يدور المحور الأول حول البيان القرآني من جهته اللغوية ، فيتحدث عن براعة البيان القرآني من حيث تعدد الوجوه في معانيه واتساعها بالقدر الذي تتحمل معه اجتهادات البشر عبر الأجيال المتعاقبة، وعن النسق القرآني واتساقه، ويتحدث الفصل الثاني عن الإعجاز الأسلوبي في القرآن الكريم من حيث تصويره الفني والجمالي والانسجام بين ناسخه ومنسوخه وإعجازه البديع في التعبير عن مقاصده ومراميه، ثم يأتي الفصل الرابع متحدثا عن الأسلوب الفريد للقرآن الكريم وعن القوة التعبيرية للقرآن، والترابط بين المبنى والمعنى المراد وعن الموسيقى اللفظية لألفاظ ومباني الآيات القرآنية.

يؤكّد الأستاذ في تناوله للبيان القرآني على براعة القرآن في تصويره الفني، وموسيقاه اللفظية، وجماله البياني، وقوته التعبيرية.

ولاشكَّ أن هذا الباب بابٌ طرقَه من قبلُ الكثير من العلماء القدامى منهم والمحدثون، بل أزعم أن الحديث عن القرآن الكريم كمعجزة خالدة يكاد يقتصر – لاسيما عند القدامى – على الحديث عن هذا الباب من الإعجاز اللغوى والبياني، سواء في ذلك علماء اللغة الذين جعلوا الحديث عن هذا الجانب مستقلا في بحوثهم مثل الإمام الباقلاني (ت 403هـ) والإمام عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ)، أو علماء التفسير الذين جعلوا الحديث فى هذا الباب متضمَّناً في إطار تفسيرهم لآيات القرآن الكريم وتأويلهم لمعانيه.

وكذلك في العصر الحديث نجد الأستاذ مصطفى صادق الرافعي (ت 1937 م) يتحدث عن إعجاز القرآن في جانبه البياني، وعلى منواله يأتي الدكتور محمد عبد الله دراز (ت 1957 م) في كتابه الرائع ” النبأ العظيم ” متجاوزا الحديث عن إعجاز القرآن البياني في ألفاظه وآياته، إلى الإعجاز في الوحدة البنائية للقرآن الكريم، وهو مافصَّل فيه من بعدُ الدكتور طه جابر العلواني (ت 2016 م) في كتابه “الوحدة البنائية للقرآن المجيد”.

وعلى الرغم من كون هذا الباب بابًا مطروقا، ومدخلا معروفًا، إلا أن الأستاذ تناوله بأسلوب العارف بدقائق البيان القرآني، وكعادته دوما في تناوُل القديم وكأنه جديد لم يسبقه إليه أحد، وفي هذا المحور يمكن أن نرصد بعض النقاط في إيجازٍ أرجو ألا يكون مُخِلّا: –

1ـــــ تأكيده على أن مقارعة العرب للقرآن ولمن أُنزِل عليه بالسيوف ماهي إلا نتيجة لعجزهم التام عن مقارعته بالحروف، وهو العجز الذي أشار القرآن إليه فى غير ما موضع.

2 ــــ الانفتاح على مختلف الرؤى والنظرات التي تبدو متباعدة ومتنافرة، لكنه يجمعها في سياق بنّاء، وينظر إليها باحترام نظرة المستفيد من كل جهد مبذول في النظر إلى كتاب الله – تعالى -ومن ذلك – على سبيل المثال-

أ ــــ حديثه عن جزالة النظم القرآنى في قوله –تعالى –”ولَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ”(الأنبياء / 21) وفي إطار الحديث عن استخدام القرآن لألفاظ توحى بالقلة مثل “من” للتبعيض، و “مسَّ” وهو اللمس بأطراف الأصابع، يورد الأستاذ قولاً في معنى “العذاب” للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، يردُّ فيها معنى “العذاب” إلى كلمة “عذب” ودلالته على العذوبة، ومن هنا ادَّعى ابن عربي أنهم إذا طال لهم العذاب ألِفوا النار واستعذبوها !! وعلى الرغم مما في قول ابن عربي من غرابة وبعد عن المعنى الظاهر للآية، إلا أن الأستاذ وضعه في سياق لايقبله بالكلية، ولكن يأخذ منه ما يخدم المعنى المراد وفي الوقت يجعلك تستطيع تفهُّم بعض “شطحات” السادة الكرام من الصوفية الكبار.

ب ـــ في حديثه المقتضب عن الحروف المقطَّعة في القرآن الكريم، يفتح للقارئ آفاقًا جديدة لمحاولة الفهم، فيشبّه هذه الحروف المقطَّعة بمفاتح الشفرات، حيث أن أسرار القرآن أُودِعت في روحه مشفّرةً، وغرض التشبية – بالطبع – التقريب إلى الأذهان، بل يؤكّد أن من استطاع من العلماء الربّانيين اكتشاف هذه الشفرات، انفتحت أمامه أبواب ٌمن كنوز القرآن، ومن هؤلاء ابن عربي والأستاذ بديع الزمان النورسي.

جـ ــــ في إطار حديثه عن تعدد الوجوه في الآيات القرآنية، ورفع ما قد يتوهمه البعض من تعارض بين الآيات المختلفة في الموضوع الواحد (مثال ذلك آية الوصية في سورة البقرة (آية 180) وآية المواريث في سورة النساء ( آية 11) يلجأ جمهور العلماء لرفع مثل هذا التناقض المتوهّم إلى القول بالنسخ في القرآن، وتذهب مجموعة أخرى من العلماء إلى أنه لانسخ في القرآن وهو قولٌ له وجاهته على الرغم من مخالفته لرأى الجمهور، فيجمع الأستاذ بين القولين دون اتهام للقائلين بعدم وجود النسخ – كما فعل الكثيرون – بل لعله في محاولته التوفيق بينهما كان متفهما لغاية القائلين بأن لانسخ فى القرآن دون موافقتهم تماما لما ذهبوا إليه، ومن ذلك بيان الانسجام بين الآيات التى يورد ظاهرها التعارض مثل الآيات التى توضح التدرج في تحريم الخمر.

في حديث كولن المقتضب عن الحروف المقطَّعة في القرآن الكريم، يفتح للقارئ آفاقًا جديدة لمحاولة الفهم، فيشبّه هذه الحروف المقطَّعة بمفاتح الشفرات.

د ـــ شمول عطاءات القرآن الكريم لمختلف الثقافات والبيئات والأزمان، وفي هذا الإطار يؤكد الأستاذ أن للآية الواحدة “ظهرًا” و”بطنًا” بمعنى معنى ظاهر ومعاني خفيّة لاتنكشف إلا لذوي البصائر فالأديب الأريب والفلاح والفيلسوف المحقق والفلكي المحلِّق وغيرهم وغيرهم، كل واحد منهم يجد في القرآن ضالّته، ويعثر فيه على بغيته.

هـ ـــ يؤكّد الأستاذ في تناوله للبيان القرآني على براعة القرآن فى تصويره الفني، وموسيقاه اللفظية، وجماله البياني، وقوته التعبيرية، وقضية التصوير الفني في القرآن تناولها مفكرون أفاضل تنبهوا لها وألفّوا فيها، والأستاذ هنا يتناولها من منظور الترابط بين المبنى والمعنى ومن منظور جديد وهو أن القرآن يلبّي حاجات الناس الفطرية في التمتّع بالنغم الصوتي، فالقارئ والسامع إذا أرخى لنفسه العنان وترك ذاته لشلّال البيان القرآني، حينها سينتهي الزمان والمكان بالنسبة له، ويدخل إلى أعماق القرآن، ويسّلم له قلبه وأحاسيسه.