قراءة في كتاب “لمسات في إصلاح المجتمع”

“لا أكتب لأسرق جيبك، أو لأضيع وقتك؛ بل أكتب لتغذية عقلك، وإحياء قلبك”، هكذا أفهم رسالة العلم، وأعي مقاصده، كلما نظرت في كتب المفكرين المصلحين، والعلماء المجددين…، “لمسات في إصلاح المجتمع” لمؤلفه: الأستاذ: محمد فتح الله كولن، أحد هذه الكتب التي أرسخت في وجداني تلك الرسالة. وليس بأول الكتب التي اطلعت عليها له، إلا أنه يُعدُّ واحدا من أهمها في سبيل إصلاح المجتمع وبنائه.

لقد أَوْلى الأستاذ “كولن” بناءَ الإنسان عناية تامة، فحديثه عن الإنسان وسبل إصلاحه وتربيته، يفوق في كثير من الأحيان حديثه عن المشكلات الإنسانية وسبلِ حلِّها، ولا عَجَبَ في ذلك، فكما أن الإنسان هو مصدر كثير من المشكلات، فكذلك هو مصدر حلها والتغلب عليها؛ لذا كان الإنسان محطَّ عناية الأستاذ وفكرِه الشاغل، إذ يقول: “إن التخبط الحادث في عصرنا يكمن في السعي لإزالة المشكلات الاقتصادية والسياسية والإدارية والاجتماعية قبل الوصول إلى حل للمشكلات المتعلقة بذات الإنسان، بيد أنه لا يمكن إزالة هذه المشكلات ما لم يصبح الإنسان بالمستوى الذي حدده القرآن الكريم”.

وفيما يلي عرضٌ لأهم الأفكار التي تناولها الكتاب من وجهة نظري كقارئ لفكر مؤلِّفه، ولست أعرض تلخيصًا لموضوعات الكتاب؛ فحسبك الرجوع إلى فهرسه لتتعرف عليها،

يتناول الكتاب كثيرًا من الأفكار الأساسية التي لا ينبغي حطُّ أنظارنا عنها أثناء العمل الإصلاحي في حَقْلَي الفرد والمجتمع على حد سواء، وفيما يلي عرضٌ لأهم تلك الأفكار في صورة نقاط غير مرتبة ترتيبا رقميا لئلا يُظنَّ أنني أقدم فكرة على أخرى، فكلها عندي أَوّلٌ جديرٌ بإفراد دراستها والعمل بها. وسنبدأ بالحديث عن إرادة الإنسان.

الإنسان هو مصدر كثير من المشكلات، فكذلك هو مصدر حلها والتغلب عليها؛ لذا كان الإنسان محطَّ عناية الأستاذ وفكرِه الشاغل

لقد جاء الحديث عن تلك المسألة في حوالي تسعة مواضع من هذا الكتاب، أو ربما يزيد، فمثلا: ينادي الإنسانَ إلى تقوية إرادته، ويعدها عاملاً رئيسًا ضمن عوامل أربعة من أجل الارتقاء إلى حياة القلب والروح، والحظوة بالسير في تلال القلب الزمردية وهي:

  • تجفيف منابع الميول الشريرة (التخلية).
  • تقوية الإرادة بإثارة الميول الخيِّرَة وتحفيزها (التحلية).
  • الثبات والاستمرار.
  • السير في الطريق على نحو يوافق أركان هذا الطريق.

وبعد أن عرض الأستاذ لأهم الأوصاف اللازمة لأرباب المستوى ختم ذلك بقوله: “ينبغي أن يعيش الإنسان حياته كلها موفيًّا إرادته حقها، رغمًا عن رغبات نفسه وأهوائها الطليقة”.

ويبين في موضع آخر أنَّ “الإرادة مع نظيرتها من الحسِّ والشعور أشياء لا يمكن تجاهلها، وهذه العوامل، تميز الإنسان عن سائر المخلوقات المسخَّرة لأمره، كما تميزه عن باقي المخلوقات المشابهة له في الكون، وإن كان يأنس بها”.

ويطالب الإنسانَ الذي يسير داخل حدود الفطرة بأن يعطي إرادته حقها حتى لا يتسم بصفة من صفات الحيوان البهيمي، وعليه أن يبلغ مرتبة الإنسانية بإرادته وهو حر مطلق، أو بتعبير أصح: وهو (حر مقيد)، وينبغي له كذلك أن يحمل المشاعر والأفكار الإنسانية المقدرة للإنسان، ويسمو إلى ذلك المقام.

وعند حديثه عن القدَر ومعالجته للمفاهيم الخاطئة حوله، تراه يُعلي من إرادة الإنسان إلى حد بعيد، فيقول: “إنه ليس ثمة تقدير على الإطلاق لا تراعى فيه إرادة الإنسان، وإلا فهذا نوع من الجبر”. ويُفرِّق بين القدَر الجبري والقدَر الإرادي، فالأول يسري على المخلوقات عديمة الإرادة الموجودة في الكون، كالشمس والقمر والأرض والنجم والحجر… إلخ، أما بالنسبة للجنِّ والإنس والمخلوقات صاحبة الإرادة فإن القدر الإرادي هو الساري عليها.

وتَكتسب إرادةُ الإنسان الشخصيةُ وقواهُ المعنويةُ القوةَ من خلال الدعاء الذي يعتبره الأستاذ “كولن” طلبا موجها إلى الله تعالى بخَلْقِ أو بعَدَم خَلْقِ أسبابِ أمرٍ ما.

لقد بلغ الأستاذ كولن بإرادة الإنسان منزلة عالية لا ينبغي إغفالها حتى في أمور الحياة اليومية كتنظيم الطعام والشراب لئلا تطغى الجوانب المادية على حياتنا، كما يدعو إلى عدم إغفال جهد الإنسان وسعيه، وألا تُنكر إرادته، إلى جانب العناية الإلهية في الخِدْمَات أو الأعمال المنجَزة.

حول الإنسان الكامل

لا يستطيع المتأمل لكلمات الأستاذ كولن التغافل عن ذلك الهدف السامي الذي يُعتبر نتيجة لازمة إذا تحققت عملية بناء الإنسان بشكل سليم؛ فيدعو الإنسانَ أن يكون الارتقاء نحو الكمال الإنساني غايته وهدفه، يدعوه إلى البحث عن التكامل في كل شيء بداية من الذات ومرورا بأدق الأشياء في حياة الإنسان.

إن دعاء استفتاح الدرس الذي كتبه الأستاذ بنفسه، يبين لنا هذا الهدف بوضوح تام، إذ يطلب فيه من الله تعالى بلوغ الكمال والتمام في الإخلاص واليقين والتوكل والمعرفة والعشق والاشتياق إلى لقاء الله تعالى. ويقول في هذا الكتاب: “إننا نستهدف أعظم التقوى وأعظم الإخلاص وأعظم الورع والتحلي بهم جميعا”. وفي موضع آخر يقول: “إن التكامل مع الذات يكون من خلال جعل هذه الأوصاف السابقة ونحوها بُعدا من أبعاد الفطرة الإنسانية”.

لقد بلغ الأستاذ كولن بإرادة الإنسان منزلة عالية لا ينبغي إغفالها حتى في أمور الحياة اليومية كتنظيم الطعام والشراب لئلا تطغى الجوانب المادية على حياتنا

ونحو هذه الفكرة يتجه بفهمه لِمَثَلَيْنِ في القرآن الكريم، ويُغَيِّر نظرتنا السابقة عنهما، ففي سياق الحديث عن قول الله تعالى: )فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ((الأعراف:176) وقوله تعالى: )مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا( (الجمعة:5) يَعْتَبر هذين المَثَلَين في الحقيقة دعوة إلى الكمال البشري، حيث يقول: “ولابد من التركيز على هذا التشبيه، والنظر إليه باعتباره تشبيها تحذيريا…، وللعلم فإنَّ الإنسان يُدْعى بواسطة هذه الأمثلة وما شابهها إلى أن يكون إنسانًا كاملاً، حيث يوجَّهُ الإنسانُ إلى السلوك الإنساني من خلال تجنب القيام بتصرفات حيوانية”.

التمييز بين ما هو أساسي وما هو عرضي

لفت نظري مسألة مهمة تعرض لها الأستاذ كولن ضمن المسائل المطروحة في هذا الكتاب بقوة، والتي يسيء البعض فهم مقصوده منها، ومن ثم توظيفها ضد الخدمة بصورة مغلوطة. وهي مسألة التمييز بين الأساسي والعرضي، ومن الجيد التعرض لتلك المسألة بشيء من البيان عند حديثه عن الحوارات التي نجريها باسم الإسلام أمام مختلف شرائح المجتمع، وما الذي ينبغي سلوكه في هذه الحوارات؟ وكان الجواب في جملة واحدة حيث قال: “ينبغي لنا التحلي بالروح والمعنى المحمدي على اتساع معناهما ومرونتهما”. ولعل هذه الجملة تمثل مدخلاً صحيحًا لفهم مقصوده من الأساسي والعرضي، أوالأصلي والفرعي؛ حيث ينادي الأستاذ “كولن” ويقول:” إن السلم والمحبة والعفو والمسامحة قاعدة أساسية في الإسلام؛ بينما غيرها من الأشياء عرضي”. وأنه “لابد من تقديم الموضوعات التي تُمَثِّل أولوية بالنسبة للمكلفين”. “أما الأحكام مثل جهاد المنافقين، والشدة على الكافرين هي على حد قول الأقدمين: “ثانوي وعرضي”، كما أن الشدة عليهم ومجادلتَهم وقتلَهم حيث يجب القتل أمور معلقة على أسباب متنوعة؛ وهو ما يعني أن تلك الأحكام لن تطبق ما لم تتحقق عللها”.

ويضرب مثالاً لذلك بما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حينما رَدَّ شخصين من المؤلفة قلوبهم في عهد أبي بكر بعد أن جاءا لِأَخْذ نصيبهما من الزكاة، فَقَالَ: “إِنَّ رَسُولَ اللهِ  eكَانَ يَتَأَلَّفُكُمَا وَالْإِسْلَامُ يَوْمَئِذٍ ذَلِيلٌ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ فَاذْهَبَا، فَأَجْهِدَا جَهْدَكُمَا لَا أَرْعَى الله عَلَيْكُمَا إِنْ رَعَيْتُمَا”. قال عُمَرُt  هذا وصرفهما. وهذا يُحمل من عمر t على أنه أدرك علة هذا الحكم وفقا للقاعدة التي تقول: “زوال العلة يعني زوال الحكم”.

ثم يؤكد الأستاذ على أن الأحكام الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية مثل القتل والنفي والحرب، مبنية على أسباب متنوعة، كما فعل عمر t، فإن انتفت تلك الأسباب كان الشيء الذي يجب فعله حينئذ هو: “الوعظ والنصح” و”الأمر بالمعروف” و”القول اللين”، غير أنه حين بتحقق الأسباب المؤدية لتلك الأحكام يُعمل بها قطعًا في إطار مناطاتها، كأن يُعتدى على الوطن مثلا، فحينئذ يجب بذل الأرواح في سبيل الدفاع عن الأوطان والأعراض.

حول الإيمان والعلم

الإيمان في فكر الأستاذ “كولن” أساسي في مسألة بناء الإنسان لما يبعثه من تقوية تصل إلى حد التفاني في نفوس أهل الخدمة، وعلى عكس الاتجاه الذي يفصل بين الدين والحضارة باحثًا عن الحلول لمشكلات الإنسان في مادية بحتة لا دخل للإيمان فيها، حتى وصل الانبهار عند البعض إلى حد إقرار التفسخ العقائدي والأخلاقي لدى بعض الحضارات كمشروع لا غنى عنه لإصلاح مجتمعاتنا الإسلامية، على عكس ذلك تماما يؤكد الأستاذ “كولن” على دور الإيمان في بناء الإنسان وصناعة الحضارة، ويعتبر تثبيت حقيقة “الإيمان بالله” وترسيخها في أرواح الناس، وإقناع الجميع بها، ذروة النصائح وأرقاها، ولا سيما في هذا العهد الذي اهتز فيه مفهوم التوحيد”. ويجعل الإيمانَ الأساسَ الأول في سبيل إصلاح المجتمع وبنائه، وسبيلاً لبعث الأمل من جديد نحو تحقيق تلك المُثُل المرجوّة. فيقول: “إنما يتغذى الأمل بالإيمان، ولا يمكن أن يكون ثمة أمل أبدا عند فاقد الإيمان…ولأجل هذا فإن تغذية الأجيال القادمة بنور الإيمان وترسيخَه وتعميقَه في صدرهم أمر مهم للغاية”.

إن دعاء استفتاح الدرس الذي كتبه الأستاذ بنفسه، يبين لنا هذا الهدف بوضوح تام، إذ يطلب فيه من الله تعالى بلوغ الكمال والتمام في الإخلاص واليقين والتوكل والمعرفة والعشق والاشتياق إلى لقاء الله تعالى

ويربط بين الإيمان والعلم، فيجعل العلمَ الأساس الثاني بعد الإيمان كوسيلة لتحقق الأفكار المثالية في عالم ممتلئ بالفوضى الخلاقة، فيقول: “والأساس الثاني بعد الإيمان هو العلم، فهما مرتبطان ببعضهما في الأساس وكأنهما وجهان لعملة واحدة، وإن سُعي لإظهارهما في يومنا الحاضر وكأنهما متناقضان، وقد فتح الإنسان الباب بالإيمان نحو عشق الحقيقة، وعشقُ الحقيقة يولد عشق البحث، وعشقُ البحث يولد عشق العلم…” ويرى الأستاذ أن المشاكل برمتها سواء كانت مادية أو معنوية يمكن حلها بكل سهولة عند ربطها بهذين الأمرين.

ثم يضيف الأستاذ على ما سبق أساسين آخرين هما، عشق المسؤولية، وعدم التعلق بطول الأمل، كي نستطيع التقدم نحو المستقبل الذي نشتاق إليه كأمة.

حول الوفاق والاتفاق والوعي الجمعي

من المسائل الهامة التي يوليها الأستاذ كولن أهمية خاصة في هذا الكتاب مسألة “الوفاق والاتفاق” فهو يربط التوفيق الإلهي في الخدمة بالوفاق والاتفاق، حيث يقول: “إن توفيق الحق تعالى مرهون بوفاقنا واتفاقنا؛ لأن الوفاق وسيلة مهمة جدا للتوفيق الإلهي؛ فهو يعني التوحد على خط واحد”. ويعتبر الأستاذ عملية الوفاق والاتفاق أعلى قدرا من رفع اليدين وختم مجموعة من الأوراد والأدعية مرة أو مرتين، كما تُعَدُّ تلك العملية بمثابة دعاء ومناجاة مهمة إلى الله تعالى لنيل توفيقه سبحانه.

ويعدها سبيلا مهما لتأسيس أخوة حميمية كأخوة الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فيقول: “يتعين في سبيل تأسيس أخوة الصحابة، أن توضع في الاعتبار العناصر المنطقية إلى جانب الحس، والاتحاد على خط الوفاق والاتفاق، والاحساس الدائم بثقل هذا في القلب، واتخاذ خطوات ملموسة”. ويعتبر المجتمع الذي لا يتحلى بالوفاق والاتفاق، ولا يحارب التفرقة والتشتت سيجرجر أذيال الهزيمة أمام أبناء عصره.

ثم يخطو خطوة أخرى نحو تحقيق الوفاق والاتفاق بين الجماعات المشتركة في خدمة الإسلام، فيدعو أن تعترف كل جماعة بما قدمته الأخرى من خِدْمَات وأن يشجع بعضها البعض الآخر، ويساعده ويسانده ويقف إلى جانبه.

ويحرص على فكرة الجماعة لا الجمعية ويبرز الفرق الشاسع بين المفهومين، فالأول هو كيان يشكله أناس تجمعوا عن وعي حول شعور وفكر وعقيدة ومبدأ معين، أما الجمعية فتعني الكتلة المتجمعة لتحقيق غاية معينة، والوصول إلى هدف معين سواء أكان بينها اتحاد في المشاعر والأفكار والمعتقدات والمبادئ أم لا، ومن المحتمل دائما أن تقع الفرقة ويتحقق التشرذم حين يتعذر الوصول إلى تلك الغايات، أما بالنسبة للجماعة فليس من الوارد أن يكون ثمة اختلاف في غايتها ومطمحها –باستثناء الاختلافات في المسائل الاجتهادية- كما أنه ليس من المتوقع أن يحدث تشتت وتفرق فيما بينها؛ ذلك لأن التفاهم والتوافق مسألة عقلية ومنطقية، والوحدة التي تستطيع الاستمرار والبقاء هي الوحدة المبنية على العقل وعلى المنطق وعلى القلب.

ويُبْرِزُ مفهوم (ولاية الجماعة) في مقابل الولاية الفردية، حيث تتقدم ولاية الجماعة في يومنا الحاضر على الولاية الفردية وتسبقها بمراحل عدة، مؤكدا أن عناية الله تتجلى على العمل الجماعي وهو ما يشير إليه الحديث الشريف (يد الله مع الجماعة)، وأن الأشخاص الذين يمثلون الولاية في صورة الجماعة لا يغترون ولا يتفاخرون ولا يتكبرون. ومن هنا يرتفع العمل الجماعي أوالوعي الجمعي في النفوس إلى مرتبة تجعلها تتفانى في سبيل خدمة الأمة والإنسانية جمعاء دون الاستجابة لرغبات النفس السلبية وشهواتها.

حول ربط نقل الإسلام للجماهير بالوسائل

يرى الأستاذ كولن: “أن ربط عملية نقل الإسلام إلى آفاق العالم بوسائل الاتصال الجماهيري ليس صحيحا؛ صحيح أن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة يمكنها تسهيل عملية التبليغ وتسريعها إلا أن الوسائل وحدها لا تعتبر كافية في تجسيد الإسلام وتمثيله، لأن التمثيل يتقدم على التبليغ دائما في التعبير عن الرسالة والمشاعر والأفكار الإسلامية.

إن السلم والمحبة والعفو والمسامحة قاعدة أساسية في الإسلام؛ بينما غيرها من الأشياء عرضي

ويُرْجِع الأستاذ عدم تعاطف الغرب مع الإسلام إلى سببين:

  • استعانة الغرب بالموروث العدائي ضد الإسلام، والتعصب الأعمى في مواجهته.
  • عجز المسلمين عن تمثيل الإسلام حق التمثيل.

والتمثيل الحق للإسلام فيما يراه الأستاذ “كولن” يكون بالتحلي بالروح والمعنى المحمدي على اتساع معناهما ومرونتهما، ومتى لم نتناول الإسلام ونُقَيِّمه بهذه الروح فلا نُعتبر قد فهمنا الإسلام حق الفهم ولا مَثَّلناه حق التمثيل.

حول الشورى والطاعة

من القضايا اللافتة للنظر في هذا الكتاب معالجة الأستاذ للشورى والطاعة وهي تحتاج إلى بحث مطول يُفردها بالمعالجة لكننا سنتناولها هنا باختصار ونهيب بالباحثين القراءة التفصيلية لهذا البعد في شخصية الأستاذ كولن وحركة الخدمة، فالأستاذ يُعلي من شأن الشورى بصورة واضحة، ويؤكد على لزومية الامتثال المطلق لما يُتخذ من قرارات فيها، “لأن المشورة والطاعة يبدوان كوجهين مختلفين لشيء واحد، وهما عنصران مهمان في الحياة الاجتماعية الإسلامية”.

ويقف الأستاذ “كولن” على منطقية عدم اقتناع البعض أحيانا بالأمور التي اعتمدتها الأغلبية، وربما عدم قبولهم لها، ويبين ما يجب على أعضاء الاستشارة عند اتخاذ قرار ما، فيقول: “ينبغي أن يتحدث أعضاء مجلس الشورى عن الفروق في الاجتهادات، وألا يوافقوا على كل مسألة دون رؤية، وأن يوردوا شرحا للرأي الذي يخالف ما اتخذوه من قرارات كي يخلصوا أنفسهم من المسؤولية أمام الله تعالى.

ثم يحذر من خطورة الانسياق نحو الطعن في قرارات الاستشارة بعد اتخاذ خطوات في تنفيذها، حتى ولو كانت النتيجة سلبية، ويؤكد على أن هذا يُعد “غيبة” محرمة، ومدخلاً خطيرًا نحو نقد القدَر. ولا شك أن هذه النظرة مهمة جدا من أجل نيل عناية الله تعالى ورعايته وتوفيقه.

كانت الأفكار التي عرضناها بصورة موجزة هي أبرز ما لفت نظري كقارئ، ومن ثم أحببت أن أتقاسمه معكم، ولكن يبقى في كتاب “لمسات في إصلاح المجتمع” للأستاذ كولن الكثير مما لو أُفرد بالبحث والتنظير لكان جديرا بذلك، ولذلك أدعو السادة القراء أن يلتفتوا إلى هذا الكتاب ويستخرجوا ما فيه من أفكار تعبر عن تجربة ثرية في مجال إصلاح الفرد والمجتمع، وسوف أختم هذا العرض ببعض التوجيهات الإرشادية التي حرص الأستاذ على توصيلها في ثنايا أجوبته ومعالجاته، ولا شك أنه من الأهمية بمكان أن يحرص المفكر والمربي على تخليل إجاباته وأفكاره بما يراه لازمًا في سبيل دوام العمل الخدمي بفعالية، والإرسالِ برسائل تثبيتية أو تحذيرية من أجل استقامة العمل وديمومته، وهذا الكتاب مليء بأمثال تلك البرقيات التقويمية، وفيما يلي عرض موجز لأهم تلك الأفكار:

– التنبيه على الالتزام بالإطار الإسلامي تحت ريادة وإرشاد القرآن والسنة.

– إن وضع الوحي أساسا للمعرفة، وتأطيرها باستخدام العقل والحواس هو الطريق الوحيد الذي لايضل ولا يزل في طريق الوصول إلى المعرفة.

يؤكد الأستاذ “كولن” على دور الإيمان في بناء الإنسان وصناعة الحضارة، ويعتبر تثبيت حقيقة “الإيمان بالله” وترسيخها في أرواح الناس، وإقناع الجميع بها، ذروة النصائح وأرقاها

– طريقنا وطريقتنا هو إنقاذ الإنسانية، لأن تلك هي الفكرة الأساسية في ديننا وحين نعي هذه الفكرة فلن يصعب علينا تحديد طريقنا، فالتعريف بالله تعالى فرض يعلو كل الفرائض.

– ينبه على صعوبة الطريق وأن أهل الخدمة دائما مبتلون، ومطالبون بالتحلي بالصبر واللين مسبقا في مواجة الأزمات التي سيتعرضون لها. وأن هذا العمل هو عمل أولئك الذين امتحنوا كثيرا، وأثبتوا صدقهم ووفاءهم لله تعالى في مواطن كثيرة.

– فتح العالم لم يعد بحمل السيف والخنجر على الخصر، والكنانة على الظهر، ولا بامتطاء الخيل كما كان في الماضي؛ بل على العكس تماما؛ وإنما يكون بالوصول إلى قلوب الناس بالقرآن في يد، وبالمنطق في يد أخرى.

– منهج التربية يقوم على عنصري: تغذية العقل ، وإحياء القلب، وإن أي خروج عن هذا المسار يعتبر عقبة نحو تحقيق إنسان يرتفع بإنسانيته إلى الكمال.

– عدم المبالاة بانتقادات الآخرين أثناء السير حتى لا تتعثر في الطريق.

– إن الامتثال للشريعة الفطرية أمر في حكم الواجب يأتي ضمن القاعدة الأصولية “سد الذرائع”

– النتيجة تصبغ الوسيلة بصبغتها، فكل سبب مشروع في طريق الخير ويؤدي إلى الخير خيرٌ.

نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق لما فيه الخير للإنسانية أجمعين