى: الأخوة الوطنية

وهي الدائرة التي تضم ما يعرف اليوم بجمهورية تركيا، حيث يبني على المواطنة حقوق الأخوة، من تناصر وتعاون في كافة الشؤون المادية والمعنوية، إذ الأقربون أولى بالمعروف.

وفي إطار هذه الأخوة وجَّه كولن تلاميذه إلى ضرورة “أن نجعل وطننا وإنساننا مقصودنا ونجهد في تغيير مصيرنا المعكوس، ونحيي أجسادنا بالروح المتشكل من عجين مجتمعنا، ونفتح صفحة تاريخية نقية وجديرة لشعبنا، هي شيء من الأسس لحضارة تفوق المدن الفاضلة ورؤيا التجدد”.

وهو في هذا السياق ما فتئ يُذكِّر الأتراك بتاريخهم الإسلامي المجيد، من أجل تحلية الوطنية بمضمونها الإسلامي المنفتح، لا الطوراني المنغلق.

شوّهت عهود التخلف والانحطاط التي مرّ بها المسلمون مفهوم الإيمان فجعلته أعورًا، حتى بدا كأنه إخلاص بلا علم، وتوكل بلا أسباب.

الدائرة الثانية: الأُخُوَّة القومية

من المعلوم أن الأتراك لا يسكنون فقط تركيا، بل إن معظم المناطق الممتدة ما بين جنوب شرق الصين حتى تركيا تنتمي تاريخيا وعرقيا إلى القومية التركية، ولذلك فإن تيار الخدمة بفضل توجيهات كولن يمتد ليتمدد في هذه المناطق بقوة ليقدم خدماته إليها، باعتبار أن لهؤلاء حقوق الأخوة القومية والدينية والإنسانية، بجانب حقوق المجاورة.

ومثلما فعل كولن في الدائرة الأولى، فإنه لا ينْفكّ عن تذكير الأتراك جميعهم أنهم ما عرفوا الحياة العزيزة إلا بالإسلام، ويذكِّرهم بأمجاد العثمانيين، والأدوار الكبرى التي قاموا بها في الذود عن الإسلام وحماية المسلمين

الدائرة الثالثة: الأخوَّة الإسلامية

يبلغ عدد المسلمين اليوم أكثر من خُمس سكان العالم، ويسكنون حوالي ربع مساحة اليابسة، ورغم انتمائهم إلى أعراق وألوان وألسنة مختلفة، ورغم توزعهم بين طوائف ومذاهب وفرق ومشارب متنوعة، إلا أن عنوان الإسلام ومسمى الإيمان يجمعهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(الْحُجُرات:10).

هذه الرؤية الإسلامية، هي التي يحاول كولن -مثل كثير من المفكرين والدعاة المسلمين- إعادتها إلى الواجهة بعد أن نسيتها مجاميع كثيرة من المسلمين، مفضلة الانتماء إلى دوائر عرقية أو جغرافية أو تاريخية أو طائفية أو مذهبية ضيقة.

ولهذا فإن كولن ومن ورائه تيار الخدمة يؤمنون بضرورة تجديد العالم الإسلامي، حيث يقول مثلاً: “لذلك نؤمن بضرورة توجيه العالم الإسلامي جميعًا إلى التجدد بكل أجزائه في فهم الإيمان، وتلقيات الإسلام، وممارسة الإحسان، وإثارة العشق والشوق، وتحكيم المنطق، وتعديل طرق التفكير، وأسلوب التعبير عن الذات، بمؤسساته ونظمه التي تكسبه هذه الأحوال”.

وفي سبيل إيقاظ الحس الجمعي للأمة وتذكير المسلمين بأخوتهم الإسلامية يُحذر المسلمين من الوقوع في مصائد الأعداء، ويحث على إيجاد صيغة اتحاد عصرية تحافظ على مضمون الوحدة مع الإبقاء على الوطنيات كجزء من الواقع المستحكم، وذلك كالاتحاد الأنجلو سكسوني والغال.

وهو في هذا الاقتراح يسعى للموازنة بين الوحدة والحرية في حدهما الأدنى على الأقل، ولهذا يقول: “أعلى الأمم قدرًا هي الأمة التي تُسيِّر أمورها في ظل الوحدة والتآلف، والتي تعطي أهمية لرأي شعبها. وهذا يتعلق بقيام أفراد هذه الأمة بتلقي التربية نفسها في الدين واللغة والتاريخ”. وهذا يطمئن الوطنيين غير الأتراك، من أن تيار الخدمة ليست له أي طموحات في إعادة الحكم العثماني إلى بلدانهم.

الدائرة الرابعة: الأخوّة الإنسانية

اهتم كولن بإحياء مفهوم الإيمان بجناحي العلم والإخلاص، حيث دمج بتوازن دقيق بين العقل والروح.

ورد في القرآن الكريم نسبة كل نبي إلى قومه المرسل إليهم بلفظ “أخوهم”، رغم أنهم كفار، وهي الأخوة الإنسانية التي لا ينكرها القرآن. ومن هنا نَهَلَ كولن رؤيته الكونية بأبعادها الإنسانية.

فهو يجعل على المسلم رسالة نحو البشرية جمعاء من أجل إقامة ما يسميه بـ”التوازن الدولي” أي عدم طغيان أحد على أحد، ولهذا فإن قراءته لآيات الجهاد في القرآن الكريم أوصلته إلى تأليف كتاب خاص تحت عنوان “روح الجهاد وحقيقته في الإسلام” أكد فيه أن من أهم وظائفه (الجهاد) صدُّ عملية الإكراه وفتنة الناس عن أديانهم وقناعاتهم.

3- الإيجابية الفاعلة

عمد كولن إلى إيجاد الشخصية الإيجابية الفاعلة، بحيث يكون المرء شخصًا لا فردًا، والشخص هو الذي يمتلك إمكانات الائتلاف مع غيره، وتحوله إلى لبنة في صرح المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه، بينما الفرد يميل إلى السلبية والذاتية والأنانية، ومن ثم يصير شوكة في خاصرة المجتمع وغصة في حلقه، ومعول هدم في صرحه.

وأول معاني الإيجابية أن يمارس الفرد دورًا مقدورًا في تزكية نفسه، بحيث يترقى بها في مدارج الكمال، حتى يصل إلى ردم الهُوَّة بين ما يقول وما يفعل، حينها يكون أهلاً لتحلية الآخرين بالإيجابية، يقول كولن: “على الذين يحاولون أن يصلحوا العالم إصلاح أنفسهم أولاً، أجل عليهم أن يطهّروا أولاً قلوبهم من الغل والحقد والحسد إلى جانب استقامتهم في السلوك وفي التصرف وبعدهم عما لا يليق بهم، وبهذا فقط يستطيعون أن يكونوا قدوة لمن حولهم”.

وقد شن كولن حربًا شعواء على الذين يقولون ما لا يفعلون، ولاسيما العلماء وهم الذين سماهم بـ”الثقوب السوداء”؛ لأنهم لا يعكسون النور ولا يُستفاد شيء من طاقاتهم الضوئية.

ومن الإيجابية الفاعلة لكولن توجيه تلاميذه إلى الأمر بالمعروف أكثر من النهي عن المنكر، أي إيجاد البدائل الطيبة للناس دون الاصطدام بهم، أو استخدام العنف معهم ولو كان عنفًا لفظيًّا، والتركيز على المضامين لا العناوين، وعلى الجواهر لا المظاهر، وعلى المسمّيات لا الأسماء، مما جعل تيار الخدمة يعيش بالإسلام دون أن يتحدث عنه.

4- الاعتراف بحق الآخر في التميُّز والاختلاف

لما كانت الصراعات في الغالب ثمرةً مرَّةً لشجرة “ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة”، ومن ثم تكفير وتسفيه الآخر، فإن كولن يعترف ويحث أتباعه على الاعتراف بالآخر وعلى أن مِن حقّه أن يعيش بكرامة، ويتمتع بحقوقه بحرية تامة في ضوء النظام العام للمجتمع، ويستوي في ذلك أن يكون هذا الآخر دينيًّا أو طائفيًّا أو مذهبيًّا أو غير ذلك.

ولهذا فإن حركة فتح الله كولن لا تهدف إلى أي انفصام نفسي واجتماعي عن المجتمع بل على العكس تمامًا فهي تهدف إلى التلاؤم مع هذا المجتمع وإلى الإسهام فيه، وتدعو إلى الأخوة الأبدية. ولا تتصرف في صدد العلاقات الاجتماعية بشكل انتقائي مثلما تتصرف الحركات الأيديولوجية، بل تخاطب كل الكتل الجماهيرية وتخاطب كل عائلة وكل فرد. ولا تسعى إلى تطوير أية حركات انعزالية في الشارع أو في السوق أو في النوادي أو الجمعيات…الخ. وتعارض أي حركة اجتماعية انعزالية تصادم روح الحياة الاجتماعية”.

5- الدوران حول المقاصد وتجفيف منابع الفُرْقة

الناظر في خلافات المسلمين الداخلية، يدرك أن أحد أسبابها الخوض في التفاصيل والجزئيات، والدوران حول نصوص وقضايا جزئية، وإهمال المقاصد العامة التي جاء الإسلام من أجل تحقيقها، ولذا فإن كولن يجعل الدوران حول مقاصد الشريعة أساسًا من الأسس التي يقوم عليها فقه الائتلاف.

ومن هنا نجده يشترط في المثقف والداعية وصاحب همِّ التغيير أمورًا عديدة في دائرة الوعي، ومنها أن يكون محترمًا للمقصد، خبيرًا بحكمة التشريع ومراد صاحب الشريعة، عالمًا بالأسس المحضة لأحكام الدين، مستقبلاً للواردات الإلهية.

ولا شك أن فقه المقاصد يُشعر الجميع بوحدة الهدف والغاية، ولذلك قال كولن: “مِن شروط تقدّم الأمة وصول أفرادها إلى وحدة الهدف والغاية. فلا يمكن توقع تقدم صحيح وسليم في مجتمع انقسم أفراده شيعًا وطوائف متناحرة”.

نجح كولن في تركيب المقادير الدقيقة من الأدوية النافعة لعلل هذا الزمان، وذلك من صيدلية تدبُّره للقرآن، وأساس نجاحه في الوصول إلى هذه المقادير قراءته القرآن كأنه أُنزل عليه اليوم!

وما فتئ كولن يلقي الضوء على التعدد عند السلف الصالح، وكيف كان تعدد تنوع لا تضاد، وعلى سبيل المثال يقول: “ففي سبيل الحصول على مرضاة الله تعالى كان هناك انسجام وتناغم بين الأفراد كالانسجام الموجود بين الأصوات في السمفونية، أي كان كل صوت متناغمًا ومتلائمًا مع الجو العام. كان ذلك موجودًا لأن كل فرد كان فردًا ناضجًا ويتبع الحق ويطير بجناح الشوق في أفق ما يراه مقدسًا، ويطمح في رؤية شعائره وهي تعظّم وتبجل، ولم يكن مهمًّا عندهم من سيقوم بالأمر. وما دام الليل قد انقضى وأشرق الصباح فلم يكن مهمًا لدى أحدهم أأعطي له منصب سلطان أم درجة متسول”.

ولهذا أوصى الدعاة قائلاً في هذا الشأن: “ولا تجعلوا الخلاف في الفكر والخلاف في الفهم وسائل للفرقة وللعداء، بل عُدّوا هذا الخلاف مصدر غنى فكري”.

ولأهمية المقاصد في قيام الجماعات أو سقوطها، فإن الهدف واضح بالنسبة لتيار الخدمة، ولذلك فإن الشخصية المعنوية لهذه الجماعة تتمحور حول “إعلاء كلمة الله” إذ أن جميع مناشط الجماعة وفعالياتها وقيمها وأهدافها تتوجه نحو هذه الغاية العظمى.

ولوضوح هذه الرؤية، وللرغبة في تعظيم الحس الجمعي للأمة، فإن فتح الله كولن قد رفض تأسيس أي حركة سياسية أو أيديولوجية دينية.

ومن منابع الفرقة الحرص الزائد على الوحدة، ومحاولة قولبة الكيانات الإسلامية، فإن هذا مدعاة لزيادة التشرذم وتعاظم الفرقة، ولهذا أوصى كولن الداعية المسلم بقوله: “لا تتصرف أبدًا كحواري الوحدة، ولا تقل لكل من تقابله: “تعال لنتّحد”، لأنها دعوة ليست في محلّها. أما عندما تقول هذا بأسلوب من يدعو الآخرين للانضمام إلى مجموعته فهو خطأ أكبر وعدم توقير، ذلك لأن مثل هذا الأسلوب لا ينتج عنه -حتى عند أكثر الناس جنوحًا للخيال- سوى زيادة التعصب لجماعته، بل قم بالثناء على خدماتهم، واحترم ووقِّر مرشديهم، وبهذا يلين حتى أكثرهم خشونة”.

 

المصدر: من كتاب “عبقرية فتح الله كولن”