فى كل عام حين يدركنا شهر رمضان، أحاول ان أعكف على القرآن الكريم قراءة ودراسة وتدبراً، أجعله منظاراً لرؤية العالم حولى من جديد، وفى رمضان من العام الماضى – وكنتُ عائداً لتوِّى من رحلةٍ إلى نيجيريا رأيتُ خلالها من آثار تلاميذ الأستاذ فتح الله كولن ما ملأ القلب فرحا والروح توقاً إلى المزيد – سألتُ الأخ الحبيب الأستاذ نوزاد صواش: أليست للأستاذ كولن دراسة عن القرآن لعلى أستأنف بها رحلتى فى عالمه الروحي، استكمالا لرحلتى فى عالم منجزاته الحضارية؟ فكان جوابه: بلى، هناك كتابٌ تمت ترجمته وهو فى طور الإعداد للطباعة والنشر.

وهاهو ذا الكتاب – الذي كان لي نعم الرفيق فى شهر القرآن – يصدر تحت عنوان (القرآن الكريم: البيان الخالد ” لسان الغيب في عالم الشهادة”)، وكأنه صدر ليكون توأم” النور الخالد: محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – مفخرة الإنسانية ” والمتمِّم لمعناه، والمكمِّل لفحواه.

واليوم أعاود القراءة فيه من جديد بعقل الباحث ومنطق الدارس، بعد أن سبقت لى قراءته بعاطفة المتلقِّى لإشراقاته، وروح الظمآن للطائفه ونكاته، وهما قراءتان مختلفتان أيِّما اختلاف.

الفكرة المحورية التي يدور حولها هذا الكتاب هي الرؤية الكونية الشاملة التي لا تجزِّئ الإنسان، ولا تفصل بينه وبين الكون من ناحيةٍ ككتابٍ لله منظور، وبين القرآن الكريم ككتابٍ لله مسطور.

والحقيقة أنه مع كل قراءةٍ لكتابٍ جديد يصدر للأستاذ فتح الله كولن، يتملَّكنى شعورٌ بأن الهدف الأسمى الذي يسعى الرجل إلى تحقيقه والتمكين له هو: إنسانية الإنسان بكل ماتحويه هذه الإنسانية من قيمٍ عليا ومُثُلٍ رفيعة

  • فكرة محورية

أكاد أزعم أن الفكرة المحورية التى يدور حولها هذا الكتاب هى الرؤية الكونية الشاملة التى لاتجزِّئ الإنسان، ولاتفصل بينه وبين الكون من ناحيةٍ ككتابٍ لله منظور، وبين القرآن الكريم ككتابٍ لله مسطور.

فالإنسان والكون والقرآن أوجهٌ مختلفة لحقيقةٍ واحدة –كما يقول الأستاذ-، وإدراك الصلة بين الله والكون والإنسان لاتُدرَك إلا بالقرآن الكريم، و( الإنسان – الكون – القرآن ) كلُّها مرايا لأسماء الله الحسنى ، ولهذه الثلاثة محورٌ واحد تدور عليه، بدونه لايمكن فهم أىٍّ منها وهو: معرفة الإنسان ذاتَه، وإدراكه لحقيقة وجوده من خلال معرفته لربه وتلمُس الخصائص الربوبية فى الصفات الإنسانية “فمن عرف نفسه فقد عرف ربه”، وهذا ما لا يتم إلا بماء القرآن وغذائه ، فالإنسان – إذاً – هو موضوع القرآن أو أهم موضوعاته، ولذا فالأستاذ يدعو الإنسان أن يبحث – على الأقل – لمدة ساعة من الأربع وعشرين ساعة عن ذاته فى القرآن الكريم، وأن يحاول العثور على حقيقة نفسه فيه، فالقرآن هو الذى يحدِّد لهذا الإنسان الحائر دوره فى هذا الوجود، ومكانته بين الكائنات فهو بمثابة الإحداثيات التى تحدَّد – بدقةٍ بالغة – موقع الإنسان من الكون والحياة .

هذه الفكرة المحورية – فى نظرى – هى الفكرة التى ينطلق منها الأستاذ حتى وهو يتحدث عن الجوانب البلاغية والبيانية فى القرآن الكريم، وهذا مايجعل للقرآن الكريم البيان الخالد مجالاً مغناطيسيا ما إن يدخل فيه أحدُنا حتى ينجذب إليه فيتعلَّق به قلبه، ويظلُّ يدور فى فلكه وكأنه مولوىٌّ عاشقٌ مجذوب.

مع كل قراءةٍ لكتابٍ جديد يصدر للأستاذ كولن، يتملكني شعورٌ بأن الهدف الأسمى الذي يسعى الرجل إلى تحقيقه والتمكين له هو: إنسانية الإنسان بكل ما تحويه هذه الإنسانية من قيمٍ عليا ومُثُلٍ رفيعة.

  • محوران يدور حولهما الكتاب

 إذا اقتربنا أكثر من مضمون الكتاب ومعالجته للخطاب القرآنى من حيث نظمه وبيانه من جهة، ومن حيث أهدافه ومعانيه من جهة أخرى، نجد أن الكتاب فى تناوله لخطاب القرآن وبيانه الخالد يدور حول محورين أساسيين، صحيح أن طريقة التناول ذاتها يتداخل فيها المحوران ويتقاطعان فى مواضع مختلفة من الكتاب، إلا أن هذا التداخل والتقاطع من طبيعة الدروس الوعظية التى هى فى الأصل مادة هذا الكتاب.

أما المحور الأول فيتناول القرآن من حيث أسلوبه وبيانه وإعجازه البلاغى وتصويره الفنى أو مايمكن تسميته “القشرة الخارجية للجمال اللقرآنى ” على حدِّ تعبير الدكتور محمد عبد الله دراز – رحمه الله –، ويمكنك تلمُّس معالم هذا المحور فى الفصول الأول والثاني والرابع.

ويدور المحور الثانى حول الخطاب القرآنى من حيث مضمونه وغاياته ومعانيه، وهذا المحور يدور فى فلكين متداخلين هما: علاقة القرآن بالكون، وعلاقته بالإنسان، ويمكنك تلمُّس معالم هذا المحور بفلكيه من خلال قراة الفصول الثالث والخامس والسادس والسابع والثامن.

وسأتناول الحديث عن كل محور فى حلقة منفصلة خشية الإطالة والإسهاب في المقال الواحد، راجيا من الله – تعالى – حسن القبول.