لم يخب ظني عندما كتبت عن غرباء الأستاذ فتح الله جولن الأسبوع الماضي بأن يسعى بعض القراء إلى معرفة المزيد عن طبيعة هؤلاء الغرباء أو الأخيار الأطهار الذين كتب عنهم مؤسس حركة الخدمة التركية التي تضع على رأس أولوياتها الاهتمام بالتعليم حتى حلت مدارس الحركة في جميع أنحاء العالم لتنشر راية العلم خفاقة في السماء.. ولكم أسعدتني مفاجأة أن الجميع تساءل عن أفكار هذا الفيلسوف الذي استطاع أن يتفوق على دولة بحجم تركيا بأفكاره العظيمة التي لم تستفد منها بلاده، بل وناصبته وأنصاره العداء إلى حد التنكيل بهم وتعذيبهم واعتقالهم بلا تهم. وأكتب اليوم واحدة من روائع العلامة جولن بعنوان: “فرسان الوجد فى هذا الزمان”، تحدث فيها عن العشاق المتيمين الذين ينجزون الأفكار العظيمة والغايات السامية والمشاريع العالمية الكبرى، هؤلاء الذين فاضت صدورهم بأشواق أخروية غامرة، ورابطوا في مواقعهم بثبات لا يعرف الفتور. قال جولن: إن بلاده وربما يقصد العالم بحاجة إلى أبطال يجيدون التفكير بهذا المستوى الراقي، ينزلون أفكارهم إلى الواقع، يخرِجون أمتهم أولا، ثم البشرية كلها من الظلمات إلى النور. فالإنسانية بحاجة إلى أرواح نذرت نفسها للحقيقة، وتحث الخطى بعزم لكي تعد جميع الأرواح الميتة لبعث جديد. ويرى أن البشرية تتشوق لأرواح تجوب الأرجاء كلها تنفخ الحياة في جميع النفوس، وإن كانت تجيد استخدام القلم فبلسان قلمها، وإن كانت منفتحة على علوم الجمال فبزخارف إحدى الفنون الجميلة وخطوطها، وإن كانت شاعرة فبسحر شعرها، وإن كانت موسيقية فبألحانها الأخاذة ونغماتها الآسرة.

فرسان جولن كالأنهار الهادرة يحملون حياة إلى كل أرض يمرون بها، يطفئون حرقة كل إنسان ولهيب كل مكان، وكالنار المشتعلة تدفئ الآخرين من برودة الثلج وإن أكل من جسمه، وكالشموع المتقدة تحترق وتذوب لتهدى آلاف العيون نورا وضياء. وفرسان المفكر التركى يسيرون كالساعة تناغما حين يتحركون، ورمزا للتوقد والإبداع والسداد حين يتحدثون. ويؤمن جولن بأن وجه العالم سيتغير بفضل جهود هؤلاء الفرسان الذين تشع قلوبهم محبة ونذروا أنفسهم لإقامة صرح القيم الإنسانية ونشر الطمأنينة والسلام.

المصدر: جريدة الأهرام المصرية، السبت، 28 يوليو 2018 السنة 142 العدد 48081.

رابط المقال: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/663698.aspx