محمد فتح الله كولن مؤلف الكتابين “النور الخالد: محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية” و”التلال الزمردية: نحو حياة القلب والروح” اللذين بلغ فيهما الذروة في الإبداع والإشراق والإقناع، ربما تختلف صورته عنه في الحوار الذي أجرته معه “بي بي سي” البريطانية، ونشرت وقائعه في موقع “الملف التركي” على الإنترنيت. كما أن محمد فتح الله كولن مؤلف الكتابين “ترانيم روح وأشجان قلب” و”الموازين، أو أضواء على الطريق” هو غيره في الحوار الذي أجرته معه صحيفة “وول ستريت” الأمريكية. في هذه الكتب الأربعة، وفي غيرها من مؤلفاته، تطالعنا صورة المفكر المنظر المصلح داعية الحوار والسلام باني النهضة ورافع قواعد الانتعاش الروحي والعودة إلى الجذور والأوبة إلى الذات. كما تتجلى للقارئ المتمعن في هذه الكتب، صورة الكاتب المبدع والشاعر المرهف الإحساس والمثقف الموسوعي الجامع بين الأصالة الحامية للذات وبين المعاصرة المنفتحة على العصر. بينما يبدو فتح الله كولن في حواره مع “بي بي سي” و”وول ستريت” مفكرًا، قائد حركة، حادي ركب، رائد نهضة، منفتحًا على الدنيا، خائضًا في الشؤون السياسية على المستويين الوطني التركي والدولي الإنساني، معارضًا حكيمًا لبعض السياسات التي ينهجها الحزب الحاكم في تركيا، على نحو غير معهود في المعارضين السياسيين للاختيارات السياسية والاجتماعية التي تعتمدها حكومات بلدانهم؛ فهو هنا في هذين الحوارين، معارض من طراز متميز، رفيع المستوى، راقي الفكر، حصيف العقل، يعرف كيف يختار مفرداته بدقة، فلا يطيش له سهم ولا يجمح به فرس، كما تقول العرب.

كولن والتكامل النظري

هل ما سبق يعد تناقضًا؟ أو ظهور بمظهرين، أو كيل بمكيالين، أستبعد شخصيًّا أن يكون مؤلف “النور الخالد” و”التلال الزمردية” وغيرهما من المؤلفات الراقية، يتناقض في أقواله، وفي أفكاره، وفي مواقفه. أستبعد ذلك تمامًا وعلى وجه الإطلاق، استنادًا إلى ثقتي المطلقة في هذا المفكر المجدّد الجسور الذي قرأت طائفة من كتبه، والذي أواظب على قراءة مقالاته الافتتاحية التي ينشرها في مجلة “حراء” التي تصدر من إسطنبول وأتابعها بانتظام، وقرأت سيرة حياته المبهرة التي كتبها المرحوم الدكتور فريد الأنصاري وقرأت كتبًا أخرى عنه. ولكن هذا هو ما يمكن أن نسمّيه “تكاملاً نظريًّا” أو لنقل “ترابطًا تنظيريًّا” بين المفكر المنظر الفيلسوف الشاعر المبدع، وبين القائد الفكري والزعيم الروحي وصاحب الدعوة وربّ المشروع والراعي للنهضة في بلده وفي خارج بلده، بقدر كبير من التفتّح والوعي والرشد والحكمة والإحساس العميق بالمسؤولية. ذلك أن فتح الله كولن لا يعزل نفسه عن مجرى الحياة لائذًا بذاته يطلب الخلاص لها، ولكنه يعيش عصره، ويمدّ جسوره إلى العالم من حوله، ويحيا مع أهله في الوطن ويشاركهم همومهم وآمالهم وآلامهم، على الرغم من البعد الجغرافي، ويندمج في أحداث العصر ويتفاعل مع قضايا الساعة، ويتابع، ويراقب، ويرصد بعقل راجح التطورات التي تحدث، ويوجّه بمحبة فياضة أنصاره ومحبّيه وتلامذته من كل الفئات والمستويات وفي مختلف المواقع، نحو إعلاء صرح الروح، وتزكية النفس، وإقامة البناء النهضوي، وإنجاز التغيير الذي يحقق التقدم المادي والرقي الاجتماعي والرخاء الاقتصادي للمجتمع. وهذه الصورة للمفكر ولزعيم الحركة ولقائد معركة البناء الحضاري، غير معهودة في المجتمعات العربية، ولذلك يبدو الأمر وكأن ثمة تناقضًا، أو تضاربًا، أو اختلافًا بين الصورة والأصل.

القارئ لكتب فتح الله كولن تطالعه صورة الكاتب المبدع والشاعر المرهف الإحساس والمثقف الموسوعي الجامع بين الأصالة الحامية للذات وبين المعاصرة المنفتحة على العصر

دفع الافتراءات

لقد وجّهت سهام الاتهام من الحزب الحاكم في تركيا إلى الأستاذ فتح الله كولن للنيل منه ولم تنقطع حتى الآن، فقيل إنه يخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من خلال الموقف الذي اتخذه من القضية التي باتت تعرف بـ”مَاوِي مَرمَرَة”. وفي ردّه على “بي بي سي” قال: “أما إظهار الحركة -حركة خدمة- كأنها موالية لإسرائيل، وكأنها تفضّل إسرائيل على أمّتها، فلا يمكن أن يأتوا بشيء يدلّ على ذلك. ولكنهم يُسندون ادعاءاتهم إلى سفينة “مَاوِي مَرْمَرَة”. فعقب حوار أجري معي سألوني كما تسألون الآن: ما تَقيِيمكم للموضوع؟ قلت: حبّذا لو استُخدمت الدبلوماسيةُ إلى حدّها الأخير ولم يُلْجَأ إلى العنف. لأن ذلك سيؤدّي إلى مشكلات اجتماعية ومضاعفات أخرى. لا أدري كيف رفعت الجريدة كلماتي إلى المانشيت. فكانت التفسيرات في تركيا مختلفة، أي كأنني وقفت إلى جانب آخرين ضد إخواننا وإنساننا. ولكن لا، إنما أبديتُ قناعتي تلك حتى لا تحدث مشكلات أخرى. ولو حدث الشيء نفسه اليوم لأبديتُ الملاحظات نفسها. في رأيي ينبغي أن تستخدم الدبلوماسية حتى النهاية، وينبغي أن لا يُدفَع الناس إلى الجبهة لتسفك دماؤهم وتزهق أرواحهم. هذا ما أردتُ أن أقوله حينئذ، وأعتقد أن إلصاق تلك التهمة مرتبط بموقفنا ذاك”.

قضايا الفساد

كما وجّه إلى كولن الاتهام بأنه هو من حرك إشهار قضية الفساد ضد الحكومة. فقال في ردّه على (بي بي سي): “ليس من الصحيح التسليم بأن جميع من تعرضوا للتصفية، ومن نقلوا إلى مواقع أخرى، هم من “الخدمة”. أحسب أن بين هؤلاء الرجال يساريّين وديمقراطيين ووطنيين وقوميين. وليس بمقدورنا أن نرفع إعلانات للناس نقول لهم فيها “حذار ثم حذار.. إياكم أن تتعاطفوا معنا، إياكم أن تحبّوا خدمتنا وحركتنا”. وكما قلت من قبل، لا أعرف واحدًا في الألف من هؤلاء الذين شتّتوهم في الشرق والغرب. ولا أبالغ في ذلك، لأن الله سيحاسبني على ما أقول”.

اختراق الشرطة والقضاء

ويُتهم فتح الله كولن دومًا بأن الجماعة قد اخترقت سلكَيْ الشرطة والقضاء. وحول سؤال من “بي بي سي” عن الأسباب التي تجعل حركة الخدمة تشجع بشكل قوي تلاميذها على ولوج هذين السلكين، أجاب بقوله: “دعونا أولاً نصحح طرح السؤال. إنني أتحدث فقط عن دعوتي الخاصة التي وجّهتها للشعب التركي بشكل عام. لقد اعتقدتُ دائما أن التعليم هو أفضل وسيلة لتنشئة الأفراد وبناء قاعدة صلبة للمجتمع. يبدأ كل مشكل اجتماعي مع الفرد، ويمكن حَـلـه على المدى الطويل على مستوى الفرد. أما الحلول التي تعتمد على المنطق التنظيمي، أو المؤسّساتي، أو السياسي، فمصيرها يكون دائمًا الفشل، خصوصًا إذا أَهملتِ (هذه الحلول) الفردَ. ولذلك كانت دعوتي في الأول والآخر للتعليم. وهذا ما شجّع كثيرًا من الناس الذين اتفقوا مع أفكاري على إنشاء مؤسسات تعليمية مختلفة. فكانت هناك بيوت الطلبة، ومراكز التحضير للامتحانات، ومدارس خاصة، ومراكز دعم مجانية. وقد مكّنت هذه المؤسسات شرائح مجتمعية واسعة من الحصول على تعليم رفيع الجودة، الشيء الذي كان ولحدّ الآن متوفرًا فقط لقلة محظوظة. لقد شجّعتُ الشعبَ التركيَّ على أن يمثل في جميع أوجه مجتمعه وفي مختلف مؤسسات بلده، لأنه من المهم جدًّا أن تَعكِس هذه المؤسسات تنوع المجتمع. لكن اختيار المسار المهني يكون بيد الطلاب وأولياء أمورهم، وقد تؤثر بعضُ العوامل كفرص العمل المتاحة أو فرص الترقي المهني على اختياراتهم. ثم إنني لست متأكدًا من مدى تأثير دعوتي الخاصة للتعليم على اختيارات هؤلاء الطلبة. كما أنه ليس لديّ تقييم دقيق حول الاختيارات المهنية التي اختارها خريجو مدارس “الخدمة”. ولكن على عكس ما قد يَتصوّر البعض، فالملاحظ تاريخيًّا وعمليًّا، أن التخرج من إحدى مدارس الخدمة كان يعتبر سببًا محتملاً للتمييز السلبي للالتحاق بالمجالات التي ذكرتْ (الشرطة والقضاء)..”.

وفي النهاية فالمفكر المجدّد داعية الحوار والسلام فتح الله كولن الذي أصبح اسمه يفرض نفسه في تركيا وفي غيرها، يقف اليوم في ساحة الصراع بين الحق والباطل، يواجه العاصفة برباطة جأش، وجسارة قلب، وصلابة موقف، مما يجعله شخصية جديرة بمراجعة أفكاره وتحليل مواقفه ومتابعة أخباره.

 

المصدر: من كتاب “نور وفتح”