الخطابة هي فنّ مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته، وهي من أشهر فنون القول في القديم والحديث، وقد اهتم بها الإسلام اهتمامًا بالغًا وارتقى بها من الوسيلة إلى العبادة وقرنها بفريضة صلاة الجمعة، يقول الشيخ الغزالي رحمه الله: “الخطابة في الإسلام مظهر الحياة المتحركة فيه، الحياة التي تجعل هذا الدين يزحف من قلب إلى قلب، ويثب من فكرٍ إلى فكر، وينتقل مع الزمان من جيلٍ إلى جيلٍ، ومن المكان من قطرس إلى قطر .. وذلك هو السر في أن نبي الإسلام كان يخطب كل أسبوع وكل عيد، ويخطب أو يُنيب عنه أميرًا يخطب في وفود الحجيج عند جبل الرحمة”[1].

كولن وسحر الكلمة

لقد آمن فتح الله كولن منذ اللحظة الأولى التي تحمّل فيها هموم الأمة ووعى هذه المسؤولية أن الكلمة لها تأثير سحري على المخاطبين؛ فقال: “والكلمة أهم واسطة لانتقال الأفكار من ذهنٍ إلى آخر، ومن قلبٍ إلى آخر. والذين يُحسنون استعمال هذه الواسطة من أرباب الفكر يستطيعون جمع أنصار عديدين للأفكار التي يريدون إيداعها في القلوب وفي الأرواح، فيصلون بأفكارهم إلى الخلود. أما الذين لا يُحسنون هذا ولا يستطيعونه فإنهم يقضون أعمارهم في معاناة فكرية ثم يرحلون عن هذه الدنيا دون أن يتركوا أثرًا فيها”[2].

بدأ كولن وظيفته الرسمية في عام 1959م، عندما فاز بالامتحان الذي رتَّبته “مديرية الشؤون الدينية”، ودامت هذه المرحلة ثلاثين عامًا قضاها إمامًا واعظًا ومدرسًا وإداريًّا، وجاب خلالها المحافظات كواعظ متنقل.

ولهذا كانت الخطابة من أول الوسائل التي استخدمها فتح الله كولن في دعوته، ومن أكثرها تأثيرًا على الجماهير؛ وفي هذا الصدد يقول أحد تلامذته: “إن فهم حركة فتح الله كولن وهدفها مرتبط بإدراك مفهوم ثقافة “الصُّحْبة” (أي الدروس الدعوية) والخطابة والحديث الشفوي في العالم الإسلامي، وإدراك طبيعة هذه التقاليد والعادات …، لقد نذر كولن (وارث هذه التقاليد) نفسًه وهمَّتَه لاستعمال فنّ الخطابة كواسطة للإرشاد والتبليغ، ولإثارة مشاعر الجماهير فيما يخدم المجتمع والدين والمِلَّة …، وقد بدأ وظيفته الرسمية للمرة الأولى في عام 1959م، عندما فاز بالامتحان الذي رتَّبته “مديرية الشؤون الدينية”، ودامت هذه المرحلة ثلاثين عامًا قضاها إمامًا واعظًا ومدرسًا وإداريًّا، وجاب خلالها المحافظات كواعظ متنقل…، وفي هذه المرحلة من وظيفته الرسمية مواعظ، تشكَّلت تجربته الأولى وممارسته وحواره وعلاقاته بالجماهير.

وبفضل قابليته الفذّة في فن الخطابة وإخلاصه وقدرته في تحريك المشاعر الدينية والمِلِّيّة لدى الجماهير، وبفضل هذه الخُطب والمواعظ، تجددت آمال وحماسة الجماهير التي كانت قد همدت منذ زمن طويل، لقد رجع الآلاف بل عشرات الآلاف من الناس إلى وعيهم في جو هذه الخُطَب الدينية، واكتسبوا الثقة بقيم حضارتهم”[3].

السر في تأثير خُطب كولن ومواعظه

والسّر في بلوغ خطب الشيخ فتح الله كولن هذه الدرجة العظيمة من التأثير أنها خضعت لضوابط وقواعد المنهج الدعوي، ومن أهمها الاستعداد والتهيؤ الذهني والقلبي والروحي قبل إلقاء الموعظة؛ وقد ذكر الأستاذ جمال تُرك _ أحد تلامذة الأستاذ كولن _ كيف كان يُعاني من أجل ذلك معاناةً تُشبه آلام المخاض فقال: “الأستاذ فتح الله كولن نعرفه ونَدرُس معه ونُصلّي معه ونأكل معه ونضحك معه ..، ولكن قبل ذهابه إلى المسجد بيومين لإلقاء الموعظة، كان يتغير كأنه يدخل إلى بُعدٍ آخر، يُقلُّ العلاقات بالناس كأنه يدخل إلى اعتكاف ..، استعدادٌ روحيٌّ وقلبي وفكري قبل الموعظة. وكان يقول لنا: “الاستعداد للموعظة علميًّا وفكريًّا أمر هيِّنٌ، أنت تجمع المعلومات وتستعد ..، ولكن الاستعداد الحقيقي هو أن تستيقظ في ظلام الليل وتتوجّه إلى الله تعالى وتدعو: يا رب، جمعت المعلومات ..، ولكن تأثيرها وفائدتها ونفاذها إلى القلوب ليس في مقدوري أو استطاعتي، لذا أرجو منك التأثير”.

إن أردتَ أن تقول سبحان الله وأن تذكر الله، ولكن قلتَ: سُبْ ..، ثم نظرتَ إلى داخلك فوجدتَّه لا ينبثق من القلب، فاسكت يا أخي عندئذٍ!.

تأشيرة الوجدان

وعند الأستاذ فتح الله كولن مصطلح مهم جدًّا وهو (تأشيرة الوجدان)؛ كان يقول: “يا أخي، إذا أردت أن تقول شيئًا فينبغي أن تكون على كل كلمة تقولها تأشيرة الوجدان، وإلا يا أخي لا تكذب !.

وقال لنا مرة: “إن أردتَ أن تقول سبحان الله وأن تذكر الله، ولكن قلتَ: سُبْ ..، ثم نظرتَ إلى داخلك فوجدتَّه لا ينبثق من القلب، فاسكت يا أخي عندئذٍ!”. إنّ “تأشيرة الوجدان” مصطلح مهمٌّ جدًّا لفهم الأستاذ كولن”.

وميزانه في هذا الأمر حسَّاسٌ للغاية؛ حتى إنه يقول: “لو تثاءبت أثناء الصلاة في الليل، لقضيتُ شهرًا لا أتكلم فيه بتاتًا عن الصلاة أمام عُمَّار المسجد”[4].

قلت: ويمكن تلخيص ذلك في الكلمة السائرة “ما خرج من القلب وصل إلى القلب، وما خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان”. كما لخَّصها الواعظ الشهير عُمر بن ذَرّ في كلمتين بليغتين حين سأله ابنُه ذَرّ قائلاً: “ما بالُ المتكلمين يتكلمون فلا يَبْكِي أحدٌ، فإذا تَكَلَّمْتَ يا أَبَتِ سمِعْتُ البُكَاءَ مِن هَاهُنَا وهَاهُنَا؟ فقال: “يا بُنيَّ لَيْستِ النَّائِحَةُ المُسْتَأْجَرَةُ كَالنَّائِحَةِ الثَّكْلَى”.

نذر كولن نفسًه وهمَّتَه لاستعمال فنّ الخطابة كواسطة للإرشاد والتبليغ، ولإثارة مشاعر الجماهير فيما يخدم المجتمع والدين والمِلَّة

سمات خُطَب كولن

نتيجة لثراء الجانب الروحي لدى الشيخ فتح الله كولن اتَّسمت خُطبه بالاتزان والاعتدال، ويصف لنا أحد تلامذته تلك الحالة بقوله: “بَعد رياضةٍ نفسية شاقة استغرقت أعوامًا عدّة، تطهَّرتْ عنده جميع حالات الانفعالات البشرية غير المنضبطة وتًصَفَّتْ، ومَرَّتْ جميع مشاعره من مِصْفَاة هذه التربية، فنراه وهو في ذروة الحماسة في خُطَبه، وقورًا مسيطرًا على نفسه، بينما نرى الكثير من الخطباء يفقدون السيطرة على أنفسهم في خِضَمّ شعورهم الحماسي في جوّ حماس الجماهير، وبعد أن تنحسر الحماسة تبقى هناك العبارات غير المناسبة التي تفوَّهوا بها، وتكون مصدرًا لإثارة المشاكل لهم، بينما كان الشيخ فتح الله كولن حين يرتقي المنبر ينشر جوًّا من الوقار والجدية فيما حوله، فلا يسمح لنفسه ولا للجماهير أن تبدر منه أو منها كلمة أو تصرُّف غير لائق. كان يشعر قبل خروجه أمام الجماهير بآلام تُشْبِه آلام المخاض. وبالتالي يعتني عناية فائقة ألَّا يخرج من فمه أيّ فكر أو كلام لم يأت أوان ولادته. فما لم نفهم مدى قدرته على الخطابة، وما لم نستوعب أسلوب حياته الحسَّاسة التي تشكَّلت حولها فلن نُدرك مدى تأثير هذا التراث الخطابي على مقومات الجماعة”[5].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] ) محمد الغزالي، دراسات في الدعوة والدعاة، صـ242.

([2] ) فتح الله كولن، الموازين أو أضواء على الطريق، صـ114.

([3] ) أنس أركنه، فتح الله كولن جذوره الفكرية  واستشرافاته الحضارية، صـ36/ 37 بتصرف.

([4] ) أرطغرل حكمة، فتح الله كولن قصة حياة ومسيرة فكر، صـ66.

([5] ) أنس أركنه، مرجع سابق، صـ39/ 40.